واعلم أنه قد يقع في هذا الباب ما يشكل، وقد أشرنا إليه، ومن ذلك حرف الغاية، فإن نفاة دليل الخطاب جمهورهم على تسليم دلالة اللفظ على أن ما بعد الغاية بخلافها كقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، وكقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدٍ)، كقول القائل: اضرب زيدا حتى يتوب، فإن التوبة غاية للضرب، وغاية الشيء نهايته، فلو كان يضرب بعد التوبة لبطل كون التوبة غاية. وقد عرف أن "حتى" هاهنا حرف غاية، فاقتضى هذا أن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وإلى هذا رجع القاضي ابن الطيب، بعد أن كان يقول خلافه.
وهكذا حرف الحصر وهو قوله: (إنما إلهكم الله)، وكقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، فتردد قول القاضي ابن الطيب في ذلك، ومال إلى أن الأظهر حصر الأمر على
[ ٣٤٨ ]
المذكور، وأن ما ذكر بخلاف ما لم يذكر. وهذا قد تقدمت الإشارة إليه.
ولكن أبا المعالي ذكر هاهنا مصير أصحاب أبي حنيفة إلى أن قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" جار مجري تعليق الحكم بالصفة أو غيرها من أقسام دليل الخطاب المختلف فيها، ومذهبهم إنكار دليل الخطاب على الجملة، فنفي الشفعة فيما لم يقسم على رأيهم لا يدل عليه هذا الحديث، لذهابهم إلى إنكار دليل الخطاب.
ورأى أبو المعالي أن هذا غلط، وأن هذا اللفظ من ألفاظ الحصر، والألف واللام في قوله "الشفعة" للجنس، فحصر جنس الشفعة في غير المقسوم، فخرج هذا اللفظ بهذا عن تلك الأقسام المختلف فيها التي أشار أبو حنيفة إليها.
وكذا رأى قوله ﵇: "تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم"، من ألفاظ الحصر، وهذا اللفظ عندي يقتضي ألا تحريم إلا بالتكبير، كما لا تحليل إلا بالتسليم، وليس ذلك من ناحية دليل الخطاب المختلف فيه كما ظنه أصحاب أبي حنيفة الذاهبون إلى أن نفى التحريم بغير التكبير إنما يتلقى من دليل الخطاب، ورأوا أن قوله: "تحريم الصلاة التكبير" دليله أن غير التكبير لا يكون تحريما، وهم ينكرون دليل الخطاب، ولأجل إنكارهم إياه، قالوا: إن المصلي يدخل الصلاة بغير التكبير كالقول: الله أعظم، الله أجل، كما يخرج منها بغير التسليم.
وأنكر أبو المعالي هذا، ورأى أن مثل هذا اللفظ إنما يستعمل في اللسان لحصر التحريم على التكبير، وهذا عنده مشهور عند أهل اللسان لا ينكره أحد. وعلى هذا اعتمد في الرد عليهم، بعد أن أشار إلى اقتضاب معنى من معاني الحال كالمؤكد لما قال، وإن لم يكن عنده بمجرده مما يعول عليه، فقال: إن العرب من كلامها المبتدأ والخبر، فمن حق المبتدأ أن يكون معرفة حتى يحصل في نفس السامع معنى معروف، فإذا حصل ذلك في نفسه يبني عليه أمر مجهول عنده يفيده سماعه.
وأما لو كانا معرفتين لم يلتمس فائدة لم تكن عنده، ولو كانا نكرتين لم يستفد أيضا لكونهما مجهولين، وإنما يحصل الاستفادة بالرتبة التي قلناها، فتقول: زيد قائم، فزيد قد عرفه السامع، وجهل حاله؛ هل هو قائم أو قاعد، فإذا قلت: قائم، وهذا اسم نكرة أفدت السامع له ما عليه زيد من الحال، هذا أصل الوضع، فإذا قلت: قائم، وهذا اسم نكرة أفدت السامع له ما عليه زيد من الحال، هذا أصل الوضع، فإذا قال القائل: زيد صديقي، فقد وضع الكلام على رتبته () بمعرفة معلومة عند السامع، وأخبر عنها بصداقة قدر أن السامع (ص ١٥٢) حاول بها.
