قد تقدم الكلام في جواز تأخير البيان، وذكرنا أن من الناس من منع تأخير العموم عن مورد الخطاب، فأبو بكر الصيرفي ذهب إلى البدار لاعتقاد حمل الصيغة على الاستيعاب والاستغراق، والمعممون على خلافه في هذا.
وقد أغلظ أبو المعالي القول عليه، وأساء معه الأدب، وهو من أئمة الشافعية المشهورين، ولا يحسن أن ينسب إلى الغباوة أو العناد، مع إمكان تأويل مخرج لكلامه وإن بعد، مع كون المسألة لا تقدح (ص ١٢٦) في قاعدة من قواعد التوحيد ولا تتعلق بذلك. والذي اعتمد في الرد عليه هو أن يقال له: أنت تجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب، والتخصيص بيان للخطاب، ومعنى التخصيص تبين أن المراد باللفظة العامة بعض ما شملته، والجمع بين تجويز أن يكون المراد بها بعض ما شملته، وبين اعتقاد أن المراد بها جميع ما شملته تناقض لا يصح اعتقاده، وهذا لا حيلة في الجواب عنه، ولكن إذا قال الرجل: لم أرد هذا وإنما أردت اعتقاد وجوب العمل به، لأن الصيغة تفيد الظن
[ ٢٩٩ ]
للاستيعاب، والظان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما ظن، وهذا لا يستحيل تعبده بالعمل بالظن، ألا ترى أن الأقيسة الشرعية وأخبار الآحاد مظنونة، ثم العمل بها واجب قطعا، كانت هذه طريقة غير مستحيلة كاستحالة ما بيناه من الجمع بين نقيضين في الاعتقاد.
ولكن إنما ننظر فيها معه من طريقة أخرى، وهي أن المسألة مصورة في عموم لم تقف الحاجة إلى العمل به، وأما إذا وقفت الحاجة إلى العمل به، فلا يمكن تأخير البيان على ما بيناه في بابه، فإن أشار باعتقاد وجوب العمل فيما افتقر فيه إلى العمل، وإنفاذ الأمر، فهو كما بيناه من أن البيان لا يتأخر، وفيما قبل ذلك لا يجب عمل متصور اعتقاد وجوبه، فإن أراد أنه يعتقد العمل بالاستيعاب على حسب مقتضى دلالة الصيغة إذا حضر العمل، ولم يرد مخصص، فهذا لا يخالف فيه، وتعود المسألة إلى خلاف في عبارة، وإن أراد أنه إذا حضر العمل وجب الامتثال والتنفيذ للخطاب، والعمل به على جهة الاستيعاب، غير ملتفت إلى ما سواه من أدلة الشرع، هل فيها مخصص من قياس يظهر بعد البحث عن الأصول، أو ظاهر، أو غير ذلك من الأدلة المخصصة، فهذا أيضًا غلط، لأن الفقيه لا يباح له أن يفتي بأول خاطر يسنح له، مع تزاحم الظنون عليه، وتزاحم تعارض الأدلة لديه، ولو عن له قياس لم يسغ له أن يفتي بموجبه، دون أن يبحث هل في الشريعة خبر يخالفه، أو قياس يضاده، أو قادح يقدح فيه، فكذلك العموم لابد من الالتفات إلى الجهات التي تمنع من إجرائه على ظاهره، فإن أمن منها ووثق بأن لا معارض له ولا مخصص، أجرى الأمر على عمومه.
فإن قال: في التوقف إبطال دلالة الكلام على الاستيعاب، وإبطال الدلالة لا يصح. قيل له: إنما تدل الصيغة على الاستيعاب مع التجرد عن القرائن المخصصة، والتجرد إنما يعرف بعد البحث، لا عند سماع الصيغة من غير بحث.
فإن قال أيضا: في التوقف مساهمة للواقفية في الصيغة، والمسألة مفروضة مع تسليم صيغ العموم، وإثبات التوقف إلى حين كإثباته إلى غير حين، وإذا أثبتناه إلى غير حين، فذلك تصريح بالقول بالتوقف. قيل له: الواقف لا يجريه على ظاهر، لأجل أنه بحث فلم يجد قبل تعيين العمل به، لأن اللفظ عنده محتمل للخصوص والعموم، وليس بظاهر في أحدهما، فعدم عثوره على دليل متين لا يوجب إجراءه على أحد المحتملين، إذ ليس أحدهما أحق بذلك من الآخر، ألا ترى أنه إذا قال: اصبغ هذا الثوب لونا، وأعدم السامع البيان فإنه لا يقضي على أن مراد القائل الحمرة، لأجل عدم البيان، دون أن يقضي بأن مراده الصفرة، لأجل عدم البيان. وأما المعممون فإنهم يرون الصيغة موضوعة للاستغراق، وهي وإن احتملت الخصوص فهو احتمال على الأقل، والظاهر الاستيعاب، فإذا تفقد مع البحث
[ ٣٠٠ ]
ما يرد عن الظاهر إلى النادر وجب التمسك بالظاهر الغالب.
فهذا الفرق بين الواقفين في هذا البحث على ما ينبه على إجراء الصيغة على ظاهرها، وبين من يقف منتظرا بيان أحد المحتملين، فوقفه متماد إلى أن يجد أن تمس الحاجة إلى البيان، فيعمل فيه بما قلناه في باب تأخير البيان.