النظر في فائدة هذا الفصل يضاهي فائدة الفصل الذي قبله، وقد ذكرناها، وهي تتصور في هذا الفصل أيضا، وذلك مما يستبان بعد نقل المذاهب وتصويرها، فاعلم أن المعتزلة والخوار قسموا الألفاظ إلى ثلاثة أقسام: دينية ولغوية وشرعية فالدينية ما تعلق بمسائل الأصول، وهي الكفر، والإيمان، والفسق، فالإيمان عندهم مطلق على الطاعات المفترضة
[ ١٥٣ ]
عقلا، أو نطقا، أو فعلا، وأكثرهم على أنه لا ينطلق، على المندوبات، وذهب [الغلاة] إلى أن الإيمان ينطلق عليها، ولكنه إيمان لا يكفر تاركه ولا يفسق، فإن مفروضات الدين إما أن يكفر تاركها كالجهل بالله سبحانه، ورسله، وإما أن يفسق كتارك الصلاة والصوم، وقالت الخوارج في تارك المفروضات إنه يكفر.
وأما الشرعية (فا ) والصلاة والصوم والزكاة والحج، فإن الصلاة في اللغة يشار بها إلى الدعاء قال الله تعالى: (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم) معناه ادع، [وقال] تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وصلاة الملائكة هاهنا الدعاء، صلى (ا ) وسلم، إما (ا ) (ص ٥٤) الشيء والقبول عليه، ومنه الاصطلاء بالنار، وقد قيل غير ذلك، مما بسطناه، وذكرنا شواهده في كتاب شرح التلقين، وقد علم أن الصلاة في الشريعة يشار بها إلى الأفعال المعلومة.
وكذلك الزكاة في اللغة النماء، ويشار بها في الشريعة إلى إخراج شيء من المال، وهو نقص لا نماء، وكذلك الحد يشار به إلى القصد، وفي الشريعة إلى طواف، ووقوف، وسعي، والصوم يشار به في اللغة إلى الإمساك مطلقا، وصامت الشمس إذا قام قائم الظهيرة، وخيل صيام، وقالت مريم: (إني نذرت للرحمن صوما)، قيل: إمساكا عن الكلام، وهو في الشرع يشار به إلى الإمساك عن خارج، ووالج مخصوصين، في زمن مخصوص، والوضوء يشار به في اللغة إلى النظافة مطلقا، وهو في الشريعة يشار به إلى غسل أعضاء مخصوصة.
وأما الأسماء اللغوية فهي التي [بنيت] عليها كل الشريعة عند قوم، أو جلها عند آخرين.
من الناس من أنكر التقسيم في هذا الفصل، من هذه الجهة، وقال جميع ما ورد في الشرع بحروف العرب ونظمهم، والمقصود به من نطق الشرع هو المقصود به عندهم، فلا يعتبر أصلا وضع من الشرع لغة، وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء، والأصوليين.
[ ١٥٤ ]
ومنهم من زعم أن الشرع غير اللغة، ونقلها عن موضوعها، وأشار بالحروف، والنظام اللغوي إلى مسمى غير مسمى، وقدر أن هذه الأحرف التي هي الصلاة صاغتها العرب ونظمتها مشيرة بها إلى ما قدمناه عنهم، واستعملتها العرب، واستعملها صاحب الشرع، مشيرا بها إلى ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، على ما عرف من أحكام الشرع في الصلوات، وهكذا بقية ما عددناه من تلك المسميات.
وتوسط آخرون فرأوا أن الشرع لم يغيرها تغييرا كليًا، ولا أقرها إقرارا كليا، بل حذا حذو العرب [في البناء] على معانيهم معاني أخر، وصرف تلك التسمية إليها، وجعل هذه الجملة مسماة بتلك التسمية الواقعة [موقع] الفرد من هذه الجملة، الذي هو الدعاء، وإذا تصورت المذاهب، وتمثلتها. ففائدة هذا الباب أن الظواهر () تفتقر إلى عرضها على هذه المذاهب، فيقول مثلا الخارجي: الزاني مخلد في النار، ويستدل على ذلك بما ورد من الظواهر في تخليد الكفار في النار، فإذا نوزع في تسمية الزاني كافرا، لأن العرب لا تعرف الكافر إلا من غطى الشيء وستره، كالجاهل بالله، الجاحد لنعمه، قال: غير هذه ونقلها عن موضوعها في اللغة، ألا تراه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، فسلبه تسمية الإيمان، فدليل هذا أنه كافر.
