وما يقع من الرسول ﷺ، لا يخلو من أن يكون قولا أو فعلا، فيفتقر الفقيه إلى أن يعلم كيفية اتباعه ﷺ والاقتداء به في أقواله وأفعال. فعلم فيما مضى في هذا الكتاب كيفية اتباعه في أقواله ﷺ، وما ذكرنا من الأمر وأحكامه وفصوله كلها المتقدم ذكرها، من حمل مجرد أمره على الوجوب أو الندب، وحمل أمره المطلق على التكرار أو الاتحاد، وحمله على الفور أو التراخي، إلى غير ذلك من أحكام الأوامر، وكذلك أقواله المشتملة على المسميات التي مضى أحكامها أيضا في كتاب العموم، وكل ذلك إنما قدم بيانه ليعرف الفقيه كيف يأخذ الأحكام من أقواله، وكيف يتحرى طرق الاتباع.
فلما نجز القول في جميع ذلك، وجب أن يعرف (ص ١٥٤) بعده معنى كيفية الاقتداء به في أفعاله.
وقد تقرر أن المعصية لا تتبع، ولا يقتدى بفاعلها فيها، ولو وجب في الشرع اتباع العاصي على معصيته لانقلب عن كونها معصية إلى أن تصير طاعة، واستحال السؤال، فإذا تقرر أن المعصية لا يصح الاقتداء بفاعلها ولا تابعه عليها، احتجنا هاهنا أن نقدم فصلا
[ ٣٥٣ ]
يشتمل على عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم عنها.
فليعلم أن النبي من جملة البشر، يجوز عليه ما يجوز عليهم، فإذا قال: إن الله تعالى عصمني من أمر يجوز على البشر، وأقام على صحة ما قال دليلا وهو المعجزة، ارتفع الجواز ووجب القطع على صدقة فيما قال. فأصل هذا الباب أن يجوز على الرسول كل شيء يجوز على البشر، إلا ما ذكر أن لا يجوز عليه، وأقام المعجزة دليلا على صحة ما قال. فقوله: لا يجوز عليَّ كذا وكذا خبر متردد بين الصدق والكذب، فإذا أقام المعجزة تعين في أحد الجائزين وهو الصدق، والمتبع على هذا ما ذكره حين الاستدلال بالمعجزة، فإن قال: إن الله تعالى عصمني أن يقع مني كذب في البلاغ عنه، أو في شيء من الأحاديث التي ليست ببلاغ عن الله سبحانه، وأني لا يقع مني كذب في ذلك، لا سهو ولا عمد، ولا تقع مني معصية أعصي بها الله صغيرة ولا كبيرة، فلو صرح بجميع هذا في التحدي لم يختلف أحد من مثبتي النبوءة أن ما قال حق، ولا يمتري أحد في أنه معصوم عن جميع ذلك، كما لو قيد في استشهاده أحد ما ذكرناه من هذه الأنواع لم يختلف في قصر العصمة على ما ذكرناه، ويبقى ما سواه على التجويز. فجميع مسائل هذا الباب إلى هذا يرجع، فقد علم قطعا أنه إنما يذكر أنه رسول من قبل الله سبحانه، أرسله ليبلغ عنه ما يخاطب به العباد، وأنه صادق في أن الله أرسله ليبلغ ذلك بلاغ صدق وحق، وأنه لا يبلغ عنه تعالى إلا حقا، فلم يختلف المسلمون في عصمة الرسول عن الكذب في هذا النوع قصدا أو عمدا إليه، فأما وقوع خبر من هذا النوع على خلاف ما هو عليه سهوا وغلطا، وعلى بدار اللسان إلى لفظ بغير قصد، فهذا موضع اضطراب.
أما أبو إسحاق الإسفراييني فإنه منع ذلك، وأشار إلى منعه من ناحية دلالة المعجزة، ورأى الدلالات العقلية، والدلالة العقلية لا تدل في حال دون حال، ألا ترى أن الإحكام للأفعال يدل على علم المحكم على الإطلاق، ولا يختص بحال دون حال، وكذلك الفعل يدل على الفاعل، ولا يختص ذلك بحال دون حال، فكذلك المعجزة تدل على صدق الرسول دلالة مطلقة، ولا تختص بإحالة كذب عليه دون كذب.
