القول في هذا من ثلاثة أوجه:
- أحدها: هل يقع العلم عن الخبر المتواتر أم لا؟
- والثاني: كيفية وقوعه.
- والثالث: شرط وقوعه.
فأما وقوع العلم عنه فجميع أصحاب المقالات على اختلاف طرقهم مجموعون على وقوع العلم عنه، سوى طائفة تعرف بالسمنية، فإنهم أنكروا وقوع العلم عن الخبر المتواتر، وجمهور المصنفين الناقلين مذهبهم هذا يشيرون إلى أنهم مخالفون في ذلك لفظا ومعنى.
وأبو المعالي يشير إلى تسهيل أمر مخالفتهم في هذا، أو يرى أنهم ينكرون وقوع العلم به على الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد الأخبار، بل إلى قرائن تضام الأخبار، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل، كالعلم الواقع بخجل الخجل، ووجل الوجل، وقد رد المصنفون الحاملون خلافهم على المخالفة في أصل وقوع العلم مذهبهم، فإن الإنسان يعرف أمه التي ولدته، ولا طريق له إلى معرفتها إلا الخبر المتكاثر بأنها ولدته، فإن جحد جاحد معرفة أمه سقطت مكالمته، وإن أقر بها سلم إفادة الخبر المتواتر وقوع العلم. وهكذا يضرب في هذا مثالا بمعرفة مكة وبغداد، ولا يظن أن هذه محاجة لهؤلاء، لأن النظريات فروع للضروريات، ومن جحد الضورية فلا سبيل إلى مخاطبته بالمعاني النظرية، وإنما نورد مثل هذا تشنيعا عليهم، وإيضاحا لقبح مذهبهم.
وأما الوجه الثاني وهو كيفية وقوع العلم [به] فإنه ينظر فيه من نحوين مختلفين:
[ ٤٢١ ]
- أحدهما: هل العلم الواقع عن الخبر المتواتر ضروري أو نظري؟
- والثاني: لماذا يستند هذا العلم؟
فإما كونه ضروريا فإنه مذهب جميع أصحاب المقالات سوى الكعبي وأتباعه، فإنهم ذهبوا إلى افتقار هذا العلم إلى تقدم استدلال، فالكعبي وجماعة ممن تبعه يرون أن هذا الاستدلال المتقدم للعلم يثمر علما نظريا كغيره من العلوم النظرية. ويرى بعض اتباعه أن هذا الاستدلال يثمر علما ضروريا.
وجمهور المصنفين يشيرون إلى مخالفة هذا المذهب أيضا لما عليه الجمهور لفظا ومعنى، وأبو المعالي حمله على مخالفة لفظية لا معنوية، ويرى أن المستمع للأخبار المتواترة لابد أن يصحب استماعه تأمل ما من تعري الأخبار عن التواطؤ عليها لغرض ما، أو لجامع وسائس ساس المخبرين حتى صاروا إليها، فهذا التأمل ضرب من الاستدلال وقع عنه العلم. فتلطف ابو المعالي في رد خلاف السمنية والكبيعة، إلى أمر قد يوافقون عليه، وأشار إلى تصحيح هذه المذاهب إن قصد أهلوها ما ظن بهم.
وقد رد المصنفون على الكعبية بأن الصبيان ومن تقاصر عمره عن النهوض بالاستدلال يعرف المخبرات المتواترة، كيف يعرف الطفل أمه، وهو في سن يقصر عن النهوض بالاستدلال، فلو وقف هذا العلم على الاستدلال لما أدركه من لم تبلغ فيه درجة الاستدلال.
وأيضا فإن ما يستدل عليه يختلف الناس فيه بالإبطاء والسرعة والتصرف في فنون المذاهب بحسب اختلاف القرائح والأفهام، وصحة التصور وفساده، وترى السامعين للأخبار المتواترة يتساوون في وقوع العلم مع اختلاف أفهامهم وطرائق استدلالالتهم، وما ذاك إلى لكونه علما غنيا عن الاستدلال.
وأما التفات الذهن إلى أن في تأمل يستفاد به التعري (ص ١٩١) عن أسباب المواطأة وما في معناها مما يمنع وقوع العلم، فإنما ذلك أمر لطيف خارج عن كيفية الاستدلال، ونازل منزلة تحديق الأبصار للمبصرات، والإصغاء بالأسماع للمسموعات، ومثل هذا لا يسمى استدلالا.
وقد تمسك الكعبي في تصحيح ما قال بأن هذا العلم لو علم على الضرورة لما خالف فيه هو أتباعه، فدل على أنه يعلم بالنظر، ومن البعيد أن يكون العلم بالمخبرات ضروريا، والعلم بنفس هذا العلم نظريا.