ويقول المعتزلي: ليس سلبه الإيمان يثبته كافرا بل الزاني لا مؤمن، ولا كافر، فترى التغيير للتسمية وقع من الشرع على ما حكيناه عنهم.
ويقول الأشعري: الحديث متأول، بمعنى من زنا مستحلا، أو بغير ذلك من التأويلات التي ذكرناها في كتاب المعلم بفوائد مسلم، فنمنع بالتأويل في كون الشرع مغيرا للغة.
وعلى هذا الأسلوب يجري في الأسماء الشرعية، فيقول قائل فيمن صلى ولم يقرأ قرآنا أصلا ولا دعاء: صلاته باطلة، لأن هذا أتى بما يسمى في اللغة صلاة، وقد قال تعالى: (وأقيموا الصلاة)، وهذا لم يفهمها فيقول من يرى صلاته صحيحة، وإن لم يدع، ولا قرآ قرآنا رعى الشرع غير اللغة، واراد بهذه التسمية الركوع والسجود، وغير ذلك من المقصود عنده في الصلاة، فلا يكون في الظاهر حجة عليه، أو ينازع في مراد العرب، ويقول الصلاة عندها مأخوذة من الملازمة، والقبول على الشيء، والراكع والساجد القائم القاعد،
[ ١٥٥ ]
حصل له هذا المعنى، فدخل في الظاهر، وهكذا العمل في بقية المسميات التي ذكرنا الخلاف فيها.
فأنت ترى تصرف هذا الأصل في استدلال الفقهاء بعضهم على بعض، وأنت إذا تصورت هذا، وتصورت [فا] ئدة أن العرب تتجوز فتسمى الشيء باسم ما لازمه وقاربه، وربما اشتهر المجاز عندهم حتى صارت حقيقة مهجورة، لا يكاد ينطق بها، ألا ترى أن حقيقة: (حرمت عليكم أمهاتكم) لا يفهم من الخطاب، وإنما يفهم من مجازه، وهو وطء الأمهات، وهكذا يكون () التعارف عن أهل النطق من أهل اللغة.
وكذلك أيضًا إذا تصورت أن العرب ربما قصرت التسمية على بعض () على نوع من [الألفاظ] كالفقيه الذي لا يسمى به في العرف إلا العالم بأحكام الشريعة (ص ٥٥)، وأصله في اللغة اسم للعالم بكل علم، وكذلك دابة قصر في العرف هذا الاسم على نوع من الحيوان، وهو في أصل اللغة لكل ما دب فهو داب.
فإذا تحققت الفصول علمت سبب الاختلاف الذي حكيناه، فكان من صور التغيير، وأثبته مطلقا يقول قد علم من إطلاق أهل الشرع الإشارة إلى الركوع والسجود بكونه يسمى صلاة، وهو ليس بدعاء، وهو المقصود، مع القيام والقعود في فرض الصلوات دون الدعاء، ولو أوجبنا معه قراءة أم القرآن، حتى يكون إيجابنا إياها عذرا عن ثبوت المعنى اللغوي في الصلاة، لقول القارئ لأم القرآن: (اهدنا الصراط المستقيم) وهذا دعاء، لمن يكن اعتذار هذه الطائفة بهذا عندنا مقبولا، لأن هذا إنما يسمى قارئا لأم القرآن، لا داعيا.