وذهب القاضي إلى خلاف هذه الطريقة، ورأى أن المعجزة في معنى الدلالة الوضعية الاصطلاحية والدلالة الوضعية إنما تدل بحسب ما وقع عليه التواضع والاصطلاح، فالرسول إنما استشهد بالمعجزة على أنه لا يتعمد الكذب على الله سبحانه وأظهر الباري سبحانه
[ ٣٥٤ ]
المعجزة حينئذ لينبئ عنه تعالى، أنه صدقه فيما قال، فالكذب على جهة غلط اللسان والسهو، والوهم باق على الجواز على حسب ما عهد من الطبية البشرية، فإن وجد وسمع وجاء شرع بعصمة الرسول عن شيء من هذا اتبع في ذلك الشرع المنقول، لا دلالة العقول.
وزعم القاضي هاهنا أن الشرع جاء بأنه لا يقع منه غلط ولا سهو فيما يتعلق بعقائد الإيمان، وادعى الإجماع على ذلك. ولم يسلم أبو المعالي الإجماع في هذا بل أبقاه على الأحكام المجوزة، ومتى قيل للقاضي في هذا الإجماع الذي أشار إليه ما تصنع في الحديث المذكور فيه أنه تلا في سورة النجم: "تلا الغرانيق العلى" إلى آخر ما تلا، في ذلك؟
أجاب بأن هذا إذا سلم أمكن أن يكون الشيطان حاكي صوت النبي ﷺ حين تلاوته محاكاة يتعذر على السامعين تمييزها، وإليها الإشارة بقوله تعالى في آية أخرى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)، الآية فأشار إلى أن الشيطان يلقي في تلاوة الرسول والنبي إذا تلا، وهذا الحديث منه، وقد جرى الرسم بأن يعبر عن هذا الفصل بأن يقال: هل يجوز على النبي الغلط والسهو فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه؟
وذكر أبو المعالي هذا المعنى فقال: أما ما يتعلق بالتكاليف ففيه اضطراب، فإن أراد بهذه العبارة ما يتعلق بالتبليغ عن الله سبحانه ففيه ما حكيناه (ص ١٥٥) ومذهبه تجويزه عقلا، وإن أراد بهذه العبارة جميع القرب الواقعة منه، سواء كانت بلاغا أو غيره، فالمعروف عند [الفقهاء] أن ما يتعلق بالبلاغ فلا يمنع فيه النسيان، وأشار بعضهم إلى منع النسيان على الإطلاق.
ولما احتج عليه بما رواه ذو اليدين من "سلامه ﵇ من اثنتين" الحدث المشهور، أجاب بأنه قد قيل: "إني لا أنسى بل أنسى" الرواية كما وقعت في بعض طرق الحديث، وزعم هؤلاء أنه ﵇ كان يؤمر بأن يتشبه في مثل هذا بالناسي حتى يعلم أحكام النسيان. وهذا جواب من أفرط في التعس، ولا معنى لله ورب من جواز النسيان عليه في هذا، وإضافة ما هو أبعد منه من أفعال يتخيل منها معاني التدليس والتلبيس، وقد قال في الحديث: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" الحديث.
وإذا قلنا بجواز وقوع الغلط والسهو فيما طريقه التبليغ عن الله سبحانه، فإن أصحاب
[ ٣٥٥ ]
هذا المذهب يشترطون أن الرسل لا تقر على اغلط، بل ينبهون عليه عن قرب حتى يرجعون إلى البلاغ للحق.
وأشار أبو المعالي [إلى] أن اشترط القرب في التنبيه لهم لا يجب، بل يصح تأخير تنبيههم على الغلط ما لم ينقرضوا ويموتوا، فإنه لا يجوز أن يموتوا غير منبهين على ذلك الغلط.
هذا جملة ما يتعلق بالكذب والغلط في الأخبار البلاغية عمدا أو سهوا.