ورد القاضي هذا بأنه استبعاد اقتصر عليه على الدعوى من غير حجة، والعلم الضروري يفتقر إلى النظر في إبطال طرق النظر التي توصل إليه، حتى يعلم انحسام مواد
[ ٤٢٢ ]
النظر عنه أنه ضروري. ولو بشع على القاضي هذا بأنه يوجب أن العلم بالمستحيلات كلها ضروري، ومع هذا إنما يعرف كونه ضروريا بالنظر، لم يلتفت إلى هذا التبشيع، وسلك في الطريق التي أريناك.
وقد عورض القاضي بأن العلم بكون العالم عالما هو عين علمه بالمعلوم من غير مزيد، فإذا كان ذلك العلم بعينه ضروريا فكيف يتصور من جهة أخر نظريا. وهذه معارضة لا تلزم، لأنا إنما ننكر التناقض المتزاحم على ذات واحدة من جهة واحدة، وأما من جهتين فلا، وكون العغلم علما جهة، وكونه نظريا أو ضروريا جهة أخرى، فلا يعد في تعدد الطرق بتعدد الجهات، وهذا إنما يحسن التدقيق فيه في كتب أصول الديانات.
وأما كيفية الوقوع والنظر فيه من جهة الاستناد فإن الجميع أطلقوا القول بأن هذا العلم مستند إلى الأخبار المتواترة، وأنكر أبو المعالي هذا، ورأى أنه مستند إلى القرائن [و] وكثرة العدد الذين لا يمكن في العادة تواطؤهم، ولا الكذب، ولا اتفاق وقوعه منهم غلطا، وسمعوا مع عدم التواطئ، وما في معناه، فإذا حصلت هذه القرائن وقع العلم الضروري، فكثرة عدد المخبرين أحد أوصاف القرينة التي يقع العلم عندنا [بها]. وطرد أصله في هذا حتى لم يستنكر وقوع العلم الضروري بخبر واحد، فإذا إضامته قرينة، وتمثل في هذا برئيس وقور قد ألف من سيرته ما ملأ من هيبته الصدور، إذا خرج شاقا جيبه، لاطما وجهه، ناتفا شعره، ينادي: وا ثكلاه، وا ولداه، قد خلع رقبة الوقار التي اعتادها، وأخبر بموت ابنه، والغسال متشمر داخل، خارج للغسل، والجنازة حاضرة، فإن هذا يعلم ضرورة صدقه في موت ابنه.
وجمهور أئمتنا ينكرون هذا، ويرون أن العادة كما أطردت بوقوع العلم الضروري عند الأخبار المتواترة، فكذلك طردت بعدم وقوع العلم عند خبر واحد، ولو صور في مقارنة خبره كل قرينة، ويرون أن هذا الذي تمثل به أبو المعالي ربما تحقق وقوعه من هذا الموصوف كذبا لغرض ما، بخلاف العدد المتواتر فإنه لا يتفق منهم مع الكثرة تعمد الكذب، ولو جمعهم عليه جامع لم يقع العلم، ولظهر ثاني حال منهم الإشعار بتواطئهم، ولو صور في هذا أيضا من المثل من لقيناه بقرب حمام، وسلطه بيده، ومئزره يقطر ماء، ووجهه محمر يتصبب العرق على وجهه، فذكر أنه خرج من الحمام فإنا نعلم صدقه ضرورة.
ومثل هذا بعض المتأخرين بأن الضارب باب صديق له، فخرج إليه خادمه، فيقول له: قال لك: ادخل، فإن الدخول مباح له، وربما وقع العلم الضروري لسامع خبر الخادم بصدقها من قرينة حال شاهدها منها، وذكر عن هذا المتأخر أنه أفرط حتى زعم أنه يعلم
[ ٤٢٣ ]
صدق بعض المدعين لحقوق لهم على غيرهم ضرورة، وقد أنكر هذا غيره من الأئمة، وقال: قد تكررت الدعاوى في مرور الأعصار في سائر الأمصار، ولا أحد من القضاة سمع منه أنه علم صدق مدع على الضرورة، وما ذاك إلا لاطراد العوائد، بما قلناه من أنه لا يقع العلم بخبر الواحد على حال.
وهذه طريقة إنما سبق النظام [بها]، فذكر عنه أنه قال: يقع بخبر الواحد العلم، ونقل بعض المصنفين عنه هذا مقيدا إذا ضامته قرينة. ورأى أبو المعالي أن هذا النقل الثاني أولى وأشبه به.
وذهب ابن خويز منداد من أصحابنا إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر، ولعلنا أن نتكلم عن مذهبه فيما بعد.
