لما صدرنا (ص ١١٠) الترجمة بكتاب العموم والخصوص، ثم أقطعنا على إيراد ما يليق بأصول الفقه، للعذر الذي قد بيناه، وأوردنا هذا الفصل بالمقصود، نبحث بصدده، فنتكلم فيه على سبعة أوجه:
- الأول: الكشف عن حقيقة العموم والخصوص.
- الثاني: هل يتصور هذه الحقيقة في القول النفسي أم لا؟
- الثالث: هل تتصور في الأفعال أم لا؟
- الرابع: هل تتصور في الأحكام أم لا؟
- الخامس: هل يتصور في المعاني أم لا؟
- السادس: تعيين الأقوال التي تتصور فيها نقل المذاهب.
- السابع: سبب الاختلاف فيها.
[ ٢٦٨ ]
فأما الوجه الأول، فإن معنى العموم في اللغة: الشمول، تقول العرب: شملهم الأمر بمعنى عمهم، ويقولون: مطر عام، وعطاء عام، وعم السلطان الرعية بالعدل، ومنه سميت العامة، لأنهم أكثر الناس، وكالمشتملين بكثرتهم على الخواص.
ومعنى الخصوص: الإفراد ومنه قولهم: خص السلطان فلانا بالولاية، وفلانا بالعطاء، ومنه سميت الخاصة، لأنهم تفردوا وتميزوا عن العوام، بما هم عليه من فضل.
وأما حد العموم عند أهل الأصول فإن الأئمة من المتكلمين أشاروا في حده إلى أنه: القول المشتمل على مسميين فصاعدا، والتثنية عندهم عموم لما تصور فيها من معنى الجمع والضم والشمول الذي لا يتصور في الواحد.
وقد زاد بعض متأخريهم في هذا الحد: على وجه واحد، ورأى أن قولنا: ضرب زيد عمرا متعلق باثنين، ومع هذا لا يسمى عموما، لأنه لم يتعلق بذلك من جهة واحدة. وهذا التحرز قد يستغنى عنه عندي، لأنه إن أراد زيدا وعمرا، فهما اسمان خاصان، وليس بعمومين كما قال، ولكن كلامنا في اللفظة. وإن أراد لفظة "ضرب" لكونها مشعرة بضارب ومضروب، فإشعارها بذلك راجع إلى حكم عقلي، وهو ما تقدم من العلم باستحالة وجود ضرب لا من ضارب ولا مضروب، فالاقتصار على ما قاله الأولون [كاف] ومغن عن قول هذا: العموم هو القول المشتمل على مسميين فصاعدا من وجه واحد، لأجل ما قدمناه من الاعتذار عن الأولين.
وأشار بعض الأصوليين إلى حده بأنه القول المستغرق لجميع ما بني على إفادته. ولو أن واحد من الواقفية حد بهذا الحد لقال هاهنا: القول المستغرق لجميع ما صلح لإفادته، وكان الحد الذي حكيناه عن بعض أئمة المتكلمين هو اللائق على مذهبهم في القول بالوقف، وهذا الحد الثاني هو اللائق بأصل الفقهاء القائلين بأن الصيغة تستوعب بمطلقها جميع ما بنيت لإفادته.
وأما الخصوص فهو القول المتعلق بمسمى يتناوله مع غيره اسم واحد، لأن قولنا: مؤمن لفظ خاص، لتناوله الشخص المشار إليه، مع كونه ينطلق عليه وعلى غيره هذه التسمية، ويجتمعان في أن يعبر عنهما بعبارة واحدة.
وقد أنكر المتكلمون ما قالوه من كون الاثنين فصاعدا من غير استيعاب المسميات عموما، لأجل أن هذا [يؤدي] إلى جمع النقيضين، فيكون الخطاب عاما من حيث اشتمل على اثنين، خاصا من حيث قصر عن الاستيعاب.
وجوابهم عن هذا أن المنكر الجمع بين كون الخطاب عاما خاصا من جهة واحدة، وفي محل واحد، وأما [من] وجهين مختلفين فلا ينكر، كما لا ينكر وجود السواد والبياض
[ ٢٦٩ ]
في محلين اثنين، وإن أنكر وجودهما في محل واحد، فالخطاب الذي اعترضوا به عام من جهة تناوله اثنين أو عددا محصورا لما في ذلك من معنى الشمول، خاص من جهة أنه لم يتناول بقية المسميات، وحصول التناول وجه، وعدم التناول وجه آخر.
