() من كفر نتكلم على هذه المسألة [في] خمسة أوجه:
() (ص ٥) ما لا يطاق كما تقدم تنبيهنا عليه، فيما قبل، وأما القاضي فاقتضى عنده () لعموم أن النظر فيها نظر فيما اشتمل العموم عليه، كنظره في دخول العبيد في عموم الخطاب، و() ولا شك () إلى جواز الخطاب عقلا، فالرتبة ما رتب أبو المعال، وإن التفت فيها إلى ورود السمع بخطابهم () ما رتب القاضي.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب، فاعلم أن المأمور به، إما أن يكون مرتبا على ما قبله، وإما أن لا ترتيب فيه.
فإن كان غير مرتب على ما قبله كأول واجب أمر به المكلف من المعارف، فإن هذا لا يُمترى [فيه] فحصل الخطاب به، ولكن مع هذا فالذي عليه أئمة المسلمين أن الكفار [مأمورون] بعقائد الإيمان، من تصديق الله ورسله.
وحكي عن [قوم] من المبتدعة، أن الكفار غير مخاطبين بهذا المعارف، واختلفت طريقة هؤلاء، فمنهم من رأى المعارف ضرورية [فلهذا لم يؤمروا] بها، ومنهم من رآها كسبية، ولكنه منع الخطاب لما يذكر في غير هذا الفن.
وزعم الجاحظ أن هذه المعارف [ذات] وجهين: النظر والاستدلال، والطبع، فكأنها عنده مشتركة، ورأى أن من استدل فلم يعرف معذور، لأن الطبع () به، وهذه ترهات من المذاهب، والمسلمون على خلافها، وإذا التفت إلى نقضها فذلك يذكر في كتب علم الكلام [أما] سوى هذه المعارف كالعبادات البدنية من صلاة وحج، وغيرهما فاختلف الناس في الخطاب لكافر فأضيفه؟ إلى الشافعي أنه رأى توجه الخطاب إلى الكافر بذلك.
وذكر عن أبي حنيفة أنه رأى أن الكافر لا يخاطب بذلك.
وأما مالك فلم أعثر له فيها على نص، ولكن ذكر ابن خويز منداد من أصحابنا أن الصحيح عنده أن الكفار غير مخاطبين بذلك [وهو] مقتضى مذهب مالك، واستقرأ هذا من
[ ٧٧ ]
قوله: أن الكافر لا يلزمه طلاق، ولا عتاق، ولا تقام عليه الحدود، وانفصل عن [ذلك] في السرقة، وإقامة حد الحرابة عليها، بأن ذلك لضرورة صيانة المال، بخلاف غيرها من الحدود التي القصد بها كفارة [لأهلها] فإنها لا تقام على الكافر، لأنه مع كفره لا يخاطب بما يكفر عنه هذا الذنب.
وكثيرًا ما يجري في المذاكرات تخريج اضطراب أهل المذهب في مسائل الاختلاف في هذا الأصل، من يخرج اضطراب المذهب () المحيض إذا أراد زوجها المسلم وطئها على هذا الأصل، وكذلك يخرج مسألة المسلم المسافر [إذا كانت] زوجته النصرانية طاهرة فأراد وطئها لكونها مفطرة على مقتضى دينها وهو () يستبعد استقراء مسائل الأصول من الفروع.
ونحن إن خضنا في المعاذير عن هذه المسائل و(لع ) فيما أمليناه من كتب الفقه، ومن الناس من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالمنهيات دون بالمأمورات والذين يرون أن الكـ]ـفار مخاطبون فإنه يرون [هم] مخاطبين شرعا، لا عقلا، وأما النفون خطابهم فيخالفون على (قو ) و[هذه] جملة المذاهب.
