(ص ٢) ممكن فيه وهو ( دقه) عادة اطردت والعوائد لا تستبعد، ولا يقال فيها الاحتصاص في مثل هذا بزمن دون زمن، وعدل أيضًا في الرد على () قال: لو كان عند اختلافه يطرأ عليه العقل لأحس طريان ذلك عليه، وهذا أيضًا قاطع، لأنا وإن سلمنا أنه لابد أن يحس الحي بطل ما طرأ عليه من الصفات المشترط فيها الحياة، فإن هذه المعارضة (تلد ) له، فأنت تعلم أنه قد مرت به سنون وهو غير عاقل، ثم عقل فخبرا عن الصبي متى أحس بهجوم العقل عليه قبل بلوغه. وهذا لا سبيل لتحديده وضبطه، وهذه أحوال على التدريج يخفى كثير منها عن الحس على مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها في التنمية للأعضاء والعقول، وبسط هذا يخرج إلى علوم أخر، وإن كان لابد من مخالفة القاضي في هذا فأمثل [ما] يعول عليه عندي أن يقال: قد اتفق على أن العقل شرط في حصول العلوم النظرية. ولا يمكن من فقيد العقل أن يستنبط () الأمور، ويكشف بالفطرة السديدة عن حقائقها، ونحن نرى كثيرًا من المراهقين نعلمهم دقائق العلوم فيتعلمونها ويأ [خذون] فيها أصولا فيفرعون عليها ويقيون، وقد يستنبطون منها وهذا لا يكون مع فقد العقل، وبين أيدينا الكلام في حقيقة الـ[ـعقل] فهناك يكشف عن حقيقته إن شاء الله.
وأما خطاب من لا يعقل وقد كان عاقلا كالسكران والنائم، وكل من [فقد العقل] فالقول فيه على ما تقدم من البناء على تكليف مالا يطاق، وقد قدمنا حقيقة العلة في هذا المعنى بأن قلنا بمنع () الجمهور من الحققين على أن السكران والنائم غير مخاطبين بحكم من الأحكام أصلا، ومن الناس من ذهب إلى كونهم مخاطبين () بالأحكام، وإن احتج هؤلاء بتوجه قضاء ما فات من صلاة وصيام عليهم، أو غرامة متلف، كان جوابهم أن هذا الخطاب [توجه إليهم] بعد أن تابت عقولهم إليهم فخوطبوا حينئذ بقضاء ما فات من الصلوات حال النوم والسكر، فإذا صرفنا الخطاب إلى حا [لة كونه] عاقلا إما قبل النوم والسكر أو بعدهما وقع الخطاب في حق عاقل، وخطاب العاقل لا يستحيل، وصارت
[ ٧١ ]
الأفعال حال الـ[عقل] ( لما) على خطاب هذا العاقل.
وتعلق هؤلاء أيضًا بقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) () أن الفقيد العقل، وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها أن الآية منسوخة بتحريم شرب الخمر، و(هـ ) إن النسخ إنما يكون بأمر يناقض الأول، وتحريم الخمر، ومنع السكران الصلاة حكمان متباينان وأيضًا () لكان السكران قد خوطب في الشرع مدة من الزمان، ثم نسخ فلا يكون هذا الجـ[ـواب] () باقي إلى الآن، وقيل أيضًا الآية وردت في السكر من النوم، وهذا إنما ينفع إذا قلنا [إن قوله] تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون) يشير إلى أنه غير ثابت الميز، وقيل ايضًا إن المراد بالـ[ـكران] () الذي لا ميز له، ونهي هذا عن الصلاة، لأن نشوته ومسرته يمنعان من استيفاء حقوق الله () هذا الشراب من الجرأة والتهاون بالعظائم، والإعراض عن النظر في العواقب () من يدافعه الأخبثان: الغائط والبول، لكون ذلك قاطعا له عن استيفاء () (حتى تعلموا ما تقولون) فجعل غاية النهي العلم، فدل على أن ما قبل الغاية () في هذا اللفظ توسع وتجوز، والمراد به علم ملتفت إلى النظر في الـ[عواقب] () والمسكنة. وقد أخبرنا أن النشوان لا توجد فيه هذه الصفات، وقد () بها الكافرون () فيها، وهذا إذا كان معه الميز.