وما الوجه الثاني وهو تصور معنى العموم والخصوص في الأقوال النفسية، فإن المشهور من مذاهب سائر أئمة الأشعرية تصور ذلك في الأقوال النفسية، كما يتصور في الأقوال النفسية الأمر والنهي.
وأنكر أبو المعالي في كتابه كون ذلك متضحا إيضاحه في الأمر والنهي، وأشار إلى أنه مخالف للجماعة فيما قالوه، وصرف عموم النفس إلى علوم فيها، لكون المعلومات على جهات دون جهات، فكأن عنده القائل: "اقتلوا المشركين" يحس في نفسه اقتضاء للقتل، وهذا الاقتضاء لا ينكره عاقل، ولا يخالف في النفس في إحساسه أحد، وهذا الاقتضاء هو المسمى أمرا، ولا يمكن صرف هذا الاقتضاء إلى إرادة وقوع المأمور به، لأنا قد قدمنا أن تجيز أن يأمر الآمر بما لا يريد، فكراهة وقوع المأمور به لا تنافي الأمر به، وأما كون قوله: "اقتلوا المشركين" مستوعبة لجميعهم، فإنما ذلك راجع إلى إرادة القائل في نفسه من الاستيعاب والعلم المحسوس (ص ١١١) في هذا إنما يرجع إلى هذا المعنى، وهو كون هذه اللفظة واقعة على وجه، وهو إرادة الاستيعاب بها، وأشار أبو المعالي إلى طريقة ينتصر بها الأئمة، وهي كون الجمع معنى معقولا، والإنسان يجد في نفسه تصور الجمع والعلم به، وكل علم في النفس لابد أن يقارنه خبر عنه موجود بالنفس أيضا، وهذا يقتضي إثبات قول نفسي، ومن هاهنا خرج أبو المعالي إلى تلك الرموز التي شرحنا فيها أقوال الفلاسفة، وبينا نقض ما قالوه، وأنكرنا عليه مخالفة الجماعة، والرمز [إلى] التقصير بهم وإضافة الاختباط إليهم.
وقد يستغني عن هذا كله بأن يقول: إنما أنكرت وجود قول في النفس يتضمن معنى الاستيعاب بنفسه وحققته، وأما إثبات قول في النفس هو خبر عن معنى العموم فليس هو المراد المنازع فيه، وقوله: (فاقتلوا المشركين) ليس ذكر المشركين هاهنا خبرا، وإذ لم يكن خبرا لم يتقرر فيه معنى العموم كما قدمنا، وهذا ما يفتقر تحقيق القول فيه، وتصوير عموم النفوس والانفصال عن طريق التشكك فيه [إلى] إطالة وإطناب يقطع التشاغل به عن مقصود الكتاب.
وأما الوجه الثالث وهو تصور العموم في الأفعال فإن الأئمة مختلفون في قولهم، عطاء
[ ٢٧٠ ]
عام، هل ذكر العموم هنا مجاز أم حقيقة؟
فالأكثر من أئمة المتكلمين أنه مجاز، لكونه ما يتناوله كل إنسان من العطاء مختصا به، وهو غير ما تناوله صاحبه، بخلاف قوله المشركين، فإن هذه اللفظة تتناول كل مشرك تناولا واحدا، فهي لفظة واحدة اشتملت على آحاد، ونفس تناول العطاء لا اشتمال فيه، فإيقاع لفظ العموم عليه مجاز، لكن أن نتعرض إلى لفظة العطاء فإنها تتناول الجميع تناولا واحدا، ويصح دعوى العموم فيها.
ومن الأئمة من أشار إلى انطلاق العموم في الأفعال على جهة الحقيقة، فهذه مشاحة لا كبير طائل تحتها، وانصراف العموم إلى التسمية تصور وإلى نفس الفعل لم يتصور على حسب ما بيناه.