وأما الوجه الثالث فالنكتة فيه أن الصلاة والصيام مما يمكن أن () لكن يأتي اكتسابه فالأمر به سائغ، ولو منع بعضه لمنع كله، لكن المكتسبات تقع () بعضها إلى مقدمات مكتسبات لا يخرج الأواخر أن يكون ممكنة متأتية كإمكان الأوائل () أن يكتب، والقلم موضوع بين يديه يمكنه تناوله، ولا يفرق أحد من العقلاء بين هذين () إلا بأن يقدم فعلا آخر قبلهما وهو حركته إلى القلم، لكن لما كانت حركته إليه (بة ) وإن كان لا يمكنه إيقاع صلاة متقرب بها إلى الله سبحانه، وهو مصر على كـ[ـفرة] () وما ذاك إلا لكون () (ص ٦) ثم يقالل [ل] () [إذا]
[ ٧٨ ]
فرضناه مأمورا بهما بشرط أن نقدم الإيمان، صار تاركا واجبا عليه، مع تأتي إيقا [دعه وهوي ما بيناه، فحصلت المعاقبة.
نعم لو فرضنا خطاب الكافر بالصلاة ناجزا لفور الخطاب من غير مهلة يوقع فيها الإيمان [كان] هذا خطابا بالمحال، لأن الصلاة إذا أمر أن يتقرب بها إلى الله سبحانه في الحال التي لا يعرف فيها الله، والتقرب يتضمن معرفة الله فإنه كلف الجمع بين العلم والجهل، وهذا لا يمكن، فمن منع تكليف ما لا يطاق منعه، ومن جوزه أجازه، وقد مضى [الكلام] فيه، ويناقض من أحال خطاب الكافر بالصلاة بخطابه بتصديق الرسل، فإن تصديق الرسل قد أمر الكافر به، باتفاق أهل [العلم] المعتمد على قولهم، وقد علم أن تصديق الرسل لا يصح إلا بعد العلم بالله سبحانه الذي أرسلهم، فمن كان لا يعرف الله سبحانه فما خوطب بتصديق رسله، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم بالله سبحانه.
فإن قيل: لأن التوصل إلى ذلك يمكن بأن يعرف الله سبحانه، وكذلك يمكن الكافر أن يعرف الله سبحانه، فتصح منه الصلاة، وقد نوقض أصحاب هذا المذهب أيضًا بكون المسلم (الم ) الذي دخل عليه وقت الصلاة مخاطب بالصلاة مع كونه لا تصح الصلاة منه إلا بعد إزالة حدثه.
وقد ركب ابن الجبائي () المناقضة، وزعم أنه غير مخاطب بالصلاة، ولو بقي سائر دهره محدثا، وقد نسب في هذا الذي ركب إلى خرق الإ [جماع] أوجده أبو المعالي سبيلا إلى العذر، فقال: إن أراد أنه غير مخاطب بفعل الصلاة ناجزا مع بقاء حدثه فذلك صحيح، وإن أراد لا يأثم وإن اتسع الوقت لإيقاع الطهارة، والصلاة، وأنه لا يأثم بترك الصلاة سائر عمره فقد خرق الإجماع.
وهذا الذي نقل أبو المعالي عن ابن الجباثي وأراه طول التأويل فيه، قد وقفت عليه لابن خويز منداد من أصحابنا، وذلك أنه صرح بأن المحدث غير مخاطب، ولو دخل الوقت.