وأما الأخبار الدنيوية التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا إلى أخبار المعاد، ولا تضاف إلى الله سبحانه، بل هي مما يتفاوض الخلق فيه فيما بينهم، [مثل] خبره عن شخص لقيه، أو طعام أكله، لا يقصد بذلك إثبات حكم وتعليم شرع، فهذا فن آخر، وهو أيضا ينقسم إلى العمد والسهو.
فأما العمد فلا شك أن الإكثار من هذا يلحق بالمعاصي الموبقات، ويندرج في جملة الكبائر، وسنتكلم على أحكام الكبائر.
وأما الكذبة ونحوها التي لا تؤدي إلى احتقار وازدراء بقائها، وهي مما يلتحق بالمعاصي الصغار، فسنتكلم عليها أيضا في جملة أحكام الصغائر.
وأما وقوع الكذب في مثل هذا النوع الذي لا يتعلق ببلاغ ولا إخبار عن الله سبحانه فإن وقوعه سهوا لا شك في جوازه على رأي القاضي، لأجل ما قدمناه من أن القاضي يجيز الكذب سهوا وغلطا في الخبر البلاغي، فكيف بالخبر الدنيوي.
وقد كنت تكلمت على هذا السؤال وأنا في سن الحداثة فذهبت فيه إلى المنع، وسئل عن ذلك شيخنا أبو القاسم سليمان الأصولي ﵀، فلم يرجع عنه جوابا، وخالفني بعض الأصحاب، وتكلمت معه على السؤالين بين يدي أستاذنا الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الحميد ﵀، واحتججت عليه بأن هذا إجماع مستقرا، وذلك أنا نعلم أن الصحابة ﵇ كانوا يبادرون إلى تصديق كل من يقول، والثقة به على الفور، والبدار عند ما يقع منه الإخبار في أي نوع كانت الأخبار، غير متوقفين في شيء من ذلك منها، ولا مترددين في بعضها، ولا ملتفتين إلى [عدمي] تجويز أن يكون منها ما حكى.
[ ٣٥٦ ]
وهذا الاستقراء أوضح الاستقراءات، ذكرها العلماء في مسائل حاولوا فيها إثبات الإجماع، هي مسطورة في كتبهم، فهذا الذي كان ظهر لي وأبديته مناظرا في سن الحداثة، ونقض عندي بحديث ذي اليدين، وأجبت بأنه خبر واحد، وبأنه قد تؤول قوله: "كل ذلك لم يكن"، على أن المراد به لم يكن القصد والنسيان معا، وبأن معنى الحديث: لم يكن ذلك في علمي واعتقادي. ولو اشترط هذا نطقا فقال: لم يكن ذلك في اعتقادي، لم يكن كذبا، فكذلك إذا جعلنا هذا الكلام مقدرا مضمرا، فهذا الذي كان جرى مني قديما. وعندي الآن في المسألة نظر يطول استقصاؤه، فهذه جملة القول في الأخبار.
وأما أفعال الجوارح فلا شك في تقرر الإجماع على عصمة الأنبياء عن الفواحش والكبائر الموبقات، وإنما اختلف الناس في الطريق التي منها علمت عصمتهم عن هذا، فذهب أهل الاعتزال وقوم من أئمتنا إلى أن ذلك يمتنع عقلا. فأما المعتزلة فأشاروا إلى طريقتهم المعروفة في التحسين والتقبيح العقلي، فقالوا: تجويز الكبائر والفواحش المبوقات كالزنا والسرقة والحرابة، والمتساكن بالمأمور ينقص من الأقدار ويزري بفاعله، وتسقط هيبته من النفوس ويوجب (ص ١٥٦) احتراز اعتقاد خساسته، وهذا لا يصح إضافته للرسل لأن فيه تنفيرا عنهم.
وأما القاضي فإنه قال: لا طريق إلى العصمة إلا ما قدمناه من دلالة المعجزة، والرسول لم يستدل بها على أنه لا يعصي، فإذا لم تقع المعجزة على العصمة من ذلك بقي الأمر على الجواز، لكن الإجماع انعقد على عصمتهم من الكبائر، فصرنا لذلك من جهة الإجماع عليه.
وأما الصغائر فإن هذه العبارة فيها مشاحة، قد ذكرت في كتب الكلام، قيل فيها: إن الشيء يكون صغيرا إذا نسبت إلى مخالفة أمر آخر، والباري سبحانه مخالفته تجب أن تكون كبيرة عظيمة على الإطلاق، لعظيم حقه على المأمورين، وعظيم ما يتخوف من سطوته، ولكن عن تسليم العبارة المتداولة، واشتهار المراد بها، فبين أئمتنا اختلاف في وقوع الصغائر، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها.
وجنح المجيزون لها إلى أن وردت في الشرع أخبار تشير إلى أنها قد وقعت من الأنباء، كقوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وتأول الآخرون هذا على أن المراد به ما تقدم وما تأخر مما أحدثه قبل النبوة، أو على أن المراد بهذا الخطاب أمته ﷺ.
[ ٣٥٧ ]
وهكذا يتأولون ما استدل به من الآيات المشيرة إلى هذا كقوله: (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب* فغفرنا له ذلك)، والمغفرة تقتضي ذنبا، وقوله تعالى في يونس: (إني كنت من الظالمين)، وقوله في آدم: (وعصى* أدم ربه فغوى)، فقالوا: هذا كان قبل نبوة آدم، ألا تراه يقول: (ثم اجتباه ربه)، فاشار إلى أن الاجتباء كان بعد المعصية. وكذلك يسلكون في جميع الظواهر والآي طرق التأويل.
وهذا الخلاف في صغيرة واحدة أو ما في معناها، فأما إذا تكررت وكثرت حتى تلحقها كثرتها بالكبائر، فإن الجواب يعود إلى ما قدمناه في الكبائر. وكذلك يجب أن لا يختلف في صغيرة مواقعتها عنوان خساسة النفس، وسوقط المروءة كسرقة حبة بر، وربما كان في المباحات ما يسقط المروءة ويزيل الحرمة، حتى يلحظ مواقعه بغير الخساسة والازدراء، كنحو ما يقع في بعض الممازحة والمداعبة، أو [ما] في معنى ذلك، فهذا أيضا مما يعصم منه الأنبياء، وجرى الرسم بأن يعبر عنه بما عبرنا به. والأمر إذا خرج إلى مثل هذه الحال قد يخرج الشيء عن حكم الإباحة، وهذا يبسط في موضعه.
وأما عصمة النبي قبل أن يتنبأ فإنا لا نشترطها، ولكن لم يرد في الأخبار أن الله بعث من كان كفر، والأخبار تدل على أن ذلك لم يقع على ما زعم أهل الأخبار.
وأما الفواحش الموبقات فهو أحرى بالتجويز من الكفر، وقد ذهب قوم إلى منعها جريا على ما كنا أشرنا إليه من أن في ذلك تنفيرا عن الرسول، وقد يعير بما تقدم من زلاته، أو يعتقد احتقاره بسببها. وقد قدمنا نحن أن لا نسلم بهذا الأصل، ولا نوجب على الله سبحانه أن يفعل بالرسول كل ما يبعد من النفار عنه، وقد هزم الرسول، وجرح وتولى ذلك الكفار، ولم يعصم من هذا لئلا يحدث منه في بعض النفوس الجاهلية بالله سبحانه نفار.
وأما الملائكة فالرسل منهم إلى النبيين حكمهم مع النبيين فيما ذكرناه من العصمة، حكم النبيين المرسلين إلينا معنا، وأما من سواهم من الملائكة فقال قوم: جميعهم معصومون لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، هذا خرج مخرج المدح، فوجب حمله على التعميم، ولو كان المراد به: لا يعصون في أمر وحال دون حال،
[ ٣٥٨ ]
لكانوا كبني آدم، لا وجه لاختصاصهم بهذا الوجه. وقيل: بل جائز عليهم، وقد تحمل الآية عند هؤلاء على الملائكة المقربين أو من في معناهم، وهذا لا حاجة للفقيه به، فنطنب فيه.
وإذ قد نجز القول فيما يعصم منه النبي، وما يجوز عليهم، وما لا يجوز، فلنذكر الآن أحكام الاقتداء بهم في أفعالهم.