وأما الوجه الرابع وهو تصوره في الأحكام حتى يقال: قطع يد السارق عام، فإن القاضي أنكره، وأبو المعالي أثبته، وقد كنا قدمنا فيما مضى معنى الحكم، وأنه عندنا ينصرف إلى قول الله سبحانه، وعند غيرنا إلى أوصاف ترجع إلى الذوات. ولا شك أنه إذا قيل بانصرافه إلى الذوات فإنه لا ينصرف فيه معنى العموم، ولما قدمناه في الأفعال، لأن وصف كل ذات، ووصف ذات أخرى [كل منهما مختص بصاحبه]، وإن قلنا: إن ذلك يرجع إلى قول الله سبحانه، فقول الله سبحانه يشتمل على كل سارق، فنفس القطع أفعال، والأفعال لا عموم فيها على الحقيقة، وحكمها إن صرف إلى ذوات القطع، فإن ذلك أيضا لا يتحقق فيه العموم، وإن صرف إلى قول الله سبحانه، فذلك قد بينا حكمه، ولعل القاضي إنما نفي من ذلك ما بيناه.
وأما الوجه الخامس وهو تصور العموم في المعاني فإنا قد قدمنا الإشارة إليه، حيث قلنا: إن دعوى العموم في المحذوفات فيه خلاف، ومثلناه: (الحد أشهر معلومات)، وذكرنا أنه يحتمل أن نضمر أوقات الحج، أو أفعال الحج، وأن قوما ادعوا العموم في هذا، وقوما أنكروه، لأن العموم إنما يتصور في الألفاظ، وهذه المحذوفات ليست بألفاظ، فيتخيل فيها شمول أو اختصاص.
وتخيل الآخرون العموم لأن معاني الكلام مستفادة من ألفاظه، فكأن عموم المحذوفات مستفاد من ناحية الألفاظ المسند إليها الحذف، ومن هذا أيضا قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة)، فإن نفس الميتة لا تحرم، وإنما تحرم أفعالنا فيها، وأفعالنا فيها شتى، من بيع، وأكل، واستصباح، وطلاء سفن، إلى غير ذلك مما في معناه، فهل يدعى
[ ٢٧١ ]
العموم في هذه المحذوفات حتى يقال: إن الأكل، والبيع، والاستصباح، وطلاء السفن حرام بعموم قوله: (حرمت عليكم الميتة)، وهذه الأحكام وإن كانت شتى، وهي محذوفة، فالعموم مستفاد فيها من ناحية اللفظ.
ومن الناس من أنكر [عموم اللفظ] في مثل هذا، وقد تكلمنا نحن على طلاء السفن بها، وما في معنى ذلك في كتابنا "المعلم"، وكذا قوله ﵇: "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها"، فإن تفس الخطأ لا يرتفع، فطر الصائم فينهار رمضان على جهة السهو، قد اشتهر فيه خلاف فقهائنا؛ هل يقضي الصوم أم لا؟. وقد يتعلق من يدعي العموم في المعاني المحذوفات بقوله: "رفع عن أمتي خطؤها" فعم الآثام، وسائر الأحكام عن قضاء صوم وغيره، وأمثلة هذا الباب تكثر.
وأما الوجه السادس فإن الأقوال التي تصلح دعوى [العموم] فيها خمس أدوات: الشرط (كو ) (ص ١١٢).
لا تشعر بعقله، وبين هاتين الحاشيتين وسطتان، فكأنها أربعة أعداد: النص في طرف، الذي هو كالمصدر في طرف، والوسط بينهما، منه ما يميل إلى هذه الحاشية الأولى فيكون ثانيا، ومنه ما يميل إلى الآخرة فيكون ثالثا، فبأدوات الشرط نميل إلى الأولى التي هي كالنص، لكنه قد يعرض فيها خصوص بأن يكون قد تقدمت مخابطة على قوم بأعيانهم، فقال المخاطب: من فعل كذا، فله كذا، ومراده أولئك المذكورون، فنزل عن المرتبة الأولى بتقدير خصوص فيه، بضرب من النخيل.
وأما لفظ الجمع الذي لم يوضع للقلة فلا يستنكر أن يريد مطلقه الخصوص من غير فرض مثل تلك الصورة التي فرضناها في أدوات الشرط، لكنه مع هذا نص في أقل الجمع، وظاهر فيما سواه مع انتفاء القرائن، فقصر هذا الثالث عن الثاني بكونه ظاهرا، وكون ذاك نصا، ويجوز على الخصوص من غير فرض صورة بتقديم الخطاب، وفي أدوات الشرط لابد من فرض مثل تلك الصورة.
وقد تقدم انقسام الجمع إلى جمع السلامة وجمع التكسير، وذكرنا مثل جمع السلامة، وأما جمع التكسير فهو ما تغير فيه بناء الواحد، ويكون التغيير بنقصان حرف، كرغيف ورغف، وبزيادة حرف كثوب وثياب، وبتغيير حركة في صدر الكلمة كأسد وأسُد.