وأشار إلى إسناد هذا المهذب لمالك ﵁ فقال: إن مالكا يقول: في الحائض إذا رأت الطهر قبيل الغروب، فإنه يعتبر في إدراكها الصلاة، أن يبقى بينها وبين الغروب قدر ما تغسل فيه، وتدرك ركعتين من صلاة العصر، فهذا منه إشارة إلى أن المحدث لا تجب عليه الصلاة إلا بعد تطهره، فأنت ترى هذا المذهب (ال ) كيف مر عليه ابن
[ ٧٩ ]
خويز، وأضافه إلى مالك، وقد كان إمامي في الفقه يقول حين التدريس للفقيه () الصبي والكافر، يجب أن يكون المذهب على قولين في اعتبار طهارتهم في إدراك الوقت و(ك ) مجرى واحد، ويرى أن هذه الموانع إذا زالت فإنه يختلف في مراعاة الطهارة في إدراك وقت [الصلاة] () المذكور في بعضها في ما لم يذكر فيه خلاف، وإن كان غيره من المتأخرين يشير إلى منع الحد [ث] () هذا لا يمكن بسطه هاهنا، وإنما ذكرناه لأنه كان يبني الخلاف في هذه المسائل على النظر () وجوب الصلاة أو في صحة أدائها، فقال: من يقول إن الطهارة شرط في وجوب الصلاة يعتبر في () طهارة، ومن يقول إنها شرط في صحة الأداء، يعتبر زوال المانع خاصة، لأن الوجوب عنده () فاده حسن تصوره إلى الإمام بهذه الحقائق، والإشارة إلى ما اضطرب فيه الأصوليون وإن لم ر.
وأما الوجه الرابع فإنا قدمنا لما نقلنا هذه المذاهب أن من قال إن الكفار مخاطبون [بفروع الشريعة] ثم إنما رجعوا في ذلك إلى السمع، إذ معنى قولهم: إن الكافر مخاطب أي سمع في الشرع خطابه به () من اختلاف في مأخذ مذهبهم فمنهم من قال علمنا ذلك لإحالة العقل خطابهم () علمنا أنهم غير مخاطبين سمعا، فهؤلاء هم متحاكمون إلى السمع مع (القد ) أنهم غير مخاطبين. وأما الآخر () هنا خطاب () (ص ٧) ([لم نك]) من المصلين]، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين) () الكفار هذه الأمور هي
[ ٨٠ ]
الموقعة لهم في العذاب، فدل ذلك على أنهم أمروا بالصلاة فلم يفعلوها فعذبوا عليها، ولا معنى عن هذا بقوله: هذا قول الكفار، والكافر لا حجة في قوله، لأن الله سبحانه أخبر بذلك عنهم تحذيرا للمؤمنين أن [يفعلوا] فيما وقعوا فيه من الموبقات، فلو كانت هذه أكاذيب لم يصح التحذير بها، ولا كذبهم البارئ سبحانه في كذبهم، ولا أنكر عليهم، كما أنكر عليهم ما ذكروه عن أنفسهم من هذه الموبقات.
وكذلك إن قيل المراد بهذا: لم يكن من المصدقين للصلاة، وذلك يرجع إلى التكذيب بالإيمان لم يصح هذا التأويل، لأن تسمية المصدق بالصلاة مصليا مجاز، والكلام محمول على الحقائق، لا يصرف عنها إلا بدليل، وهكذا طريقة الاستدلال بقوله سبحانه: (ويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة) لأن هذا ذم () لا أن الزكاة منعوها بعد أمرهم بها لما نصوا عليها وقد قيل: إن هذا نعت لهن، فلا يستدل به، فيقال: وإن كان نعتا فالقصد [به] الذم، فبقصد الذم استدلالنا لا بمجرد النعتية.
وقد ذكر ابن فورك معنى في تخصيص الزكاة دون غيرها من العبادات فقال [إن] الزكاة يحمل على منعها البخل والشح، وكانت العرب تأنف من أن يرمز إليها بالشح والبخل، وترى ذلك من المعرات التي تتقيها، اختصت الزكاة بهذا المعنى الذي يُتقى أن يشار إليها به، خصت، بالذكر دون غيرها من العبادات.
وكذلك يستدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) فنص في هذه الآية على أن أهل الكتاب أمروا بالصلاة والزكاة، وإن سلكوا في المدافعة عنها () ما قدمنا دفعناهم بنحو ما تقدم، وحملنا الكلام على حقائقه، وقد قال تعالى في المنافقين: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) فذمهم على التكاسل عن الصلاة، فلولا أنهم مخاطبون بها ما ذموا عليها.
