الكلام في هذا الفصل من ثلاثة أوجه:
- فائدته.
- ومحله.
- وسبب الخلاف فيه.
أما فائدته فإنه قد تمس الحاجة إلى النظر في ثبوت تسمية لذات، أو نفيها عنها، حتى يعلم بثبوتها، أو نفيها دخولها تحت ظاهر يحتج به في الشرع، أو خروجها عنه، كالمالكي، إذا استدل على تحريم شرب نبيذ التمر المسكر بأن الخمر حرام، فيقول الحنفي لا يسمى خمرا إلا ما اعتصر من العنب وكان نيا، ولم تضع العرب هذه التسمية إلا لهذا خاصة.
ويحاول بهذا منع المالكي من إدخال عصير التمر تحت الظواهر الواردة بتحريم الخمر، لأن التسمية إذا لم تصح لهذا المتنازع فيه، لم يصح الاحتجاج عليه بتسمية لم تصح له، فيقول: المالكي [الخمر] مأخوذ من المخامرة، أو من التخمير الذي هو بمعنى التغطية والت [ـخمر] أالمرة تغطي وجهها (خل ..) في خمارا () (ص ٥٢) في جماعة يستر بعضهم عن بعض، وعصير العنب إذا أسكر يستر العقل وكذلك عصير التمر يستر العقل أيضا، فيجب أن يكون من لغة العرب تسميته خمرا أيضا.
فإن قبل بالقياس على اللغة، وأن ما يستقر أو يلزم على القول كالمقول صح الاستدلال للمالكي، وإن لم يقل بأن المقول كالمنقول لم يصح الاستدلال بصحة الطريقة من العلل، ولكن بعلة أخرى، وهي العلة الحكمية، لأن هذه المسألة فيها علتان: علة الاسمية، وهي مضافة إلى العرب، وكأنها كشف عن السبب الذي دعاهم إلى وضع التسمية، وعلة حكيمة وهي مضافة إلى صاحب الشرع، وكأنها كالسبب الداعي إلى ما جاء به الشرع من هذا التحريم، وهو إيقاع العداوة، والبغضاء، والصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة.
وهذه العلة الشرعية التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله والصلاة
[ ١٥٠ ]
موجودة في المسكر التمري، كما هي موجودة في المسكر العنبي، ورد الفرع إلى الأصل بعلة التسمية هو المختلف فيه بينهم، فمن منعه اضطر إلى الرجوع إلى هذا النظر الآخر، وهو الرد من ناحية العلة الحكمية، وهذا كله إذا لم يوجد نقل عن العرب أنها تسمى المسكر التمري خمرا.
وهكذا النباش سارق الكفن إذا استدل المالكي على قطعه بقوله تعالى: (والسارق والسارقة) افتقر إلى إثبات تسمية هذا النباش سارقا، إما نقلا عن العرب، أو قياسا على لغتهم، فيصح له الاستدلال حينئذ.
وهكذا المخالف إذا استدل على حد واطئ البهيمة بقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) افتقر إلى إثبات هذه التسمية في هذا الوطء ليصح له دخولها في الظاهر، إما نقلا عن العرب، أو قياس على معنى الاشتقاق، وهو العلو الذي منه أخذ الزنا بالآدمية، ومسائل هذا الباب تكثر.
وأما الوجه الثاني، وهو محل الخلاف، فاعلم أن أسماء الأعلام كزيد وعمرو، لا يتصور إثبات القياس فيها، ولكونها غير معللة، فهي في هذا كالنصوص الشرعية التي لا تعلل، ومن ضرورة القياس إثبات معنى يقع به التشبيه، وهذا لا يختلف.
وأما الأسماء المشتقة الصادرة عن معان معقولة كما مثلنا به في الخمر، والزاني، وكالأسود والأبيض، والعالم، والكاذب، فإن في مثل هذا يتصور الخلاف. وقد اختلف المتكلمون في ذلك على قولين، وكذلك اختلف الفقهاء أيضًا على قولين.
وحذاق المتكلمين على منع القياس، وللمالكية فيه قولان أجازه ابن القصار، وأبو التمام، ومنعه ابن خويز منداد، وكذلك اختلف فيه من ليس من أصحابنا الفقهاء على قولين أيضا.
وقد كان طرد هذا الذي بيناه يقتضي تصوير الخلاف في القياس على المجاز، كما اختلف في القياس في الحقيقة، لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب قد يشير إلى ارتفاع الخلاف فيه، وأن القياس فيه ممنوع، وذكر فرقين بينه وبين الحقائق، أحدهما أن المنع من القياس في المجاز لا يوقع في ضرورة، لأن هذا المجاز المشار إليه بالمنع يبقى له اسم الحقيقة، يعبر به عنه، والحقيقة إذا منعنا فيها القياس بقيت بغير اسم، وقد يحتاج إلى العبارة عنها، فيوقع منع القياس في ضرورة، وهذا الذي قاله إنما يتصور له فرقا في ذات لا اسم لها أصلا في لسان العرب.
[ ١٥١ ]
والذي تمثلنا به مما وقع في الشريعة، له في لسان العرب اسم نصوص عليه، يعبر به عنه، فلا يوقع مع القياس في ضرورة، فيغني في العبارة المقصود فيها التفهم، قولنا: هذا وطئ بهيمة عن قولنا: زنا بهيمة، وكذلك بقية ما تمثلنا به، له عبارات تنبئ عن المراد، وذكر فرقا ثانيا، وهو أن المجاز أخفض رتبة من الحقيقة، فيجب أن يكون للحقيقة عليه رتبة، بل يجاز القياس فيها، ويمنع فيه، وهذا أيضًا ليس بالقوي، لأنا نجد بين الحقيقة والمجاز () الرتب بالسبق، وكون الحقيقة أصلا، والمجاز فرعا، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء من الفروق، ما يغني عن هذا الفرق، وليس يجب () ثبت مع وجودنا فروقا كثيرة كل فرق قد يدعى من غير دليل يقوم عليه.
وقد منع القاضي ابن الطيب القياس على المجاز، [فقال] لا يقال: سألت الثوب، قياسا على قولهم سألت الربع، والطلل، ولكن القاضي ابن الطيب ممن يمنع القياس على العلة [على] كل حال فلا ندري ما يقول في القياس على المجاز إذ وجدت العلة كوجودها في الحقائق على هذه الطريقة التي بنينا عليها (دان ) في الخلاف في هذه المسألة، فإن من منع القياس استدل بقوله تعالى: (وعلم أدم الأسماء كلها) وهذا (ث ٥٣) استدلال ضعيف، لأنا لو قلنا بالعموم، وأنه لم يبق اسم إلا وقد علمه آدم، فإن الآية لا تنفي أن يكون غير آدم لم يعلم كل الأسماء، وعلم بعضها، واحتاج إلى قياس بعض آخر عليه، والكلام في علماء هذه الأمة لا في آدم صلوات الله عليه، ولكن القاطع الذي يعول عليه من منع القياس أن العرب إذا وضعت لذات أسماء وعرف العلة. والسبب الذي وضعوا لأجله التسمية كما تمثلنا به في مسألة الخمر وغيرها، فإنهم لا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام، إما أن ينهونا عن طرد علتهم، والقياس على تسميتهم، أو يأمرونا بذلك، أو يصمتوا عن أمرنا ونهينا، فلا يخفى عن أحد أنهم إذا قالوا سمينا هذا الشيء بهذه التسمية، ولا نسمى كذا وكذا بها، وإن كان مشبها لما سميناه أنه لا يجوز أن يسمى ذلك الشيء بالاسم الذي نهوا عنه، على أن ذلك من لغتهم، لأن من فعل ذلك كان مكابرا لهم، وكاذبا عليهم.
ولا يشك أحد أيضًا أنهم إذا أمرونا بالقياس، وأفهمونا أنهم وضعوا هذه التسمية لكل ما فيه معنى المسمى عموما، حضر لديهم، أو غاب، إنما نسمي ذلك بهذه التسمية، ونضيف ذلك إليهم، ولا نكون كاذبين عليهم، وليس هذا بقياس، وإنما هو اتباع لهم، فيما وضعوه من المسميات نصا وتصريحا، أو ضمنا وتلويحا، ولهذا سمينا العالم منا الآن
[ ١٥٢ ]
عالما، وإن كانت العرب لم تره فتشير إلى عينه بهذه التسمية، لأنا علمنا ضرورة أنهم [لم] يقصدوا قصر هذه التسمية، على علماء عصرهم، بل وضعوها مشيرين بها إلى من رأوه من العلماء، ومن يأتي بعدهم، وكذلك تسميتهم الإنسان منهم إنسانا، والفرس فيهم فرسا، لكن لو تصور معنى آخر يقاس على العلم فتطرد التسمية فيه بالقياس، كان مسألة الخلاف.
وأما إذا صمتوا فلم يأمروا، ولم ينهوا، فهذه موضع الخلاف، ولا وجه لتقويلهم ما لم يقولوا مع إمكان أن يكونوا قصدوا قصر التسمية، وإذا أمكن هذا في العقل [وجاز] فلا وجه للقطع على أن الأمر كان واقعا على نقيضه، وقد سموا سواد الفرس دهمة وسموا عصير العنب خمرا، ولم يسموا نبيذا التمر وغيره من المشروبات التي تغشي وتفسد العقل خمرا.
وإذا وجد هذا النحو من التصرف في اللسان من القصر والإضراب [عن] العلل فمن أين ينطقوا فيما سكتوا عنه على خلافه، وأما من أجاز القياس على اللغة، فإنه يعتمد على القياس في [اللسان]، ويقول: كما صح الطرد في العلل الحكمية صح في العلل الاسمية، وهذا قياس يحاول به إثبات قياس آخر، والمطالبة في الثاني كالمطالبة في الأول، فيقال لم يجب القياس في اللغة لما وجب في الأحكام.
ثم الفرق أن القياس في الأحكام عبارة من الله سبحانه، فصاحب الشرع، كالقائل إذا غلب على ظن الفقيه أني قلت قولا لعلة، ووجدت تلك العلة في أمر سكت [عنه] فليقض فيه، بمثل قضائي، فلو قال العربي إذا وجدتم علتي في أمر لم أسمه فسموه بمثل ما سميت أنا به شبيهه، لكان هذا مضافا للعربي، ولسانا له، ولم يكن قياسا على حسب ما بيناه، وقد قالوا أيضًا إن في منع القياس إفسادا للغة، وحسم مادة الانتفاع بها، لأنه يقتضي ألا يسمى فرسنا فرسا، لأن العرب لم تره فتسميه وهذا قد سبق جوابه، وأنه فهم عن العرب قطعا طرد التسمية فيه، وإنما كلامنا فيما لم يفهم عن العرب فيه أحد الأمرين، من أمر يقصر أو يطرد.