[ ٢٧٢ ]
وذكر سيبويه أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة، واستعظم أبو المعالي مخالفته في مثل هذا، أو مخالفة الفقهاء القائلين بالعموم في مثل هذا عنده مطبقون على حمله على الاستغراق. وقد زل أبو المعالي فيما حكي هاهنا من إطباق المعممين على القول بالعموم في مثل هذا، وقد تقدم ذكرنا للخلاف بينهم فيه.
وذكر الإسفراييني إلى حمل الجمع المعرف على الخصوص، وحاول أبو المعالي [أن يتوسط] بين مذهب النحاة ومذاهب الأصوليين، فحمل كلام سيبويه على أنه إنما أراد به جمع السلامة الذي لم يعرف، وذكر أبو المعالي أن الاسم العلم إنما تعرف لاتحاده من حيث يعتقد أنه مفرد في قصد المسمى، حتى إذا ثني وجمع تعدد، وزال معنى الاتحاد فتنكر، وإذا تنكر لم يقتض الاستيعاب، ولا يقتضيه جمع من الجموع، لما ذكرناه، ومصداق هذا قوله تعالى: (ما لنا لا نرى رجالا)، فهذا منكر لم يقتض الاستيعاب، والمعرف يقضتيه، قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم)، فلا جمع عنده يقتضي الاستغراق بوضعه، إنما يقتضيه الألف واللام المعرفان الداخلان على الجمع، وذكر أبو المعالي هاهنا أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع، فإذا عرف ففيه الخلاف، وهذا يوهم أن لا خلاف في المنكر، وقد قدمنا نحن ذكر الخلاف فيه.
وأما النكرة في سياق النفي فإنها تقتضي الاستيعاب، لأن النكرة ليست مختصة بمعين في نفسها، كقولك: رأيت رجلا، والنفي أيضا لا اختصاص له، فإذا انضم النفي الذي لا اختصاص له إلى التنكير الذي لا يختص بمعين اقتضى ذلك العموم.
وقد قيل: إن النكرة في الإثبات تخص، وأنكر أبو المعالي إطلاق هذا القول، وقال: إذا قال القائل: من يأتني بمال أكرمه، فإن المال غير خاص، والسبب في ذلك أن الشرط لا اختصاص له كما قدمناه، فالنكرة الواقعة بعده محمولة عليه، وحكم الشرط في التعميم منبسط على النكرة، ولو اختص المال لاختص الشرط، وذكر أن دلالة الاستيعاب في النكرة المنفية ليست بنص، بل هي ظاهر، فإذا قال: ما رأيت رجلا، كان الظاهر نفي الرؤية عن جنس الرجال، لكنه يتطرق إليه تأويل، ذكره سيبويه، إذ قد يريد: ما رأيت رجلا واحدا، بل رأيت رجالا، حتى إذا أدخل فيه حرف "من" فقال: ما جاءني من رجل، ارتفع ذلك التأويل، وخرج الكلام عن تطرق الاحتمال إليه.
[ ٢٧٣ ]
وأما لفظ الواحد المعرف بالألف واللام كقولك: الرجل أفضل من المرأة، والدينار أفضل من الدرهم، فقد اختلف المعممون في حمله على الاستغراق، واختار أبو المعالي أنه إن كان التعريف ينبئ عن تنكير سبق، كقولك: أقبل رجل، ثم تقول: قرب الرجل، والمراد أعرف قرب من ذكرته، فهذا لا يقتضي استغراقا وإن لاح في الكلام قصد المتكلم للجنس فهو للاستيعاب. وإن لم يدر هل خرج تعريفا لتنكير سابق، أو إشعار الجنس، فالرأي عند أبي المعالي أنه مجمل () المعممين في حمله على الاستيعاب، واعتل أبو المعالي في توق تب البيت اللفظ ليس بجمع (ص ١١٣) ولا وضع للإبهام المقتضي للاستغراق كأدوات الشرط، فالخصوص والعموم إنما يتلقيان من القرائن، ولكن لا يمكن عنده أن ينتظم الكلام من قاصد من اللفظ إلا مرتبا على تنكير سبق، أو مشعرا بالجنس، وأما وقوع الكلام عريا عن إحدى قرينتي العموم والخصوص، في حال أو مقال فمحال من المنتظم الكلام.
