وأما حرف الفاء فإن الأصل فيه إذا ورد للنسق والعطف للتعقيب من غير تراخ، كقولك (ص ٦٣) جاءني زيد فعمرو.
وترد أيضا للتسبيب والتعليق كالجزاء والشرط. والتسبيب هاهنا يسمى التعقيب كقولك: إن أحسنت إلىّ فأنا أشكرك، فهذه الفاء دخلت في المجازاة، والإحسان بسبب الشكر، والشكر متعلق بالإحسان، وكذلك الشرط والمشروط كله، ومنه قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له)، وأنكر القاضي كونها للتعقيب إذا وقعت في جواب الأمر والنهي.
ودافع المعتزلة عن الاستدلال على خلق القرآن بقوله تعالى: (كن فيكون)، وأن الفاء هاهنا للتعقيب من غير تراخ، ولا مهلة، وإذا كان الكائن الحادث عقيب القول: كن، من غير تراخ ولا مهلة، اقتضى ذلك حدث القول الذي هو: كن، فاشتد نكير القاضي لكون الفاء تقتضي التعقيب، في مثل هذا، ورأى أنها إنما تقتضيه في النسق والعطف، وليس هذا منه.
وهذه إحدى الفوائد في الكلام على هذا الحرف، وكذلك أيضا استدلال من
[ ١٧٣ ]
استدل على وجوب الترتيب بقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، ورأى أن الفاء، هاهنا للتعقيب، لأن هذا من باب الشرط والمشروط، وإذا أفادت تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه منعت أن يقدم قبل الوجه عضو آخر سواه، لأن تقدمة عضو آخر عليه، يمنع من كون الوجه مغسولا عقيب القيام إلى الصلاة، وإذا ثبت البداية بالوجه فقد ثبت له الترتيب، وإذا ثبت الترتيب في عضو واحد ثبت في سائر الأعضاء، إذ لا أحد يفرق بينها في هذا الحكم.
وترد الفاء أيضا زائدة، وأنشدوا في هذا:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
وأنشدوا أيضا:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي