الأكثر من الفقهاء على حمل الأمر المطلق على فعل مرة واحدة، فإذا قال الآمر لغيره: تصدق، فتصدق مرة واحدة فقد برئ من عهده الأمر.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة:
فالذي ينصره القاضي عبد الوهاب أنه يحمل على مرة واحدة.
وقد اختلف من تكلم من أصحابنا على هذه المسألة، ما مقتضى مذهب مالك؟
فذهب بعضهم إلى أن مقتضى مذهبه حمل الأمر على مرة واحدة، واستقرأوا ذلك من لفظ وقع في أول كتاب الوضوء من المدونة، لما سئل ابن القاسم عن التوقيت في الوضوء فأجاب بما أجاب، واستدل على نفي التكرار بمجرد قوله: (وجوهكم)، فلولا أن مذهبه حمل الأمر المطلق على مرة واحدة لم يحسن الاستدلال بهذه الآية، على أن الواجب في الوضوء غسلة واحدة مستوعبة للعضو.
وأشار ابن خويز منداد إلى أن مقتضى مذهبه التكرار تعلقا منه بقوله: إن المتيمم يتيمم لكل صلاة، ولكنه مع هذا تردد في الاستقراء عنه، قال: وقد قال في التمليك إنه لا يجب
[ ٢٠٥ ]
للمرأة إلا مرة واحدة، واختار لنفسه مما تردد فيه عن مالك حمل الأمر على التكرار، وهو اختيار ابن القصار، وبه قال من المتكلمين المعتزلة، ومن الأشعرية الإسفراييني أبو إسحاق، والمحكي عن الشافعي المذهب الأول، وذكر أيضا عن أبي حنيفة.
وذهب القاضي في جماعة الواقفية إلى الوقف، فيما زاد على المرة الواحدة، لأن المرة الواحدة متفق على ثبوتها، ويستحيل تحقق الأمر دونها، لاستحالة أمر لا يتعلق بمأمور به، وإنما هذه الثلاثة أقوال، فيما زاد على المرة الواحدة، فمن قاطع بالنفي، ومن قاطع بالتكرار على الدوام، ومن متردد بين هذين، وعمدة هؤلاء المترددين ما تقرر أن كل محتمل لا يصح الهجوم على أحد محتمليه إلا بدليل، والدليل على احتماله عندهم حسن استفهام الآمر عن مراده.
الا ترى أن السيد إذا قال لعبده زر فلانا، حسن أن يسأله هل أراد زيارة واحدة، أو زيارة متكررة؟ فلولا الاحتمال ما حسن السؤال، وأصدق شاهد على هذا سؤال رجل من الصحابة إما الأقرع بن حابس، أو سراقة ابن مالك، على اختلاف في الرواية، للنبي ﷺ عن الحج، هل هو لعامنا هذا، أو للأبد؟ فلولا احتمال هذا اللفظ لم يسال هذا الصاحب، مع كونه عربيا عارفا باللسان، ألا تراه لم يسال عن المراد بالناس في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت).
وقد أجيبت الواقفية عن هذا "بأن النبي ﵇ انتهر هذا السائل"، فلو أصاب في السؤال ما انتهره، فدل على أنه سأل عما لا يحتمل، واعتذر الواقفية عن هذا الانتهار، بما عمل منه ﵇ من كراهية كثرة المسألة، كما كان يفعل بنو إسرائيل مع أنبيائهم، مع أنه يمكن أن يكون هذا مما أفشي بيانه، حتى صار السائل كالمقصر، بل خفي عنه ما أفشاه، أو أراد منه أن يستعلم هذا من غيره من الذين علموا بيان النبي ﵇ فيه.
واعتمدوا أيضا في الاحتمال على أن فعل الأمر وغيره من الأفعال مشتق من المصادر، كما تقدم قبل هذا، والمصدر لا يدل بمجرده على كثرة، أو قلة، فكذلك ما أخذ منه، لأنك إذا قلت أكلت أكلا، فإن قولك: أكلا مصدر، لا يدل على أكل قليل، أو كثير، مردد، أو موحد، فكذلك ما يؤخذ منه، وهو قولك: كل، لا يدل على شيء من هذا، بل فيه من الاحتمال ما في قولك: أكلا.
وأما الذاهبون إلى حمله على التكرار فإنهم يعتمدون على استشهاد بقياس، وعادة في التخاطب، أما القياس فلهم فيه مسلكان ضمني ومطلق، فأما المطلق فإنهم يقولون إن النهي
[ ٢٠٦ ]
في معناه أمر، لأنه أمر بالكف والترك، كما أن الأمر أمر بالإقدام والإيقاع، والآمر والناهي مقتضيان، ولكن هذا فعلا، وهذا تركا، وقد علم أن النهي يحمل على التكرار والدوام، فكذلك الأمر.