فاعلم أن قدمنا تقسيم أفعال المكلفين إلى الوجوب والحظر، وغير ذلك مما قدمناه من أقسام الأحكام العامة لجميع المكلفين، فأما قسم المحظور منها فإنه ساقط فيما نحن فيه إذا قلنا بعصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الصغائر والكبائر. وإذا قلنا بجواز وقوع الصغائر منهم، لم يسقط هذا القسم، ولكن أشار أبو المعالي وغيره إلى أنه لا مطمع في إثبات الاقتداء بهم في أفعالهم على القول بتجويز وقوع صغائر المعاصي منهم. وهذا عندي فيه نظر (ص ١٥٧) لأن من يجوز وقوع المعاصي الصغيرة منهم، فإنه لا يجوز توالي ذلك وتكرره، على حسب ما قدمنا، وإنما يجوز وقوع الفلتة منهم، فالفعل إذا وقع مطلقا ولم يقارنه ما يدل على أنه معصية، قد يحيله هؤلاء على أنه من قبيل الجائز، لأن الجائز هو الغالب والظاهر. وكل أمر محتمل في الشرعيات، وأحد محتمليه أظهر، فإنه يستعمل في الشرعيات، ويحتج بالظواهر فيها على حسب ما قدمنا في كتاب الأوامر وكتاب العموم، فلست أرى جواب من جوز المعاصي على الرسل ينشط إلى ما أشار إليه أبو المعالي من إسقاط القدرة بالرسل لتجويز أمر نادر، وما عندي أن القوم يستسهلون هذا الإطلاق.
وأما ما يجوز كونه معصية إما لإحالة المعاصي عليهم، أو لقرينة نفت المعصية، أو أخذ بالظاهر على ما أشرت أنا إليه، فإنه لا يخلو أن يكون من قبيل الأفعال التي يلحق بما تقتضيه الجبلة والطبيعة كالمنام والقيام والقعود، فإن هذا القسم لم يذكر فيه اختلاف أنهم لا يسوغ اتباعهم فيه، لأنه كالواقع منهم من غير قصد، أو كالموجود فيهم بغير اختيارهم.
وأما ما سوى هذا مما يقع عن قصد مبتدأ مجرد ولسبب ما، فإنه لا يخلو من أن يكون قارنه قول على اقتداء الخلقية بالرسل فيه، أو يقع على حالة تجري مجرى ما قرانه القول، أو يكون معرى من ذلك.
فأما إذا قارنه قول تضمن الأمر بالاتباع في الفعل كقوله في صلاته ﷺ: "صلوا كما
[ ٣٥٩ ]
رأيتموني أصلي"، وفي حجه: "خذوا عني مناسككم"، فإن هذا لا شك في أنه قد شرع اتباعه على فعله، ولكن إنما صير إلى هذا لأجل ما قارنه من الأمر بالاتباع، فالمتبع القول، والأفعال كالأعلام على الاتباع.
وكذلك إن لم يقارن الفعل قول ولكنه وقع منه موقع البيان لمجمل عند سؤال سائل عنه مست الحاجة إلى بيانه، أو شوهدت قرائن دلت على أنه قصد به البيان والامتثال للأمر، فهذا أيضا قدر شرع لنا اتباعه عليه، على حسب ما تضمنه القول المبين.
وأما إن لم يكن من الأفعال التي تجري مجرى الجبلة، ولا من الأفعال الاختيارية التي قارنها قول أو شاهد حال على حسب ما ذكرناه، فلا يخلو أيضا أن يكون أوقعها على وجه التقرب إلى الله سبحانه، أو أوقعها إيقاعها مطلقا لا يظهر فيه قصد التقرب، فإن المصنفين اختلف نقلهم للمذاهب في هذين القسمين.
فبعضهم يقيد النقل في الفعل الواقع على جهة القربة خاصة دون ما وقع مطلقا.
وبعضهم يجعل القسمين يجريان مجرى واحد في نقل الخلاف فيهما، فقيل في الأفعال الواقعة على هذين القسمين أما قصد القربة، أو الإطلاق أن ذلك محمول على الوجوب، فيلزم الأمة، ويجب عليها أن تفعل كما فعل، حكي ذلك عن مالك، وأشار ابن خويز منداد إلى أنه مذهب مالك، وقال: وجدته في موطئه يستدل بأفعال النبي ﵇، كما يستدل بأقواله، وهذا المذهب الذي اختاره ابن خويز، وبه قال قوم من أهل العراق، ومن أصحاب الشافعي.