وهذا أيضًا يقول فيه الآخرون هم أظهروا الإسلام، والتزام أحكامه فخوطبوا كما يخاطب أهله، والقصد ذمهم على النفاق، فهذا وجه الاستدلال بالقرآن [ومن ثم] فلا
[ ٨١ ]
مطمع للقائلين بخطاب الكفار في التعلق بها، كما تعلقوا بالقرآن.
وأما الآخرون الذين [يرون أن الكفار مخاطبون] فيتعلقون منها بما وقع في الأحاديث التي وصى بها النبي ﷺ رسله للناس وقد اشتملـ[ـت] () منهم، ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوا فأعلمهم بالصلوات، فإن أجابوا فأعلمهم [بالزكاة] كما وقع، وقد تضمن هذا أنه إنما وجب عليهم الصلاة والزكاة بعد الإجابة إلى الإيمان وقد تكـ[ـلمنا على ذلك في كتا [بنا المعلم بفوائد مسلم، وللآخرين أن يقولوا إنما رتب لهم رتبة التعليم، ولم يقصد رتبة الإيـ[ـجاب] [القا] طع على صحته.
وأما طرق الاستدلال فإن من يقول إنهم مخاطبون يستدل بقطعهم في (ل ) عليها، فلولا كونهم مخاطبين ما أقيم ذلك عليهم، وقد ذكرنا في فيما تقدم ابن خويز عن () التفرقة بينه وبين ما سواه من الحدود، وقد استدل من أنكر خطابهم بالإجماع على أنهم لا يقضون [الصلاة فلولا أنها غير واجبة لكانت تقضي، ألا ترى أن الصبي لا يقضي إذا بلغ، وعكسه الناسي إذا ذكر () عبادة مستأنفة بأمر متجدد فيتعبد البارئ بما شاء، والحائض لا تصلي، ولا تصوم وتقضي الصلاة () بقضاء المرتد أيام ردته وهو كافر، ولا معنى لقولهم كان قبل ارتداده ملتزما للصلاة () المفروضات، لا معنى لاعتباره، وإنما يعتبر فيها إلزام الله سبحانه إياها لعباده.
وأما المرتد () خطاب الكافر فلا وجه [لهذا التفصيل] لأن النهي على الحقيقة أمر، وإن [التروك لا تفتقر إلى تصور بخلاف الفعل] الكلام في الصلاة () (ص ٨] على كفره فإ [ن أمر] المتركات بخلاف المفعولات في حكم المقصود (ك )
[ ٨٢ ]
بخلافها في حكم الخطاب، وقد () فإنه لا يمكن الخلاف في كون الكافر القاتل للرسل كالكافر الذي لا ذنب له سوى كفره، وما ذاك إلا أن الكفر () الرسل، ولو كانوا غير مخاطبين بالمنهيات لاستوى حال هذين الكافرين.
وأما الوجه الخامس فإن القاضي لما [ذهب إلى] خطاب الكافر بفروع الشريعة رأى ذلك من مسائل الاجتهاد ومجاري الظنون، وما ذلك إلا لاعتقاده أن ما تعلق به من الآي يقبل [التأويل] وليست بنصوص في المراد بها هاهنا، وإنما هي ظواهر، ولا شك أن التعلق بالظواهر من مسالك الاجتهاد.
وأما أبو المعالي فإنه مال إلى عد المسألة قطيعة وسلك مسلكا آخر، غير مسالك القاضي، وكأنه يشير إلى إجماع مستقر أو تعلق بما [هو] من مخايل نقلة الشرع، فيقول: معلوم أن الرسول ﷺ دعا الناس عامة إلى قبول شريعته عامة، والتصديق بكل ما جاء به، واتباعه على ما هو عليه، ولكن فيما جاء به من العبادات ترتيب وتقديم وتأخير يتعلم منه بعد التزام تصديقه في كل ما جاء به، وسلوك ما هو عليه من الصراط المستقيم، والدين القويم، هذا مقتضى خطاب الكفار على الجملة وبالله التوفيق.