وأما حرف الواو فالكلام عليه من ثلاثة أوجه:
[ ١٦٩ ]
- فائدته.
- وأقسامه.
- والاستدلال على المذاهب فيه.
فأما فائدته، فإن الفقهاء مختلفون في ترتيب الوضوء، هل هو مستحب، أو مستحق، فالمشهور من مذهبنا أنه مستحب، وعند الشافعي أنه مستحق، وشذ بعض فأوجب على متعمد التنكيس للوضوء إعادة صلاته أبدا، وهذا قد يشعر بموافقته للشافعي في إيجاب الترتيب، لكنه قد يكون بناه على القول بأن تارك السنن تعمدا يبطل العبادة، وهو أحد القولين عندنا في هذا الأصل.
فمن زعم أن الواو في اللسان موضوعة للترتيب، اقتضت الآية عنده غسل الذراعين بعدا لوجه، لعطف الذراعين على الوجه بحرف الواو.
ومن أنكر وضعها للترتيب لم يسلم هذا الاستدلال، وكذلك إذا قال الرجل لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وأنت طالق، كلاما نسقا، متصلا بعضه ببعض، ففي إلزامه الطلقة الثانية اختلاف بين العلماء، وقد ذكرنا سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، ومذاهب اصحابنا فيها، فيما أمليناه في الفقه، فمن يرى أالواو مرتبة ينكر إلزام الطلقة الثانية، لأن مقتضى الترتيب إيقاع الطلقة الثانية بعد استقرار الأولى، ومن ينكر الترتيب، ويراها للجمع يوجب الطلقة الثانية، كما أوجب الأولى، لأن حرف الواو هاهنا، لم يوجب للطلقة الأولى رتبة على الثانية، فلما وجبت الأولى، وجبت الثانية، لاستوائهما في الرتبة، واستقصاء ما يتعلق بهذا المعنى من المسائل الفقهية يخرج عن غرض الكتاب.
وأما أقسامها، فإنها تقع على عشرة أنحاء:
تكون عاطفة، كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات) الآية، وفيها عطف بحرف الواو تسعة عشر موضوعا.
وتقع بمعنى "أو" عند قوم من أئمتنا، واستدلوا بقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) على جهة التخيير في هذه الجمل، ولو كانت هاهنا ليست بمعنى أو، لأبحنا للإنسان نكاح تسعة، [كما] قال داود تعلقا بالظاهر من معنى حرف الواو، وقد ورد عليه بأنه لو كان المراد ما تأول لقال: فانكحوا تسعا، إذ لا يقول من العرب في
[ ١٧٠ ]
العبارة عن تسع، اثنان، وثلاث، ورباع. وأنكر البصريون من النحاة ورود الواو بمعنى أو.
وترد الواو أيضًا بمعنى الحال كقوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)، فأعرب الطائفة الثانية بالواو، ولم يعطها على إعراب الطائفة الأولى، التي [إعرابها] بالنصب () هنا بالواو، ومعنى [الآية] كأنه يقول: إذ طائفة مثلا [قد أهمتهم]، أي أنزل عليكم الأمنة في حال هذه الطائفة [أهمتهم أنفسهم].
وترد أيضا بمعنى ["مع" كما تقول] استوى بالماء والخشبة] (ص ٦٢).
وترد بمعنى الباء كقولك: مازال زيد وعمرو حتى أعطاه، ومعناه زيد بعمرو.
وترد أيضا بمعنى الجواب كقول الله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) فالواو في قوله: (ويعلم الصابرين) ليست على جهة العطف الذي قدمناه في أول الأقسام، وإنما هي بمعنى الجواب.
وترد أيضًا بمعنى القسم، قال الله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين). وترد إلى الاستئناف أيضا كقوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه) فالمراد: فلما أسلما وتله للجبين ناديناه، وكقوله: (ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) فالمراد: ضياء وذكرا.
وأما الاستدلال على كون العاطفة مرتبة أو جامعة، فإن الشافعية تستند إلى قول إمامهم لكونه عندهم من أئمة اللغة، وتستدل بقوله ﵇، في الصفا والمروة: "نبدأ بما بدأ الله به"، فأشار إلى وجوب الترتيب، وأن المبدأ مقدم على عطف عليه بحرف الواو.