وأما الجمع الذي إنما فارق لفظة واحده بنقصان الهاء كالتمرة والتمر، فإن المعممين مختلفون في دلالته على الاستغراق، واحتج من أنكر دلالته على الاستغراق بأنه ليس بجمع، ألا تراه يجمع في نفسه فيقال: تمور.
وأنكر أبو المعالي هذا الاحتجاج، وقال: إن الإبهام والجمع ثابتان، ويعارض ما قالوه من جمعه على تمور، من امتناع قول القائل تمر واحد، فهذا الامتناع يشعر بالجمع. والعذر عما قالوه أن قولك: تمور جمع [من] حيث اللفظ، وقد قال سيبويه بجمع الناقة على نوق، ثم النوق على نياق، وهما جميعا من أبنية الكثرة، ثم النياق على أنيق، وهو مقلوب أنوق، وأوانيق، على ما علم من علم التصريف، والأفعال جمع قلة، ولكن هذا الجمع مردود إلى ألفاظ أقوام قالوا: نياق.
ورأى أبو المعالي أن التمر أدل على استغراق الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور يتخيل فيه الواحد ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع خلاف قد تقدم.
وذكر أبو المعالي أن اللفظ الموضوع لأمور مختلفة كالعين والقرء واللون، فذكر عن بعض المعممين أنهم يحملونه على جميع معانيه، ولم يفرقوا بين كون محامله كلها حقيقة أو
[ ٢٧٤ ]
بعضها مجازا، أو بعضها حقيقة، وأضاف هذا المذهب إلى الشافعي، لأنه حمل قوله تعالى: (أو لامستم النساء) على العموم، مع كون الملامسة حقيقة في حس اليد، مجازا في الجماع، وقال قائلون: إنما تحمل على الحقائق كلها، ولا تحمل على الحقائق والمجاز جميعا.
وأنكر القاضي ابن الطيب على الأولين حمله على المجاز والحقيقة، واعتل بأن ذلك يؤدي إلى التناقض والتهافت، لأن الحقيقة هي اللفظة المستعملة على أصل وضعها، والمجاز هو المنقول عن وضعه، وهذان نقيضان لا يصح دعوى العموم فيهما، كما تقدم بيانه فيما سلف.
وأجاب أبو المعالي عن هذا بأن الذي قاله القاضي: إنما هو نظر في اشتقاق لفظة الحقيقة والمجاز، وهذا غير مراد بما نحن فيه.
وأما الحمل على مسميين: الجس والجماع، فذلك ممكن كغيرهما من المسميات، واختار التوقف في هذه اللفظة، لأنها لم توضع مشعرة بالاحتواء على جميع معانيها، لكن إنما اقترنت معها قرينة تدل على [أن] المراد جميع المحامل، ولو كان بعضها مجازا حملت على التعميم، مثل أن يذكر الذاكر محامل العين، فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين، ويفسر من حاله أنه أراد بها جميع ما جرى ذكره.
وذكر أبو المعالي قول الشافعي [أن] ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال، وهذا يمثل بقوله ﵇ لمن أسلم وتحته عشرة نسوة: "أمسك أربعة وفارق سائرهن"، من غير أن يسأله؛ هل عقد عليهن معا، أو واحدة بعد واحدة. وأشار أبو المعالي إلى أن هذا لا يقتضي العموم، لجواز أن يكون النبي ﵇ عرف صفة العقد، وكيف وقع، فأجاب عنه كما يجيب المفتي على ما يعرفه من قصد المستفي، وإن كان يفتقر كلامه إلى تفصيل، ولو صح أن صاحب الشرع أطلق جوابه، وهو غير عالم بما عليه حال السائل لجرى جوابه على جميع التفاصيل، لكن إنما يتمسك بالحديث من جهة أخرى، وهي قوله: "أمسك أربعا" ولم يخصص الإمساك بالأوائل عن الأواخر، وقال لآخر قد أسلم على أختين: "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى".
[ ٢٧٥ ]
وذكر أبو المعالي أنه نقل عن أبي حنيفة أنه عمم أمورا لا يصير إلى تعميمها شادٍ في الأصول، فقال: إذا قال الراوي: قضي ﵇ في كذا بكذا، عم القضاء في غير المحمل المنقول. كما روي أنه قضى بالكفارة على المجامع في رمضان، فعم به أبو حنيفة كل إفطار. فإن قال هذا تلقيا من اللفظ فهو غلط، وإن قال قياسا نظر في قياسه.