فقد وضح أن الشرع أراد بهذه الصيغة معنى لم ترده العرب، ويقول من لم ير الشرع غير اللغة على حال: قد ذكرنا أن العرب إذا قصرت اسما على بعض مسمياته حتى صار اسما عرفيًا فإن ذلك ليس بتغيير له، ولا محد لإطلاقها إياه على غير هذا المقصور عليه، كما قلناه في تسمية الفقيه.
وهكذا جاء الشرع في الصلاة والزكاة والحج لكنه قصر التسمية على دعاء مخصوص في الصلاة، وهو ما في أم القرآن مما ذكرناه، واشترط إيقاع هذا الدعاء على صفة
[ ١٥٦ ]
مخصوصة من أفعال، وجهات. فليس قصر التسمية على بعض الأدعية المخصوصة مما قلناه، أو ما في معناه مما يوجب كون هذا تغييرا للغة، ومتى نازعنا في موارد العرب، وقلنا إنما تريد بهذه التسمية القبول والملازمة لم يكن للمخالف متعلق، في ذكره، لأن الركوع والسجود بمجرده، لا يحصل له هذه الحقيقة.
وهذا الجواب الثاني يتقرر في الصلاة خاصة، ويتمسك في بقية المسميات بالجواب الأول.
وأما من توسط بين المذهبي، فلم ينكر التغيير أصلا، ولا أثبته إطلاقا، فإنه تخيل هذين الأمرين، وكذا إن مراعاة الشرع للدعاء أو للقصد، أو للإمساك، تمسك بالمعنى اللغوي، وإطلاق التسمية عليه مع تلك الزيادات الشرعية، تغيير لما وضعته العرب.
واستعمل أبو المعالي في هذه المسألة المضايقة لأهل المذاهب، فقال: ثبت فيها قصر التسمية على بعض مسمياتها كما بيناه، وثبت أيضًا إطلاق الصلاة على الركوع والسجود توسعا واستعارة من الدعاء، لأن الداعي مقبل على خضوعه، والتماسه ما عند الله سبحانه، وكذلك الراكع، والساجد، والعرب تسمي الشيء باسم ما لازمه، وتعلق به، فإن أشير بالتغيير إلى القصر أو التجوز فلا وجه لإنكاره، وإن أشير بالتغيير إلى معنى آخر سواه فهو باطل.
وهذا الذي أشار إليه أبو المعالي من القصر قد بينا أنه ليس بتغيير أصلا، وكذلك التجوز هاهنا إن فهم عن العرب إطلاق اسم الشيء على ما لازمه على الإطلاق، أو في ما كان معناه مثل هذا المعنى من الملازمة التي بين الركوع والدعاء لم يكن هذا أيضًا تغييرا، ولا قياسا على اللغة، كما تقدم بيانه في تسمية الإنسان منا إنسانا، أن هذا ليس بقياس، بل هو نقل عنهم لما فهم منهم.
وأنت إذا علمت هذا الفصل فاعلم أنه:
زعم قوم آخرون أن حروفا ونظاما معلوما استعمله الشرع في غير معانيه في اللغة.
وكذلك زعم قوم أن الشرع وردت [فيه] كلمات ليس بصيغ عربية، وأضافوا ذلك إلى القرآن، وعدوا منه: استبرق، ومشكاة، إلى غير ذلك مما ذكروه.
وجمهور العلماء على إنكار هذا لقوله تعالى في وصل القرآن: (ولو جعلناه قرءانًا أعجميًا لقالوا لولا فصلت آياته) فكأنه يقول سبحانه: لو مزجناه بلغة العجم لقالت الكفرة افتقر إلى الاستمداد من لغة أخرى وعجز عن العربية، وهذا يمنع من كون شي من لسان العجم
[ ١٥٧ ]
فيه، وقد قال تعالى: (وهذا لسان عربي مبين) (وما أرسلنا من رسول إلى بلسان قومه)، وهذا كله يقتضي بطلان ما قالته الشرذمة، ولا مستنكر أن يتفق لسانان على لفظة واحدة، ويصادف وضع العرب، وضع العجم في بعض الألفاظ، أو يكون التوقيف ورد فيها لأهل اللسانين موردا واحدا.