فأما تعويلهم على إمامهم فلا حجة لهم به لأنه صاحب مذهب، يبني آراءه على ما
[ ١٧١ ]
يتأول، ويستنبط، ولا حجة باستنباطه على فقيه غيره، وأما الحديث فليس بتصريح باقتضاء الواو الترتيب، وإنما تضمن البيان عن حكم الشرع في البداية بالصفا، فعبر عن قوله: ابدأوا بالصفا، بأن قال نبدأ بما بدأ الله به، ولو كانت تقتضي الترتيب لم تفتقر إلى أن ينبههم على وجوب البداية بالصفا لأن لسانهم لا يفتقرون فيه إلى تعليم وبيان، وإنما يبين لهم المراد بالمشكل المحتمل.
وأما المنكرون للترتيب فإنهم يعتمدون على حسن دخول حرف الواو في باب المفاعلة، لأنك تقول تضارب زيد وعمرو، ولا يحسن أن تقول تضارب زيد فعمرو، ولا تضارب زيد ثم عمرو، لما في هذا من التناقض، لأن قولك تضارب يقتضي وجود المضاربة من هذا وهذا في حالة واحدة، وقولك: تضارب زيد ثم عمرو يقتضي ضرب زيد لعمرو فحصل الكلام متناقضا، فلهذا قبح، فلو كانت الواو تفيد ترتيبا لقبحت العبارة هاهنا أيضا، لأجل ما تضمنه [ذلك] من التناقض.
واستدلوا أيضًا بأن من قال: جاءني الزيدون كان الأصل فيه: جاءني زيد وزيد وزيد، فلما قبح عندهم هذا التكرير، ورأوه عيا اختصروا فقالوا: جاءني الزيدون، فكأن الواو في قولك: زيد وزيد وزيد هي الواو في قولك: الزيدون فلما كانت الواو في قولك: الزيدون لا تفيد ترتيبا بإجماع، فكذلك لا تفيد ترتيبا في قولك: زيد وزيد وزيد.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) وفي آية أخرى: (وقولا حطة وادخلوا الباب سجدا)، فلو كانت الواو تتضمن ترتيبا، القصة واحدة لم لم يحسن تقديم السجود على القول، والقول على السجود مرة أخرى لأن الواو يوجب فعل أحدهما قبل الآخر، فإذا قدم هذا على هذا مرة، وهذا على هذا مرة أخرى، بطل الترتيب المستفاد، ولم يصح ذلك إلا أن يكون أمرا لفئتين، أو لفئة واحدة في زمنين مختلفين.
وأنكر أبو المعالي على من قال إنها وضعت للجمع، فأنا نعلم أن القائل: جاءني زيد وعمرو، فلا تفهم العرب عنه أنهما جاءاه معا، بل يحتمل قوله أن يجيئاه معا، أو يجيء واحد، بعد واحد، وهذا منه ظن بالفقهاء أنهم أرادوا بقولهم: ترد للجمع هذا المعنى الذي أشار إليه، وأفسده عليهم، وأظن أنهم ما أراده، وإنما أرادوا بالجمع أنهما اجتمعا في المجيء مع احتمال أن يكون جاءا معا، أو مفترقين، وقد ذكر بعض المصنفين المحققين أن الواو إنما وردت للجمع، وفسر الجمع بالاحتمال الذي قلناه.
وأما إشارة أبي المعالي إلى أنها ترد للجمع على غير هذا القصد، والغرض كقولهم:
[ ١٧٢ ]
لا تأكل السمك، وتشرب اللبن، فإن المراد النهي عن الجمع بين السمك واللبن، ولكن هذا الجمع ليس هو الجمع الذي يشير إليه من تكلم على الواو العاطفة ومتى أراد هذا القائل بهذا الكلام العطف، والنهي عن تناول السمك وتناول اللبن، قال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فيكون الإعراب يختلف المعنى باختلافه.
فإذا قال: وتشرب اللبن بفتح الباء، كان نهيا عن الجمع بينهما، ويكون الانتصاب في: تشرب بمعنى تقدير حرف أن، وإذا أراد النهي عن أكل كل واحد منهما كسر الباء، فكأنه قال: لا تأكل اسمك وتشرب اللبن، وقد يرفع الباء أيضا، ويكون تقدير الكلام: لا تأكل السمك شاربا للبن، يعني لا تأكله على هذه الحالة بمنزلة من يمضغ المطعوم، هوه () الماء.