وقال قوم من أصحاب الشافعي، بل نحن مندوبون إلى أن نفعل مثل ما فعل.
وقال قوم: بل فعله هذا لا يتضمن أكثر من إباحة الفعل لنا وجوازه منا.
وقال آخرون بالوقف في هذا الفعل على حسب ما قتوله الواقفية في صيغ الأوامر، والعموم، وهو مذهب القاضي ابن الطيب، وبه قال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، واختاره الشيرازي.
لكن الشيرازي لما اختار الوقف ذهب إلى أنه متى علم كيفية الحكم الذي أوقع ﵇ عليه فعله وجب الخروج عن الوقف، وأن يؤمر بالاتباع واجبا، أو ندبا، على حسب ما علمنا أنه وقع الفعل عليه.
[ ٣٦٠ ]
وحكي عن الدقائق أنه يتمادى على الوقف، ولو علم كيفية حكم وقوع فعله ﷺ.
وهذا الذي ذكرناه من هذه المذاهب كلها فيما وقع على وجه القربة، أو مطلقا على رأي قوم ألحقوا هذا القسم المطلق بالذي قيدناه يعضد القربة.
وأشار أبو المعالي إلى أنه لا يصير إلى وجوب الاتباع في الفعل المطلق إلا ضعفه الفقهاء، وذكر أنه مذهب نسب إلى ابن سريج، وأبعد أن يقول ابن سريج به.
وأما لو وقع الفعل مقترنا بما دل على أنه مباح كأفعاله الصادرة منه ﷺ، المخير بين فعلها وتركها على حد سواء، فإن المشهور عند الأصوليين أن اتباعه عليها لا يجب ولا يستحب.
(ص ١٥٨) وذهب قوم إلى أنه يستحب لنا فعل مثل ما فعل من أفعاله المباحة.
وحكى بعض المصنفين أنه يجب علينا أن نفعل مثل ما فعل في سائر أفعاله حكاية على الإطلاق، وأشار فيها إلى المساواة بين أفعاله المباحة، وما قصد به القربة، هكذا أشار بعض المصنفين في حكاية هذا المذهب عن قوم.
والذي اختاره أبو المعالي أن أفعاله الصادرة منه على جهة التقرب تندب، نحن إلى نقل فعلها وأفعاله المطلقة التي لا يقصد بها التقرب تنبئ عن إباحة الفعل لنا من غير ندب إليه، وأفعاله له فيما لا يتعلق بالأحكام التي هي من خصائصه، وميز فيها ﵇ عن أمته يقف عليها هل شرع لنا اتباعه عليها أم لا؟
فهذه جملة المذاهب في جميع هذه الأقسام.
وأما سبب الاختلاف، فليعلم أن القائلين بوجوب اتباعه على أفعاله مختلفون؛ هل يدل على ذلك العقل أو السمع؟ وكذلك [الـ]ـصائرون إلى حمل ذلك على الندب مختلفون أيضا هل دلهم على ذلك العقل أو السمع؟
فأما طريقة من تمسك بالعقل في الوجوب فإنهم يقولون: التكليف له ﷺ يقتضي كونه مصلحة، ومصلحتنا كمصلته. وأيضا فالذي يفعله حق وصواب، والصواب يجب أن يتبع. وأيضا فلو سامحنا في أن لا نتبع أدى إلى التنفير عنه.
وهذا الذي قالوه باطل، أما المصالح فلا نشترطها في التكليف، ولو اشترطناها لاختلف [ذلك] باختلاف الأشخاص، كما اختلف للحائض والطاهر، والمسافر
[ ٣٦١ ]
والحاضر. وكذلك الصواب والحق يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف أفعالهم.
وأما مراعاة ما ينفر فلا نشترطه في النبوات، ولو اشترطناه لم نسلم كون هذا منفرا، وقد هزم ﷺ وجرح، ووقع في شرعه النسخ، ولم يمنع ذلك لئلا يقع فيه تنفير، قال تعالى: (وإذا بدلنا أية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر).
