فمن ذلك العبيد، وقد اختلف الناس في دخولهم في العمومات، كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت)، وكقوله: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا)، وأمثال ذلك. والظاهر من مذاهب أصحابنا وأصحاب الشافعي أنهم داخلون تحت الخطاب مع الأحرار، وذكر ابن المنتاب عن بعض أصحابنا أنهم لا يدخلون في الخطاب، وهو الذي اختاره ابن خويز منداد، وإنما عول هؤلاء في إخراجهم عن تناول الصيغة لهم مع كونها صالحة في أصل اللغة لهم على كونهم مستحقي المنافع لسادتهم، وهذا ينافي التكليف، ولكونهم يملكون فأشبهوا البهائم، ولقوله تعالى: (عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء)، ومن لا يقدر على شيء فلا يكلف.
والاستدلال بهذا كله غلط، وعليه عول ابن خويز منداد، فأما شبههم بالبهائم فواضح فساده، إذ البهيمة لا تعقل فتكلف، وهذا عاقل فكلف، أما ظاهر الآية فلا يحسن الاستدلال به هاهنا، لأن المقصود بها هاهنا [شيء] آخر، كيف ونحن نشاهد العبد
[ ٢٨٤ ]
يقدر على الحركة والسكون اللذين هما مناطق التكليف غالبا، كما يقدر الحر.
وأما التعويل على كونه مستحق المنافع، فنحن لا نوجب عليه حق الله سبحانه في الحال التي يوجب عليها فيها من حق سيده ما يمنعه من القيام بحق الله سبحانه، لأنه لو أوجبنا ذلك كلفناه ما لا يطيق، وإنما يوجب عليه حق الله في حال ليس لسيده عليه حق يمنعه من القيام بحق الله سبحانه، وهذه الصورة هي محل الخلاف، وتعليلهم ساقط فيها لا يتصور.
ومن ذلك دخول النساء في جمع السلامة الوارد في جمع التذكير، كمسلمين، ومؤمنين. وهذا أيضا مما اختلف الناس فيه، فذهب الشافعي إلى أنهم لا يدخلون في مثل هذا الخطاب، وهو اختيار جماعة الحذاق من مشاهير المتكلمين والفقهاء، وهو الذي نصر القاضي عبد الوهاب، ونصر ابن خويز منداد من أصحابنا القول الآخر، وهو دخولهن في الخطاب، وبه قال ابن داود وغيره.
وإنما نشأ الخلاف من ورود صورة اتفق عليها النحاة، وهي تغليب المذكر على المؤنث في الجمع، فاغتر قوم بهذا فأخذوه عنهم على إطلاقه فقالوا بدخول النساء في الخطاب، وليس الأمر كما ظنوه، وإنما ذكرت النحاة تعليم المتكلم كيفية النطق إذا أراد أن يعبر عن نساء ورجال، وقد علموه أن علامة الجمع فيهم مختلفة كما تقدم، فجمع المسلمة مسلمات، فالعلامة ألف وتاء، وجمع المسلم مسلمون، فالعلامة واو ونون، فعلموه هاهنا تعليما ثانيا هو أن يغلب علامة المذكر إذا قصدوا إلى العبارة عن جماعة نساء وجماعة رجال، ولم يذكروا أن اللفظة عند إطلاقها موضوعة لتناول الجميع، فشتان ما بين تعليم القاصد إلى التعبير عن الجمع كيف ينطق، وبين الحكم على مقتضى لفظة لا يعلم قصد مطلقها.
وقد احتج الشافعي على أنهن لا يدخلن في الخطاب المذكور بشكوى أم سلمة ﵂ للنبي ﷺ، وأن الله سبحانه لم ينزل فيهن خطابا، وإنما خاطب الرجال، فنزل عند شكواها: (إن المسلمين والمسلمات)، الآية، فلو كن داخلات لما شكت هذا، ولأنكره ﵇ عليها، ولما احتيج إلى نزول هذه الآية عند شكواها.
وأجاب الآخرون عن هذا بأن القصد بشكواها استدعاء تنويه بهن إذا ذكرهن، وتشريف لهن بذكرهن في القرآن، وقد أغلى بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تدخل
[ ٢٨٥ ]
النساء في الخطاب، ولو كان بأدوات الشرط، مثل قوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه"، لا تقتل المرأة إذا ارتدت لكونها غير داخلة في هذا الخطاب، يحتج هؤلاء بقول العرب: من في الذكر، ومنة في الأنثى، وفي الذكرين منان، وفي المرأتين منتان، وفي الذكور منون، وفي الإناث منات. فقد اختلف علامة التذكير والتأنيث في هذا، كما اختلف في جمع السلامة الذي قدمناه () الاستدلال أن سيبويه إنما أورده في باب الكناية (فكا ) كالمحاكاة (ص ١٩٩) لأمر تقدم، وباب الحكاية معلوم مجراه في اللسان، ونحو هذا يعتذر عن قول الشاعر:
أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
مع كون هذا أيضا ليس باللغة الفصحى.
وفائدة هذه المسألة التي قبلها في الفقهيات النظر في جنبة من يكون الدليل، وكيف يتصور التخصيص، فإذا قلنا: لا جمعة على العبد، ولا على المرأة، فاحتج عليه بقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله).