وأما الضمني فقد علم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده تحرك فقد تضمن أمره هذا نهي العبد عن السكون، وإذا ثبت كون السكون منهيا عنه، ليس من جهة التصريح بالنهي عنه، لكن من جهة تضمن الأمر، وكان النهي عن الجملة يقتضي استيعاب الأزمان، تضمن ذلك لا محالة استيعاب الأزمان بمجانية السكون المنهي عنه ضمنا، لا بأن يستوعب الأزمنة بفعل (ص ٧٨) الحركة المأمور بها تصريحا.
وأما عادة التخاطب، فإنهم يقولون قد حسن الاستثناء في عادة التخاطب في مثل هذا الأمر الذي نتكلم عليه، فإذا قال السيد لعبده: كل، حسن أن يقول له إلا في رمضان، فلولا أن مطلق الأمر يقتضي الاستيعاب لما حسن الاستثناء، لأن الاستثناء إخراج بعض من كل، والواحد لا بعض له، وأجيب هؤلاء عن هذا بأن القياس على النهي لا يصح، لأنه قياس على اللغة، واللغة لا تثبت قياسا.
وأما النهي الضمني فإن أبا المعالي لم يسلم لهم اقتضاء الأمر نهيا عن الضد، ولو سلمه لم يسلم فيه الاستيعاب، بل يكون الاستيعاب فيه تابعا لمقتضى الأمر المتضمن للنهي، فإن كان بفعله واحدة، تضمن هذا الأمر تركا واحدا، وإن كان بفعل دائما تضمن النهي تركا دائما، وبهذا انفصل ابن المجاهد عن استدلالهم هذا.
ولهم مسلك في القياس، أشار أبو المعالي إلى الاستغناء عن النظر فيه، لوضوح فساده، وذلك أنهم قالوا اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل يجب استدامته فكذلك نفس الفعل يجب استدامته، لأن جميع ذلك من مقتضى الأمر، وهذا ليس بشيء، لأن اعتقاد الوجوب ينتجه التصديق بما قال الرسول، فلم سامحناه طرفة عين باعتقاد سقوط الوجوب مع علمه بأن الرسول يقول إنه واجب لكنا سامحناه بإكذاب الرسل، وأما العزم فلمعنى آخر سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله.
وهكذا تمسكهم بعادة التخاطب هو عندي مما يتضح ضعفه، لأنا إنما نجيز الاستثناء إذا أراد المتكلم استيعابا مخصصا، وأورد ما يحتمل الاستيعاب، أو يجب فيه الاستيعاب، ثم تلافى تجويز الاستيعاب بالاستثناء حتى رفع به ما جوز أن يريده.
وأقرب ما في هذا أن يقال لهؤلاء قد علمتم مذهب الواقفية في هذا، فلهم أن يقولوا حسن الاستثناء لما فرضناه من الاحتمال الذي اقتضى وقوفنا إلى حمل الأمر المطلق على
[ ٢٠٧ ]
مرة واحدة، فإنهم يعتمدون على القياس على الخبز، والقسم، فيقولون إذا قال القائل: أكل زيد، وتصدق عمرو، فإن مقتضى ذلك أكلة واحدة، وصدقة واحدة، فليكن الأمر كذلك.
ويستشهدون على هذا بأن من قال لوكيله اشتر لي ثوبا فإنه إنما يلزمه شراء ثوب واحد، وكذلك من حلف ليدخلن، فإنه يبرأ بدخلة واحدة، بخلاف الحنث فإنه متى قال لا دخلت الدار حنث متى ما دخل، لأن الحنث كالنهي، والنهي مستوعب والبر كالأمر، والأمر غير مستوعب، وهذا كله أجيبوا عنه بأنه قياس على شرع، أو على لغة، وكل ذلك لا تثبت به اللغات.
هذا ولا نسلم لهم أن الخبر يقتضي اتحادا واستيعابا، بل هو متردد بينهما على حسب ما قدمناه، لما ذكرنا أخذ هذه الأفعال من المصادر، واستدلوا أيضا بأن الموقع فعلة واحدة يسمى مطيعا، وممتثلا، فلولا أن ذلك مقتضى الأمر، لم يحسن وصفه بذلك، وأجيبوا عن هذا بأنه إنما يوصف بالطاعة والامتثال فيقرر ما فعل، ولو صرح الأمر بالتكرار، فأخذ المكلف في الفعل والإيقاع، لقيل هو مطيع ممتثل، والمراد وصفه بذلك بحسب مقتضى الإمكان، وقد انطوى في هذا الفصل ذكر النهي، وكونه مستوعبا للأزمان، فاقتضى الحال إفراده بالكلام عليه، حتى تتميز الأوامر من النواهي.
