الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أوجه:
- أحدها: إظهار ثمرتها.
[ ٢٨٠ ]
- والثاني: ذكر الخلاف فيها.
- والثالث: سبب الخلاف.
فأما ثمرة الخلاف فيها ففائدتان: أصولية، وفروعية.
فأما الأصولية فهي النظر في نهاية ما يخصص إليه العموم، حتى إذا جاء خبر واحد مخصصا لعموم ذكر في القرآن، وأخرج منه جميع مسمياته إلا ثلاثة، فإن ذلك مقبول على الأشهر من المذاهب في تخصيص العموم بأخبار الآحاد، فإذا تجاوز هذه المرتبة وأخرج جميع المسميات حتى لم يبق إلا اثنين، فهذا على القولين في أقل الجمع، فمن قال: إنه اثنان سلك مسلك من خصص حتى بلغ إلى الثلاث، لأن اللفظ حينئذ لم يخرج حتى يستعمل عليه في اللغة. ومن أنكر أن يكون أقل الجمع اثنين، وقال: لا تعبر العرب عن التثنية بلفظ الجمع لم يقبل تخصيص الآحاد، لأن قبوله يؤدي إلى إبطال معنى الكلام، ويصير كالرافع لجملته، ورفع جملته لا يكون بخبر الآحاد، لأن قبوله يؤدي إلى إبطال معنى الكلام، ويصير كالرافع لجملته، ورفع جملته لا يكون بخبر الآحاد، وهذا في تخصيص ألفاظ الجموع، لا في تخصيص أدوات الشرط، كقولك: من دخل داري، فهذه الفائدة الأصولية.
وأما الفائدة الفقهية فهي على ماذا يحمل إقرار المقرين إذا أقروا بجنس من الأجناس وعبروا عنه بلفظ الجمع غير منصوص عليه على عدد كالقائل: له عندي ثياب، أو له عندي دراهم أو دنانير؟ فاختلف الفقهاء هل يلزمه درهمان كما قال ابن الماجسون من أصحابنا، أو يلزمه ثلاثة دراهم، كما روي عن مالك ﵁. وهكذا يجري الأمر في اختلاف العلماء في حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، فإن من رأى أن أقل الجمع اثنان، وأن قوله تعالى: (فإن كان له إخوة) ينطلق على الاثنين حجبها بالأخوين إلى السدس.
وقد أشار أبو المعالي إلى استبعاد هذه الفائدة الفقهية، وقال: ما أرى الفقهاء يسمحون بهذا. وليس الأمر كما قال، بل في كتب لا تحصى كثرة من كتب الفقهاء إجراء إقرار المقر بدراهم أو ثباب، على ما ذكرناه من الخلاف في أقل الجمع.
وأما الوجه الثاني وهو ذكر المذاهب في المسألة فالناس فيها على قولين: أحدهما أن أقل الجمع ثلاثة، وهو مذهب الشافعي ﵁، ويذكر أيضًا عن أبي حنيفة، وقد تردد ابن خويز منداد فيما يضاف إلى مالك في هذا، فأضاف إليه القول بأن أقل الجمع اثنان، لأجل مصيره إلى حجب الأم عن الثلث إلى السدس، قال: ويشبه أن يكون مذهبه أن أقل الجمع ثلاثة، لأجل ما قال في المقر بدراهم: يلزمه ثلاثة دراهم.
وأضيف إلى عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ﵄ أنهما يريان أقل الجمع
[ ٢٨١ ]
اثنان لأجل مصيرهما إلى حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، كما أضيف إلى ابن عباس أن أقله ثلاثة () إلى ابن مسعود لأجل قوله: إن الإمام إذا ائتم به رجلان قاما إلى جنبيه (ص ١١٧) ولو كانوا ثلاثة قاموا وراءه، وبه قال ابن فورك من أئمة الأشعرية، وأضيف إلى الخليل وسيبويه أن أقل الجمع اثنان، وبه قال القاضي ابن الطيب.
وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن عمدة من يقول: أقل الجمع ثلاثة إطباق النحاة على انقسام الكلام إلى توحيد، وتثنية، وجمع، وذكرهم التثنية وأحكامها وإعرابها وعلامتها في فصل مفرد عن أحكام الجمع، كما ذكروا الجمع وأحكامه وعلامته وإعرابه في فصل آخر، فرقوا في ذلك ما بين الجمع والتثنية في أحكام الألفاظ والعلامات والإعراب، فمن قال بعد ما قالوه: إن الجمع يعبر به عن التثنية كان كمن قال: إن الواحد يعبر به عن الجمع، أو يعبر به عن التثنية.