وكذلك القائلون إن الندب يوجب من طريق العقل، إنما عولوا على ما لا يعول عليه فقالوا: الاتباع مأمور به، والندب منه متيقن، فلا يزاد على اليقين. وأيضا فلو وجب الاتباع لوجب أن يبحث عن باطن أفعاله وظاهرها.
وهذا غلط منهم لأصحاب الوجوب بقولون: الأحوط والأخذ بالحزم يقتضي الحكم بالوجوب، ولأن الاتباع أمر به وتجويز تركه لسنا على ثقة منه، فلا يخاطر بالتساهل في الترك. وأما البحث عن أفعاله فإنه إنما يسلك في ذلك المسلك الذي جاء الشرع به، وما لم نعلم من فعله لا حكم علينا [فيه]، وإنما هذا الخلاف فيما حصل معلوما لنا، وتطلب علمنا بأفعاله مسألة أخرى.
وأما الراجعون إلى السمع من المذهبين فإنهم يستمسكون بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، ويرون أن قوله: (لكم) ينفي الوجوب، لأنه لو كان واجبا التأسي والاقتداء به لقال بدل "لكم" "عليكم". وأجاب الآخرون عن هذا بأنه قد قال: "لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد)، وهذا تهديد ووعيد يدل على الوجوب.
وجوابنا للجميع أن يقابل بعضهم فتتعارض أقوالهم فتسقط. وأيضا فإن التأسي والاقتداء إنما يتعلق إذا اتبعناه على فعله على حسب ما أوقعه عليه، وعلى حسب ما أمرنا باتباعه فيه.
وكذلك تعلقوا بقوله تعالى: (وما أتاكم الرسول فخذوه)، وهذا ينازعون في قوله: (فخذوه)، فإنه صيغة الأمر، وقد علم اختلاف الناس في صيغة الأمر المجرد، هل يوقف أم لا؟ مع أن أفعاله ليست مما أتانا [به]. وأيضا فقد قال عطفا على هذا: (وما نهاكم عنه
[ ٣٦٢ ]
فانتهوا)، وهذا يشير إلى أن ما قبله أمر، وهو الذي أتانا حتى تصح المقابلة بين الأمر والنهي، ونحن لا نخالف في امتثال أمره.
وهكذا تعلقوا بقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) الآية.
ونحن نقول: قد قيل: أما قوله في هذه الآية: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، أن الضمير المذكور في أمره، المراد به الله سبحانه لا رسوله، لأنه أقرب المذكورين، قال تعالى: (يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، فالمراد أني أعلم ما يخافونه عن رسوله فاحذروني.
وجواب آخر وهو أن الأمر هاهنا ليس هو الفعل، إنما يسمى أمرا مجازا، وإلا فحقيقة التسمية إنما تنصرف إلى الأوامر القولية، ونحن لا نخالف في أوامره القولية، إنما نهينا عن مخالفته فيها، ويعضد هذا قوله في صدر (ص ١٥٩) الآية: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)، ودعاؤه ليس من أفعاله المشار إليها، وإنما يراد به ما يأمرنا به وينهانا عنه.
وكذلك تعلقوا بقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، ونحن نقول: الطاعة موافقة الأمر، لا المتابعة على الفعل. فهذا تعلق القوم من آي القرآن.
وأما تعلقهم من الأخبار فإنهم يقولون: إن رجلا أتى أم سلمة فسألها عن قبلة الصائم، فسألت أم سلمة النبي ﷺ عن ذلك فقال لها: "ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم"، وهذا منه ﷺ إشارة إلى أن حسب الناس أن يفعلوا ما يفعل في سائر أحواله، ولهذا قال لأم سلمة: "هلا أخبرتيه أني أقبل"، ولو كان اتباعه ﷺ في أفعاله ساقطا عنا لم يقل لها مثل هذا الكلام.