وقد قال الشافعي في قول الراوي: "إنه ﵇ قضى في الأموال بالشاهد واليمين"، هذه الجملة تختص بمحلها، واللفظ لا يشعر بالعموم، والأقيسة لا جريان لها في مراتب البينات، فإنها مستندة إلى التعبدات.
وهذا الذي ذكره أبو المعالي () (ص ١١٤) بكذا، ذهب المحققون من أئمتنا إلى أنه يحتمل أن يكون أراد: قضي بفعل وقع منه، أو قول. وإن كان بقول، فالقول لا تعرف صيغته، فلا يدعى عموم حتى يوقف على الفظ المنقول، والحكم مترتب على ما يفيده قول الراوي إفادة لا احتمال فيها، ولعلنا نحن أن نبسط الكلام فيما تمثل به أبو المعالي من هذه الأحاديث في كتاب التأويلات.
وأما الوجه السابع وهو سبب الخلاف، فإن مستمسك القوم فيه يحصره الاستدلال بشواهد عقلية، أو شواهد لغوية، أو شواهد شرعية.
فأما الشواهد العقلية فنكتة واحدة، وهي ما تقرر من مقتضى العادات، وذلك أن الإخبار بكليات الأوامر بها، مما تمس الحاجة إليه ويتكرر حدوثه ونزوله، وما تكرر وعمت به البلوى ومست الحاجة إليه، فممتنع في العادة أيضا إضراب سائر العقلاء عنه صفحا، وإعراضهم عنه، وإهماله، فنتيجة هذا إثبات وضع صيغة العموم يعبر بها عنه، وما ذاك إلا الصيغ التي قدمنا تعديدها.
وأجيب عن هذا بأن مسيس الحاجة إلى إفهام المراد لا يغير على العاقل نوعا من الأفهام، وقد يفهم مراده للاستيعاب بقرائن أحوال، وألفاظ مؤكدة على وجه من التأكيد يرفع الاحتمال على حسب ما تقدم بيانه، فإذا أمكن هذا، وصح الاستغناء به لم يتعين إثبات صيغة واحدة للعموم، وهذا بعد أن نسلم أنه لا تمكن الغفلة من العقلاء عن مثل هذا.
وقد نوقض أصحاب هذا الاستدلال بإضراب العرب عن وضع أسماء مميزة لرائحة من
[ ٢٧٦ ]
رائحة، ولكون من كون، ولطعم من طعم، وهذا يجيبون عنه بأنا لا نغير اللفظ الذي يقع به الاكتفاء، فاستغنوا بالإسناد والإضافات في الروائح، فقالوا: رائحة مسك، ورائحة عنبر، وقالوا في الطعوم: طعم رمان وطعم تفاح. والعموم قد أنكر الواقفية صيغة تدل عليه، لا مستندة ولا غير مستندة.
وأما الإشهاد اللغوي فإن روي فيه النقل عن العرب معينا عسر، وإن ادعي ذلك مفهوما عنهم، كما فهم رفع الفاعل، ونصب المفعول، طلب مدعيه بإتيانه، فعدل جمهور المحتجين للعموم عن هذا إلى الاستثناء بألفاظ لغوية، منها: التأكيد، فقالوا: إن الواحد لا يؤكد بلفظ الجمع، فلا يقال: جاء زيد كلهم، وما ذاك إلا لأن الواحد غير مشعر بمعنى الجمع ولا صالح له، كما أن الجمع لا يؤكد بلفظ الواحد، فلا تقول: جاء القوم نفسه، وما ذاك إلا لأن لفظة القوم لا تشعر بالاتحاد، فاقتضى هذا أن يكون التأكيد عاما، والمؤكد فإذا قال: جاء القوم أجمعون أكتعون أبصعون، دل هذا على أن القوم جاء جميعهم، وأن هذا يقضتيه اللفظ قبل أن يؤكد، ولو لم يكن يقتضيه لما صح أن يؤكد بلفظ لا يدل عليه، كما لم يصح أن يؤكد الواحد بلفظ الجمع.
وقلب الواقفية هذا الاستدلال، فقالوا: لولا كون اللفظ محتملا لما احتيج إلى التأكيد، لأن الأول لو اقتضى بنفسه الاستيعاب لاستغنى عن لفظ آخر يدل على الاستيعاب، وانفصلت كل فئة من هؤلاء عما قاله مخالفوها.