ولكن قصد به (ال ) تعالى الله () (ص ٣) لتأتي في النظر الأول
[ ٧٢ ]
شعبة منه فتشعب من النظر في التحسين والتقبيح () وجوب عقلا، وشبه ذلك، والكلام في حكم الفعل قبل ورود الشرائع، وتشعب [منه أيضا] تكليف ما لا يطاق (كتكليف) الصبي والسكران والساهي، وتكليف الكفار بفروع الشريعة، وهذا الفصل في تكليف المكره متشعب () في التحسين فاعلم أن المكره على فعل، النظر فيه من وجهين:
أحدهما: جواز ورود الشرع بالنهي عن فعل ما أكره على فعله.
والثاني: جواز وروده بالأمر بفعل ما اكره على فعله، فأما ورود الشرع بالنهي عما اكره على فعله فمتفق على جوازه () وأكره رجلا على قتل مسلم لا يحل قتله، فإن الشرع قد ورد هاهنا بنهي هذا الرجل من قتل ما أكره على قتله
والثاني [قد] اختلف فيه الخائضون في هذا الفن، وهو صحة ورود الأمر بفعل ما أكره الإنسان على إيقاعه كنائم استيقظ في ضيق من () فأكرهه إنسان على إيقاع الصلاة، فعندنا أن الشرع يصح أن يرد بأمره بالصلاة، وكذلك ورد، كيف؟ ومالك ئة وجماعة من العلماء يرون أن من قال: لا أصلي فيهدد بالقول إذا ضاق الوقت، ويقتل إن لم يصل، وقالت المعتزلة في هذا القسم () الشرع يأمر المكره بفعل ما أكره على فعله.
ونكته النظر في النظر أنا قدمنا أن الإمكان والتمكين إذا حصلا صح، [فينظر] في حصول هذين الوصفين في هذا المكره، فإن حصلا له صح تكليفه، ولا شك أنهما قد حصلا له، لأن [ما] اكره عليه ممكن إيقاعه، بل زاد في الإمكان طبقة حتى خيل إلى المعتزلة أنه كالفعل الضروري الذي لابد منه () المكره أيضًا متمكن من الإيقاع، بل زاد في التمكن طبقة لاضطراره إلى الفعل، فإذا كان المكره عالما بما يفعل مقتدرا ().
وقد وافقتنا المعتزلة على كونه مقتدرا، وأربوا علينا في وصفه بالاقتدار، فقالوا إنه قادر على فعل ما أكره عليه [وعلى] تركه بناء على أصلهم في القدرة المحدثة على الضدين،
[ ٧٣ ]
فهم أحق منا بصحة تكليف هذا المكره، لأنا نحن لا نراه مقتدرا إلا () الواقع، ولا قدرة له على ضده، فقد ثبت كونه قادرا عالما، وكذلك ثبت كونه مريدا قاصدا لإيقاع الفعل، فلا () تكليف فعل ممكن لرجل متمكن زمن هذا الوصف الآخر الذي ذكرناه وهو القصد والإرادة شبه على المعتزلة () إن لم تفعل كذا قتلناك، فإن الطبع يستحثه على التخلص من القتل، فهو كالمجبول على فعل أكره فيه، [فيكون ذلك على] مقتضى الجبلة والطبيعة، فإذا كان السبب في إيقاعه حفظ الحياة لم يتصور معرته () أمر الله سبحانه، فإذا لم يكن سبب إيقاعه قصد التقرب به لم يثبت عليه، لأنه يكون ضد () شرط التكلف الإثابة، فهذا معتمد القول في الرد عليهم، ثلاثة طرق: أحدهما المدافعة [والثاني الممانعة] والثالث المناقضة.
فأما المدافعة عن أصل المذهب فتتكلم عليها في أصول () يستند أبو المعالي على أنه لا يجب على الله سبحانه أن يثيب أو يعاقب أو يكلف أو ر، وهناك علم بطلان ما قالوه في إحالة تكليف المكره. وأما الممانعة في تصور () والطبيعي، وهذا باطل، لانا نعلم ضرورة أن من الممكن أن يمتنع المكره من فعل ما أكره عليه، () صرامة وبالمراقب (؟) أن يقهر أويضام على رؤوس الناس يتجلد على أنواع العذاب ويظهر () لصفة من غلب على مراده، وإذا كان هذا موجودا مشاهدا، صح أن يكون المكره لولا مخافة في إيقاعه ما خوفه الله سبحانه من عقابه لا () ألم من أنواع عذابه () للطبيعة، لا مطيعا لله سبحانه وقع هذا الذي أريناهم () (ص ٤) هذين (الو ) يوقعها الإنسان.