وأيضا روى ابن معاذ أتى النبي ﵇، وهو راكع فركع معه، فقال له ﵇: "ما حملك على ما صنعت؟ فقال: كرهت أن أجدك على أمر ولا أتبعك عليه.، فقال ﷺ: سن لكم معاذ سنة فاتبعوها" الحديث كما وقع، وهذا يشير إلى اتباعه ﷺ في أفعاله. ولما
[ ٣٦٣ ]
عدل معاذ عما كانوا عليه من قضاء ما فات، والإمام في الصلاة إلى ما صنع، وعلل بكراهية المخالفة له ﷺ، اقتضى ذلك وجوب اتباعه في أفعاله.
وأيضا فإنه ﵇ شكا إلى أم سلمة تأخر أصحابه عن الحلاق لما أمرهم به في حجته، فقال لأم سلمة: "أما ترين أن قومك أمرتهم فلا يأتمرون؟ فقالت ﵂: اذبح واحلق، ففعل ﷺ فاتبعوه على ما فعل"، ورأوا أن فعله آكد من قوله، لأنه قال: فتأخروا حتى فعل فامتثلوا.
وتعلقوا بسيرة الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يتحرون أفعال النبي عليه السالم، ويقتدون بها فيها، ألا تراه ﷺ لما خلع نعله خلعوا نعالهم.
وألا ترى أن عمر بن الخطاب قال في الحجر [الأسود]: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك، ما قبلتك".
وألا ترى ابنه عبد الله بن عمر أتى إلى مكان فأدار ناقته، فقيل له: ما هذا؟ فقال: ما أدري، ولكني رأيت النبي ﷺ يفعله ففعلته.
وحديثه المخرج في الصحيح، الموطأ وغيره لما قيل له: رأيتك تصنع أربعا، فذكر له الإهلال، وتقبيل الأركان، والصباغ، ولباس النعال السبتية؟ فأجاب عن الجميع بما دل على أنه يرى الاقتداء بالنبي ﵇ في أفعاله، والحديث مشهور.
وقد اختلفت الصحابة في الغسل من مجاوزة الختانِ الختانَ، فسألوا عائشة، فحكت فعل النبي ﵇، فلو لم يكن حجة لما حكته، ولا رجعوا إليه.
وتتبع آثارهم في هذا يكثر، ويكاد لا يحصى لكثرته واشتهار هذا عنهم.
وكثرة ما نقل عنه دعا أبا المعالي إلى أن اختار الندب إلى اتباعه ﷺ تمسكا بهذه السيرة المنقولة عنهم فيما طريقه القرب، كما ذهب إلى اختيار الإباحة فيما لا يقصد فيه التقرب، وذكر أن الصحابة كانوا يستدلون على رفع الحرج بفعله ﷺ، ووقف فيما كان من خصائصه، وزعم أنه لا يعرف سيرتهم في هذا النوع.
والواقفون يجيبون عن هذه السيرة، بأنه قد يكون قارنت الأفعال قرائن تدل على الأمر
[ ٣٦٤ ]
بالاتباع فيها، ويجيبون عن الأحاديث التي قدمناها بنحو من هذا، ويقولون: أما خلعهم النعال في الصلاة، فلأجل أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال ابن خويز منداد ردا لهذا الجواب: لم يذكر أن خلعهم النعال كان بعد أن قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"ـ فيحمل ما فعلوه على امتثال قوله هذا، لا على اتباع فعله. وأيضا فإن خلع النعال ليس من نفس الصلاة، فيدخل في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وكذلك أجاب الواقفية عن حديث الحلاق في الحج، لأنه قال: "خذوا عني مناسككم"، فلهذا فعلوا ما فعلوه.
وتتُع كل ما قيل في مثل هذا يطول، وبالجملة فالأظهر في هذا أنا مأمورون بالاتباع على الجملة، وأن الصحابة كانت تدين بهذا، وإذا طرقنا إلى مثل [هذا] الاستدلال ما أشار إليه الواقفية من التجويز، فتحنا على أنفسنا مطاعن من طعن علينا في استدلالنا بآثارهم على إثبات القياس، والعمل بخبر الواحد، وهذا واضح.
وإنما يبقى النظر في مسلكهم اتباعه ﷺ؛ هل [كانوا] يعتقدون الوجوب، أو الندب، وما عندنا في هذا يطول استقضصاؤه.