[ ٣٤٩ ]
فإذا قلب هذا الوضع والترتيب فقال: صديقي زيد، لم يقبله إلا لغرض، ولا غرض فيه إلا حصر الصداقة على زيد، حتى يصير بحرصها كالمعرفة التي حسنت البداية بها، فيستفيد السامع من هذا الكلام معنى لم يكن عنده، وهو [أن] المتكلم لا صديق له إلا زيد، فإذا قال: زيد صديقي لم يستفد منه ألا صديق له إلا زيد، كما استفيد ذلك من قلب هذا الترتيب.
وقد رأيت القاضي أبا محمد عبد الوهاب سلك مسلكه هذا، ورأى أن قوله: "الشفعة فيما لم يقسم" يلحق بالمفهوم الذي لا يجب التنازع فيه، واعتل بأن اللفظ يفيد أن الشفعة محلها ما لم يقسم، وهي مقصورة عليه. وكذلك على رأيه الحديث الآخر، وهو قوله: "تحريم الصلاة التكبير".
وإذا نجز الأول في دليل الخطاب، وعبارته، وأقسامه، والمذاهب فيه، وأدلته، فلنذكر طبقته عند القائلين به في الدلالة.
فاعلم أن الغالب على مفهوم الموافقة البالغ أعلى مراتبه أن يكون نصا لا احتمال فيه، والصنف الذي يعرض فيه الاحتمال حتى يكون كالظواهر نادر فيه.
والذي لا احتمال فيه كقوله تعالى: (ولا تظلمون فتيلا) فلا احتمال فيه في هذا الكلام، لكون الكثير لا يظلمون فيه.
والذي يحل محل الظاهر كقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا فتحرير رقة مؤمنة)، فقد قيل: إن القتل عمدا يوجب الكفارة من باب أولى وأحرى، لأن الكفارة تمحيص الذنب، فإذا وجبت في المخطئ [الذي] لا ذنب عليه، فالعامد الذي عظم ذنبه أحرى وأولى باحتياجه إليها.
وأما مفهوم الخطاب الذي هو بعكس النطق، فالغالب فيه أنه لا يدل دلالة الظواهر، ويتنزل منزلة العموم الذي قد يستعمل مستوعبا لكل ما اشتمل عليه اللفظ، وقد يستعمل غير مشتمل على جميع مسمياته، لكن الأظهر من الاستعمالين الشمول والاستيعاب، وقد تقدم هذا.
فإذا تنزل منزلة العموم فقد ذكرنا أن هذه الدلالة على الاستيعاب التي هي الظاهر من حكم اللفظ العام، بترك الأدلة والقرائن المقترنة، وكذلك دليل الخطاب يستعمل أيضًا
[ ٣٥٠ ]
مشعرًا نطقه بأن ما عدا المذكور بخلافه، وتكون هذه الدلالة على ما لم ينطق به كأنها بعض متضمنات اللفظ، وكأن اللفظ له متضمنان، أحدهما من جهة نطقه، والآخر من جهة ما يشعر به فيما لم يذكر فيه، فيصير ما أشعر به مما لم يذكر كبعض مسميات العموم، وهذا البعض المشعر به غير مستقل بنفسه، ولا هو كجملة منفردة، أو بعض جملة مستقلة بذاتها، وإنما من ضمن النطق، فيصح الخروج عنه بدلالة أيضا، كما يصح تخصيص العموم بدلالة.
وقد رأى الشافعي أن أحد الأدلة التي يسقط بها دليل الخطاب اطراد عادة يكون الناطق توخاها، وقصد مطابقة النطق لها، ولم يقصد إشعار النطق بأن ما عداه بخلافه، فإذا علم أن المتكلم قصد بالتخصيص مطابقة العادة فلا شك أن التخصيص لا يدل على أن ما عداه بخلافه. وكذلك لو ترددنا في قصده وجوزنا أن يكون قصد بالتخصيص الإشعار بأن ما عدا المذكور بخلافه، أو قصد به مطابقة العادة للحق دليل الخطاب بالمجملات التي يستدل بها لأجل ما دخله من الاحتمال.
وساق أمثلة وقعت في الشرع وقع التخصيص فيها بحكم مطابقة العرف لا بحكم الإشعار بأن ما عدا المذكور بخلافه، فذكر منها قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)، ومعلوم أن العرف باستشهاد الرجال دون النساء، لكون النساء يعسر استشهادهن وتكشفهن للقضاة وغيرهم في أداء الشهادة، فحمل قوله: (فإن لم يكونا رجلين) على مطابقة العرف المعتاد في الاستشهاد، وكقوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم)، وقوله ﵇: (المسافر وماله على قلت إلا ما وقى الله"، فالخطاب إنما جرى على مطابقة العرف والغالب في أحوال السفر، فلم يكن للتقييد مفهوم.