[ ٧٤ ]
وقد قسمت الأوائل الأفعال ثلاثة أقسام طبيعيًا محضًا، [كهضم] المعدة للطعام [وإراديا محضا] كرد السلام، ومشتركا بين الطبيعة والإرادة كالسعال وما ذكروه معه، فمن قـ[ـائل] دخلت على المعتزلة الشبهة، ولا يخفى على عاقل فرق بين المشارك والمتمحض، وهذا لا يطلق [عليه] أرباب الأصول أنه مكره على الحركة لما سلب الاختيار فيها جملة، بخلاف المكره على الحركة.
وأما المناقضة فإن القاضي أبا بكر [رضي] الله عنه ناقضهم بالمكره على القتل، فإن العلماء قد أجمعوا على أنه منهي عنه مع إكراهه عليه فقد تحقق التكليف [مع] الإكراه، وهاهنا ذكر أبو المعالي أن هذا الإلزام هفا فيه القاضي هفوة عظيمة، وقد جانب هذا الرجل عادته () في مصنفاته القديمة من التضاؤل للقاضي، إذا لاح له وجه مخالفة عليه، وطلب جميل المخارج لقوله، فلو سلك () الطريقة لم يطلق مثل هذا القول، في مثل هذا الإلزام، كيف والقاضي لم يهف كما تصور، ولكنه نظر إلى المسألة [من جهة] ونظر القاضي إليها من جهة أخرى أما هو فإنه تتبع علة القول فلم يرَ الإلزام لازما لهم، لأنا ذكرنا عنهم، أن الحمل () يقتضي إيقاعه طاعة لا لداعي الشرع، فلهذا لم يحسن تكليفه، وأما المأمور بالقتل المهدد بالقتل إن لم يفعل فإ [ن داعي الطبع] وداعي الشرع مختلفان، الطبع يدعوه إلى أن يقتل تخلصا من الهلاك، والشرع ينهاه عن ذلك، ويأمره (بج ) أشد في المحنة، فالأجر يعظم فيه، فشتان بين صورة تقتضي الزيادة في الأجر، وصورة تقتضي عدم الأجر، وقد () بزيادة الأجر في الوضوء عند شدة البرد، ولما كان داعي الشرع فيه ينازعه داعي الطبع، ولا شك أن من نظر [إلى المسألة] على مقتضى أصلهم، عرف أن ما ألزمه القاضي لهم غير لازم.
ومن نظر إلى المسألة من جهة تصور المذاهب كما قد () على الوجه الثاني عرف أن ما ألزمهم لازم، وذلك أنه ليس إلا أحد أمرين إما أن يقدر أن الإكراه
[ ٧٥ ]
لا يسلب الفعل حكم ( ار) فيستوي السؤالان، ويصح تكلف المكره قتل من أكره على قتله، ويصح نهيه عن قتل من أكره على قتله، لأنه في () أن يقال أن الإكراه يلحق الفعل بالأفعال الطبيعية والأمور الضرورية، فيستوي أيضًا على هذا السؤالان () يصح أن يؤمر به، لأنه يؤمر حينئذ بفعل ضروري، وهذا لا يصح عندكم، كما لا يصح أن يؤمر الإنسان بهضم () على قتل رجل، فلا يصح أن ينهي عن قتله، كما لا يصح أن ينهي عن الأفعال الضرورية، ولا يصح () طعامه.
وعجبا لأبي المعالي كيف أطلق في هذا الإلزام ما أطلقه في القاضي وهو () الخصم، ولا خلاف بين النظار أن المناقضة تكون على أصل صاحب المذهب وهو () أن يتفقا على نقل الكلام إلى صحة مذهب المخالف، وهو قد علم أن القاضي لا يشترط () التكليف ولا يمنع تكليف ما لا يطاق، ولا خفاء عن جواز هذا الإلزام لازم (عد ) اشترطوه في هذا التكليف، أفيحسن أن يطلق مثل هذا القول، ولامناقضة على () أن القاضي يضطرهم إلى أن تكون المناقضة صحيحة على أصلهم لأن نكتتهم التي عولوا [عليها] () إلى الطبيعة ولا شك أنهم يمنعون تعلق التكليف بالطبيعات الضروريات (فع ) ويعلم صحة [ما اعتذ] رنا عن القاضي به، وبيناه.
وقد اندرج في كلامنا العذر عن أبي المعالي () كالأقد، ولكنه أساء في إطلاق ما أطلق على القاضي [وهذا] واضح لمن تدبره.
[ ٧٦ ]