فاعلم أني رأيت في تصانيف من الأصول لا تحصى كثرة، حكاية الاتفاق على أن النهي المطلق يحمل على استيعاب للأزمنة بالاجتناب، فمن مصرح، يذكر الاتفاق على ذلك، ومن مشير إليه، لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب، ذكر أن من الناس من أجراه مجرى الأمر في اقتضائه الكف مرة واحدة، ولم يسم في بعض تصانيفه، من ذهب إلى ذلك، والقاضي، وغيره من أئمة المتكلمين أجروه مجرى الأمر، في أنه لا يقتضي الاستيعاب.
وأما الجمهور الصائرون إلى أن النهي يقتضي الاستيعاب بخلاف الأمر، فقد أكثروا من ذكر الفروق بينهما، فقيل إنما فرقنا بينهما لقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا" الحديث. فأنت تراه ﷺ، كيف علق الأوامر بالاستطاعة وأطلق النواهي، وأشار بإطلاقه إلى حملها على الاستيعاب.
[ ٢٠٨ ]
وقيل الفرق بينهما أن الاجتناب لا يشق وإن تكرر، والفعل يشق إذا تكرر، وهذا قد يقدح فيه بأن في المجتنبات ما يشق تكرير اجتنابه، ألا ترى أن الصوم هو ترك الطعام، والشراب، والجماع، وتكرير حبس النفس عن شهواتها يشق؟
وقيل الفرق بينهما أن الفعل الواحد يكون تركا لأفعال كثيرة، وينافيها في زمن واحد، لو فعلت لما اتسع ذلك الزمن لها، والفعل الموقع بخلاف ذلك، إذ لا يمكن إيقاع أفعال (ص ٧٩) شتى في زمن يضيق عنها، فدل ذلك على [أن] الاجتناب والترك يتحقق فيه الاستيعاب، وإن ضاق الزمان، واتحد الأمر، بخلاف الأمر بالإيقاع.
وقيل الفرق بينهما أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب اجتنابه أبدًا، والأمر يدل على الحسن، وقد يكون حسن لا يجب.
وقيل الفرق بينهما، أن العادة في التخاطب جارية بالتفرقة بينهما، فالنواهي يفهم منها الاستيعاب، بخلاف الأوامر، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: لا تقابح، لا تؤذ الجار، إلى غير ذلك من أمثاله، لم يحسن من العبد أن يستفسره عن الاتحاد، والتكرار، بل يفهم من هذا استيعاب الأزمنة، ولو قال له أعط لفلان ثوبًا، تصدق على هذا المسكين بدرهم، لم يفهم عنه الاستيعاب.
وقيل الفرق بينهما أن النهي كالنفي، والأمر كالإثبات، والناهي كالسالب لما أثبته الآمر، فإذا قال: صل، فقد أثبت الصلاة، وإذا قال لا تصل، فكأنه سلب ما أثبت، ومقتضى هذا أن يجري النهي على مناقضة الأمر، فإذا قال: صل فصلى صلاة واحدة، فقد خرج من عهدة الأمر، فإن لم يصلها اليوم، وصلاها بالغد كان ممتثلا، وهكذا في باقي الأيام، فقد صار في كل يوم يوقعها ممتثلا، فإذا نهاه اقتضى كون النهي سلبًا للأمر، استيعاب الأزمنة في الاجتناب حتى تتحقق المناقضة بين الأمر والنهي، ويكون النهي يستوعب الأزمنة ضما واجتماعا، والأمر على البدل، والتنقل من يوم إلى يوم.
وقيل الفرق أن الأمر إثبات، وهو مأخوذ من المصدر، والمصدر لا يدل على قلة أو كثرة، كما تقدم، والنهي مأخوذ من النفي، والنفي يدل على الاستيعاب، وإنما دل النفي على الاستيعاب لأنه عدم محض، ولا تخصص فيه، فجعل الاستيعاب للأزمنة كصورة يتخيل منها الاختصاص، كما يتخيل في الإثبات الاختصاص من ناحية الصور، فإذا قال رأيت رجلا وقع الاختصاص برجل واحد، لما كان الكلام إثباتا، فإذا قال لم أر رجلًا، فقد أخبر أنه لم يوقع الرؤية، فأشار إلى عدم، والعدم لا يفعل في مثل هذا إلا باستناد، فإن لم يستند هذا النفي إلى استيعاب سائر الرجال، لم يكن له اختصاص برجل دون رجل، وهذا
[ ٢٠٩ ]
الفرق [و] الذي قبله مبدأهما واحد، ونهايتهما كالمختلف.
وهذه الفروق أكثرها لا يسلم من القدح، وما سلم منها قد يغمض، وأمثلها ما أشر فيه إلى معنى النفي، والإثبات، على حسب ما صورناه آخرا.