وكذلك قوله تعالى: (فإن ختم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم فيما افتدت به)، إنما قيد بالخوف لأن العادة أن المرأة لا تبذل مالها عوضا عن فراق الزوج وهما متحابان، وإنما تبذله إذا وقع القلى والتنافر، الذي يخاف معه ألا يقيما حدود الله، فاشتراط الخوف هاهنا جرى على مطابقة العرف، لا على القصد إلى أن يشعر النطق على أن ما عداه بخلافه، حتى يحرم على الزوجة المفاداة الخوف والمقة.
وهكذا أيضا حمل قوله ﵇ (ص ١٥٣): "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
[ ٣٥١ ]
فنكاحها باطل" على أنه لم يقصد بهذا الإشعار على أن ما عدا إذنه بخلافه، فتكون المرأة إذا عقدت على نفسها النكاح بمجرد إذن الولي لها في ذلك من غير أن يعقد عليها، يصح عقدها ونكاحها، كما قال أبو ثور ومحمد بن الحسن، لأن القصد هاهنا بهذا اللفظ مطابقة العرف الجاري، فإن المرأة التي معها أدنى خفر، واقل مسكة من الحياء لا تتبرج للرجال فتعقد على نفسها نكاحها منهم، فجرى النطق على حكم المتابعة لهذه العادة والإخبار بأن عقدها على نفسها باطل، دون الإشعار بأن الولي إذا أذن لها جاز أن تعقد على نفسها.
وهذا الذي ذكره الشافعي من الأمثلة أشار غيره فيه إلى أمثله أخرى يكثر تعدادها، قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم)، فإن الربيبة تحرم وإن لم تكن في الحجر، وإنما اشترط الحجر جريا على المعتاد المعروف في كون الربائب في حجور أزواج أمهاتهن.
وهكذا قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة)، فإن السفر إنما قيد به لأن الكاتب إنما يعدم غالبا في السفر لا في الحضر، فجرى التقييد على حكم المتابعة للعرف، لا على قصد الإشعار بأن الرهن في الحضر لا يحل كما قاله مجاهد، وأن نكاح الربيبة التي ليست في الحجر تحل كما قاله أهل الظاهر.
وخالف أبو المعالي طريقة الشافعي في هذا، ورأى أن دليل الخطاب لم يثبت بمجرد التخصيص بالذكر، إذ لو كان هذا من العلة للزم ذلك في الأسماء الأعلام، كما قاله الدقاق، ولكن إنما دل على ذلك بما في الكلام من الإشعار على حسب مقتضى حقائقه من كونه شرطا، ومن حق الشرط تعليقه جوابه به، إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إلى علله.
وإن كان هذا هكذا لم يصح إسقاط مقتضى اللفظ باحتمال يؤول إلى العرف، فإذا لم يعلم قصد المخاطب إلى إسقاط دليل الخطاب لم يصح ما دل عليه الخطاب بالتجويز والاحتمال، واستشهد في هذا بأن عمر ﵁ لم ينكر على تعلقه بدليل الخطاب في قصر المسافر على ما تقدم.
وقد أشار الشافعي إلى عده مما يسقط لأجل العرف كما تقدم.
وأشار أبو المعالي أيضا إلى نظر عنده فيما قاله الشافعي في حديث نكاح المرأة بغير إذن وليها، وذهابه إلى إسقاط المفهوم منه، ولكنه سلم أن دليل الخطاب إذا عرض فيه
[ ٣٥٢ ]
إمكان توخي مطابقة العرف بالتخصيص، فإن المستدل على سقوط هذا المفهوم، ويسامح في استدلاله ما لا يسامح من حاول إسقاط فمهوم خطاب لم يعرض [فيه] مثل هذا الاحتمال الذي هو توخي مطابقة العرف، ولا يطلب المستدل نفسه في إسقاط مثل هذا الدليل، بما يطلب به نفسه من الأدلة إذا حاول إسقاط دليل خطاب لم يعرض فيه مثل هذا الاحتمال، بل طبقة الدليل الذي يترك به هذا المفهوم يصح أن يتقاصر عن طبقة الدليل الذي يحاول به ترك المفهوم الآخر الذي لا احتمال فيه، وهذا تتضح حقائقه في كتاب التأويلات، عند الإشارة إلى الموازنة بين ما يعرض من التأويلات، وصلى الله على محمد.