فأما المعممون فيقولون: وإن دل اللفظ الأول على العموم فإنه يمكن أن يراد به الخصوص، فيكون التأكيد مزيلا لهذا الاحتمال، رافعا لهذا الإمكان، وتقول الواقفية: إنما حسن التأكيد بالجمع في لفظ الجمع لكون لفظ الجمع صالحا للاستيعاب، بخلاف لفظ الواحد الذي لا يصلح للاستيعاب، فالأولى ترك الاعتماد على هذا لما أريناك من تقابل الفئتين.
وهكذا وقع الاستدلال بالاستثناء، فتقول المعممة: لولا دخول المستثنى في المستثنى منه لما حسن استثناؤه، كما لا يحسن استثناء الحمير من الناس. وتجيب الواقفية عن هذا أيضا بأن الاستثناء إنما وقع لدفع ما يمكن إدخاله في العموم، وإزالة اللبس عن السامع [من] التردد في دخول من استثنى، وهذه فائدة محققة، وفرق بين إفادة رفع الاحتمال أو رفع ما يقع دونه الاستقلال، وإنما لم يجز استثناء الحمير من الناس لكون لفظة "الناس" غير [شاملة للحمير].
[ ٢٧٧ ]
أيضا استدل بحسن الاستفهام، فإن الواقفية تقول: إذا قال: اضرب القوم، حسن أن يقال: فهل يدخل ( ك) حسن أن يقال: فهل نكرم فلانا إذا زارني، ولولا أن اللفظ فيه إشكال ما () (ص ١١٥) حسن الاستفهام، ويجيب المعممون عن هذا بأن اللفظ قد يجوز أن يراد به الخصوص، فيكون الاستفهام إنما حسن لدفع هذا المجوز، لا سيما على طريقة من قال: إن إفادة اللفظ العام للاستيعاب إفادة الظواهر، لا إفادة النصوص، وعلى هذه الطريقة يحسن فيه الاستفهام، ما لا يحسن في القول: رأيت حمارا، هل هو النهاق البهيمي، أو البليد الإنساني؟
واستدل بعض المعممين بأن [لفظ] "بعض" يفيد معنى يناقض الاستيعاب، ألا ترى أن بعض المال ليس بكل المال، ونقيض البعض الكل، فليكن الكل مفيدا للاستيعاب حتى تصح هذه المناقضة. وللواقفية أن تجيب بأن المناقضة في الصلاح لا في الإيجاب، فلما كانت "كل" صالحة للاستيعاب، ولفظة "بعض" لا تصلح للاستيعاب، صارت المناقضة بينهما من هذه الجهة. والذي أراه أن جميع ما قدمناه من طرق الاستدلال غير قاطع في تخصيص أحد المذاهب، وإن كان في بعضه إفادة ظنون، ولكن ليس هذا موضع ظن، والتعويل عندي على الاستدلال بالشرع، لأن ما تقدم قد أريناك تقابل الفئتين في بعضه، وتطرق الاحتمال إلى بعضه، ومثل هذا لا يوثق به.
وأما طرق الاستدلال بالشرع فإن الصحابة ﵈ قد نقل عنهم في محاجتهم وفتاويهم تمسك بعمومات مطلقات يكثر تعدادها، وبلغت من الكثرة إلى حيث ما صارت كالمتواترة على المعنى، والمحصول، كجود حاتم الذي لا تعرف قطعا قصة من جودة بعينها، ولكنا نعرف من آحاد القصص المنقولة من جهة الآحاد جوده قطعا.
وكذلك ما نحن فيه من تتبع ما أشرنا إليه استلوح من معانيهم، وفهم من مواصيهم تمسكهم بالظواهر، وحمل الصيغ المذكورة على العموم، فمن ذلك اختلافهم في وطء الأختين بملك اليمين، وتعلق بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين)، لأجل أن هذه لم يفرق الله سبحانه فيها بين أختين حرتين، أو مملوكتين، وتعلق الآخر بقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، ولم يفرق بين أن يملك أختين أو أجنبيتين، وما وقع من قول بعضهم: "أحلتهما آية وحرمتهما آية"، إشارة منه إلى تعارض هذين العمومين، وليس
[ ٢٧٨ ]
إلا هذه الصيغ، فدل ذلك على تمسكهم بالعمومات.