وأما الصائرون إلى أن أقل الجمع اثنان فاستشهدوا بمعنى عقلي، وهو كون الواحد إذا أضيف إلى الواحد شوهد بينهما التئاما وتجمعا، فوجب أن يكون أقل الجمع اثنين، وهذا ليس بيشئ، لأنه نظر في المحسوسات، ونحن إنما نتكلم على العبارات الموضوعة لها، وقد توجد معنى التسمية في الشيء ثم تنطلق التسمية على ذلك الشيء، هذا الملك مشتق من الرسالة، ولا يسمى رسلنا بعضنا إلى بعض ملائكة.
واحتجوا ايضا بالشرع كقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما)، وأجيبوا عن هذا بأن النحاة ذكروا أن تثنية ما ليس في الإنسان منه إلا شيء واحد يكون بلفظ الجمع، لأن تقدم العلم بأن الإنسانين ليس لهما إلا قلبين حسن العبارة عنهما بلفظ الجمع الدال على الثلاثة لأمن الغلط فيه، بخلاف غيره من الجموع التي لا يؤمن من غلط السامع فيعتقد أن المراد بما سمع ثلاثة، والمتكلم إنما أراد اثنين.
وإلى هذا أشار ابو المعالي بأن هذا له باب وقياس، على أن سيبويه احتج لكون أقل الجمع اثنين بقول الشاعر:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
فجمع ظهرين، وليس لكل ترس إلا ظهر واحد، وأورد هذا شاهدا مطلقا غير مختص
[ ٢٨٢ ]
بما اتخذ في كل جسم، وقال سيبويه: سالت الخليل عن قولهم: ما أحسن وجههما قال لي: اثنان جمع.
واحتج أصحاب هذا المذهب أيضًا بقوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم وكنا لحكمهم شاهدين)، فجمع في قوله (لحكمهم)، وهكذا أيضا أجابوا عن الاحتجاج بقوله لموسى وهارون: (إنا معكم مستمعون)، أضاف فرعون إلى هذا الخطاب، وكذلك قوله تعالى: (خصمان) بعد قوله: (إذ تسوروا)، أجيب عنه أيضا بأنه تسور مع الملكين غيرهما، وكذلك أجيب عن قوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) بأن الطائفة تطلق على الواحد وعلى الآحاد، وهذا المعنى في الجواب يسلك في قوله: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)، لأن الخصم ينطلق على الواحد والآحاد.
فهذا الاستدلال كله كما تراه قد تؤول، وقد يمنع تأوله من القطع عليه، واختار أبو المعالي في المسألة طريقة هي التي نبهنا عليها لما ذكرنا فائدة الكلام على المسألة، فرأى أن المسألة مبنية على القول بالعموم، وهو يقول به على صفة ما تقدم بيانه، ولكن قد يخصص في العموم فينظر في المخصص، فما خصص إلى الثلاث قبل على الإطلاق، وإذا كان من جنس ما يخصص به، فإن تعدى التخصيص هذه المرتبة إلى أن أبقى من الخطاب اثنين، تطلب في المخصص زيادة قوة، فإن تعدت هذه المرتبة طلب في التخصيص زيادة القوة على ما قلناه في المرتبة الثانية.
وسبب هذه الموازنة بين ما تعارض من أدلة الشرع فيقدم الأوزن والأرجح، فإفادة الجموع لتعميم ثابت على حسب اختلاف طبقات العموم في قوة إفادة الاستيعاب، والخروج عن العموم إلى قصره على اثنين أبعد في حكم الخطاب، ودلالته من قصره على الثلاث، فاقتضى هذا بلا شك طلب قوة في المخرج له عن بابه. وقد يميل أبو المعالي في حمل الجمع على الواحد بشرط قرينة؛ فمن رأى امرأته تتصدى لناظر إليها، فإنه يحسن أن يقول لها: تتبرجين للرجال، ولم ير إلا رجلا واحدا، ولكن هذا لا يحمل الكلام عليه إلا في مثل هذه القرينة، وهذا الذي تمثل به فيه نظر، والمعلوم من القائلين بمثل هذا الكلام
[ ٢٨٣ ]
أنهم ما أشاورا به إلى ذلك الواحد الذي شاهدوا إفساده للحريم، وإنما يخطر بالبال حينئذ أن هذه الإشارة من هذا لم تكن إلا وقد تقدمتها إشارات أخر، و[هم] يطلقون اسم الرجال على من شوهد، ومن استدل عليه بمن شوهد، وقيل أيضًا بأنه قد يطلق لفظ الجمع على الاثنين بقرينة (لـ ) أن من كان لا يخاف من رجل واحد ويخاف [من رجلين، فيقول: أقبل] (ص ١١٨) الرجال، وهذا أيضا فيه معنى مما ذكرناه. وأشار أبو المعالي إلى أنه لو لم يكن في طبيعة الكلام ما يحسن به مع القرينة لما جاز إطلاقه، ولو اقترنت به القرينة، وبالجملة فالمسألة عندي محالها وثمراتها لا تبلغ القطيعات في الوضوح.