فمن قال من أصحابنا: إن العبد لا يدخل في هذا الخطاب، ومن قال أيضا منهم: إن المرأة لا تدخل في هذا الخطاب لم يكن عليه في الآية حجة، ومن قال منهم بدخول هذين في الخطاب لزمه أن يخصص هذا العموم، فيفتقر حينئذ إلى الحديث الوارد بإسقاط الجمعة عمن ذكر فيه من عبد أو امرأة وغيرهما، وينظر حينئذ في الحديث إذا ثبت عنده؛ هل يخص به العموم أم لا؟ على ما سيأتي بيانه في تخصيص العموم الوارد في القرآن بأخبار الآحاد.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن أعتق كل مملوك له، هل يدخل الإناث في العتق أم لا؟، وهذا أيضًا مما يصلح أن يخرج على هذا الأصل الذي نحن فيه.
وقد أشار أبو المعالي إلى أن من الألفاظ ما يتفق على دخول النساء فيها، ومثل
[ ٢٨٦ ]
قولهم: الناس، والقوم، وتمثيله إنما يصح له على أحد القولين، على أنه ينطلق على النساء بدليل قوله: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه)، وقد أرسل إلى نسائهم ورجالهم، لا على القول: إن النساء لا يسمين قوما بدليل قوله: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء)، وقول الشاعر:
أقوم آل حصن أم نساء
ويلحق بهذا النوع سؤال جار على أسلوبه، وهو دخول المتكلم في عموم كلامه، كقول القائل لعبده، من دخل الدار فليطعم. فقد قيل: لا يدخل المتكلم في هذا، ولا يلزم العبد إطعام سيده إن دخل، واستشهد هؤلاء بقوله تعالى: (خالق كل شيء)، ومعلوم أنه لم يدخل نفسه تعالى في هذا الخطاب، وهذا الاستشهاد ليس بشيء، لأن الخلق لا يتصور لذات الباري سبحانه، ولا يتوهم فيها، وهو مما يستحيل عليها، فلهذا لم يشتمل العموم عليه، ألا ترى قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم)، وقد اشتمل على نفسه، فهو عالم بنفسه تعالى. وقد سلم أبو المعالي خروج المتكلم عن الخطاب بحكم ما يقع في كثير من الألفاظ بمقضتى العادة، لكن اللفظ عنده يتناوله بحق العموم ووضع الصيغة في أصل اللسان.
ومما يلحق بما نحن فيه اختلاف الأصوليين في صيغة العموم الصالحة لدخول النبي ﵇ فيها كقوله: (يا أيها الذين أمنوا)، هل يدخل فيها ﷺ أم لا؟ فمذهب مشاهيرهم أنه داخل فيها، وذهبت طائفة إلى أنه غير داخل، لاختصاصه بأحكام لا تشاركه فيها، وهذا باطل، لأن الخصوص في غير محل الخطاب الذي نتكلم عليه لا يقتضي تعدي التخصيص إلى ما سواه، مما نحن فيه.
وفصل الصيرفي فقال: إن صدر الخطاب بأمر النبي ﵇ بالتبليغ كقوله: (قل يا أهل أيها الناس) فإن النبي ﵇ لا يدخل فيه، بخلاف الخطاب الذي لم يصدر بمثل هذا، بل ورد مسترسلا، فإنه ﵇ يدخل فيه.
وأنكر أبو المعالي هذا التفصيل، لأن القول في الفصلين جميعا مستند إلى الله
[ ٢٨٧ ]
سبحانه، والرسول مبلغ خطابه إلينا في الوجهين جميعا، فلا معنى للتفرقة.
ومما ألحق بما نحن يه خطاب النبي ﵇ بصيغة تختص به [في] وضع اللسان، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى مشاركة الأمة له في ذلك، وبه تعلقوا في عقد النكاح بلفظ الهبة، لقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)، فهذا خطاب مختص به ﷺ، والناس مشاركون له في حكمه.
وأنكر أبو المعالي هذا من ناحية الخطاب لكونه خاصا في نفسه، وتردد في مسالك الصحابة فيه، فأشار إلى أن ما كان عرف تخصيص النبي ﵇ فيه بخصيصة كالنكاح والغنائم، فإنهم لا يؤمرون بالمشاركة فيما ورد من هذا القبيل، وما لم يظهر فيه خصائصه ﷺ ففيه مجال للنظر، وقد كان بعضهم يحتج على بعض بآيات مختصة به ﷺ، ولا أقطع أنهم يردون ذلك في هذا النوع.
وبالجملة والظن المستفاد من ناحية وضع اللسان فهو المعمول به، وما كان من [الظنون] المستفادة من جهة عادات ووقائع ما أرى هاهنا إلى الأحكام مدخلا () (ص ١٢٠) النسخ، وإن كان مجوزا، ونراعي حكم التأويل المحتمل من ناحية اللفظ.
ونحن وإن تيقنا أنهم ﵈ كانوا يستدلون بأفعاله على رفع الحرج، إذا لم يظهر اختصاص النبي ﵇، فإنا لم نعرف من عادتهم في الخطاب المختص ما عرفنا من عادتهم في أفعاله، ونحن إنما لم نوسع المقال في خروج النبي من الخطاب العام، ودخول أمته في الخطاب المختص، لأنه قل ما تمس حاجة الفقيه إليه.
ومما ألحق بهذا الباب القضايا في الأعيان، وقد اختلف أهل الأصول في خطاب النبي ﵇ رجلا من أمته بحكم ما، هل يتعدى ذلك إلى غيره ويقتضي مشاركة الأمة له فيه أم لا؟ والحق أن دعوى المشاركة من جهة الصيغة باطل، ودعوى الاشتراك من ناحية عمل الصحابة وعمل الشرائع لا شك فيه، وكذلك خطابه لأهل عصره معلوم أن من بعدهم عاملون به.
وأشار أبو المعالي إلى أن الاتفاق حاصل على تعديها من ناحية العمل، لا من ناحية وضع اللسان، ودعواه الاتفاق في هذا من جهة العلم لا يسلم له.
[ ٢٨٨ ]