وهكذا احتج ابن عمر على ابن الزبير في إسقاط عدد الرضعات بقوله تعالى: (وأمهاتكم التي أرضعنكم)، وهكذا احتج بعضهم على ابن عباس بعموم ما ورد من تحريم الربا، واحتج هو بعموم قوله ﵇: "لا ربا إلى في النسيئة"، وهكذا احتج عمر على الصديق ﵄ في منع قتال أهل الردة بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث، فتعلق فيه بعموم قوله: الناس، وانفصل الصديق ﵁ بقوله: "إلا بحقها"، والزكاة من حقها، فتعلق أيضا بعموم هذا الاستثناء، ولم ينكر أحدهما على الآخر تعلقه بالعموم، ولو كان التعلق به باطلا لما احتاج الصديق إلى هذا الاستنباط الخفي من هذا العموم المستثنى. على أن القصة التي جرت بينهما مشهورة، ولم ينكرها أحد، ولما سمع عمر ﵁ شعر لبيد، إذ بقول:
وكل نعيم لا محالة زائل
استكذبه وناقضه بنعيم أهل الجنة الذي هو باق لا يزول، فلولا حمله الصيغة وهي "كل نعيم" على العموم لما أنكر مقاله، ولما نزل قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)، قال ابن الزبعري: أنا إذا أخاصم محمدا، قد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم حصب جهنم؟، فأنزل الله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، فلولا كونهم يعممون لما قال الزبعري: أنا أخاصم محمدا، ولما أنزل هذا التخصيص الذي أخرج به من العموم من سبقت له من الله الحسنى.
وقد خرج أهل الصحيح أن قوله تعالى: (الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ)، قالت الصحابة: أيُنا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) فلولا اعتقادهم عموم قوله: (بظلم) حتى تخوفوا أن يكون الله سبحانه اشترط في الأمر والهدى أن [لا] يخلط الإيمان بمعصية لما تخوفوا من هذه الآية، حتى نزل ما يشير إلى أن الظلم
[ ٢٧٩ ]
المذكور هو الكفر، وهكذا لما سمع ابن أم مكتوم: (لا يستوي القاعدون) الآية، وهو ير شكا ضرارته، أنزل الله سبحانه: (غير أولى الضرر) وتتبع أمثال هذه القصص يطول.
وللواقفية في بعضها مجال، (فـ ) التعميم قطعا على صلاح التعميم، وأن التخوف سبب صلاح اللفظ للاستدلال () (ص ١١٦) على الاستيعاب، وبعض ما أوردناه لا يمكن تأويله على هذا الوجه، ولكن القاضي ابن الطيب عول فيه على تجويز قرائن صحبته أشعرت باستيعابه، فلأجلها تعلق القوم به، وهذا عندي إنما يحسن التشكيك والتوقف بسببه في نقل حادثة، أو حادثتين، أو نقل أمر عن رجل، أو رجلين، وأما قصص يكثر تعدادها من رجال مختلفي الآراء والمذاهب، ويكثر تعدادهم، فتقدير مثل هذا المجوز في حق جميعهم، وفي عين كل قصة، ثم لا يؤثر ذلك عن واحد منهم مع كثرتهم، ولا اتفق ظهوره في حادثة مع تباين أزمانها، واختلاف أجناسهم ومبالغتهم أيضا في طرق الحجاج، وإظهار الحق، فإن هذا بعيد في العوائد.
ومن أعظم ما يمنع القاضي عن طريق القدح إلى مثل هذا الاستدلال قطعه على صحة القول بخبر الواحد والقياس ومسالكه فيهما استقراء ما وقع من فتاوى الصحابة ﵃، وحجاج بعضهم على بعض، ومن قرأ كلامه في كتابه على هذين المسألتين وتدبر وجه حجاجه بما نقل عن الصحابة ﵃ فيها، علم أن هذا القدح يبعد على أصله. ويتطرق به إليه لو ثبت في القدح في حجاجه على وجه لعلنا أن نذكره في مواضعه إن شاء الله. ولا تظن بي وقد ملت إلى تصحيح مثل هذا الحجاج أن أقول بالعموم على مسالك جماهير من قال به من المتقدمين، بل مسلكي فيه قريب مما سلكه أبو المعالي في كتابه هذا، وبسطه يطول، وقد نشير في كتاب التأويلات إليه إن شاء الله ﷿، وبالله التوفيق ولا رب سواه.