وبالجملة فإن هذه المثل ربما تصور في بعضها قرائن تقتضي العلم الضروري، وإن لم يصحب القرائن خبر، كمثال من لقيناه خارجا من الحمام على صفة ما ذكرناه، فإنه ربما كان [معه] قرائن تدل على أنه خرج من الحمام وإن لم (ص ١٩٢) يخبر بذلك الخبر، لاحظ له في هذا، وما صوره الآخرون من الشكوك والتجويز لا معنى له، لأن القرائن لا تنقل، وإن اعتمد النظام ومن واقه على مجرد الأوصاف التي وصفوا، غلطوا، وطرق الإمكان والتشكيك لها فيها مجال، لكن لا يبعد أن يكون هناك من الأوصاف التي ذكروا أحوال لا يعبر عنها، فيقضي مجموع ذلك العلم، ولا قدرة لألسن خلق الله وأقدرهم على التصور والتصوير أن يعبر عن جملة القرائن، ولا يبين بعبارة عن فرق ما بين شحوب المريض وشحوب الخائف.
وقد ذكر الشافعي أن من شهد عند القاضي بأنه رأى طفلا التقم ثديا، وهو يمصه، ويتجرجر ما يمص، فإنه لا يثبت قضية بأن الطفل رضيع للمرأة حتى يقطع الشاهد الشهادة بأنه قد ارتضعته المرأة، معولا في ذلك على قرائن أحوال شاهدها ضامت هذه الأوصاف.
وأما الوجه الثالث وهو شرط خبر التواتر الذي يقع العلم عنه، فإنا قدمنا مذهب أبي المعالي، ما يفهم منه أنه يرى اتحاد الشرط في هذا الفن، لأنه يسند وقوع العلم إلى القرائن، ولا يعتبر أن يكون المخبر واحدا أو آحادا، ويرى أن كثرة العدد أحد القرائن. فأما القرينة المضامة لخبر الواحد الذي يقع العلم عند خبره، فلا يمكن أن يشير إليها بعبارة تضبطها. وأما القرينة التي نشير إليها في خبر التواتر، فإن العبارة عنها أن الكثرة التي لا
[ ٤٢٤ ]
يمكن في العادة أن يقع منهم الكذب اتفاقا منهم على تعمد، أو يتفق من جماعتهم وقوعه منهم سهوا وغلطا، مع انتفاء أسباب التواطى، وما في معناه من الأمور الحاملة للعدد الكثير على الكذب، فإن هذه الأوصاف هي المشار إليها بأنها قرائن على الجملة، فأنت ترى كيف صارت الكثرة أحد مجموع هذه القرينة المقتضية للعلم عند سماع الخبر المتواتر.
وأما من سواه فإنهم تحزبوا أحزابا، فمذهب جماعة المحققين اعتبار ثلاثة شرائط:
- أحدهما: كون المخبرين كثرة.
- والثاني: كون المخبرين يخبرون عما علموه ضرورة، وقد عبر بعض الطائفة عن هذا الشرط الثاني، بأن قالوا: يجب أن يكونوا يخبرون عما علموه حسا، فأبدلنا قولنا: ضرورة بقولهم: حسا. وهذا متعقب عليهم، لأن المخبرين لو أخبروا عن خجل الخجل الذي علموه من قرائن الحال لوقع عن خبرهم [العلم]، إذ كانوا من الكثرة بحيث لا يتفقون على الكذب، وهذا العلم وإن استند إلى الحس على وجه ما، فمجرده المحسوس لا يكفي في وقوع العلم، لأن الحمرة إنما يدرك الحس ذاتها، وقد أخبرنا أن حمرة الخجل كحمرة الغضبان، يفرق بينهما بأمر يدق عن ضبطه بالعبارة، أو تحديده في الحس.
وإنما شرطنا أن يكونوا مخبرين عما علموه ضرورة، لأن المسلمين والنصارى واليهود يبلغون من الكثرة إلى ما يفوت الإحصاء والعد، ويخبرون عن حدث العالم، ولا يقع العلم الضروري بصدقهم في خبرهم، لما كانوا قد أسندوه إلى دليل، فكيف يكونون وهم لا يعلمون ما يخبرون عنه بالضرورة، وهم أصل في هذا الخبر، ثم من سمعهم، وهم كالفرع عنهم، يعلم صدقهم بالضرورة، فيصير الفرع أقوى من أصله، وهذا محال.
- والشرط الثالث: أن يستوي طرفا الخبر وواسطته، فإذا أخبرت الصحابة بظهور محمد ﷺ، وقع لمن سمعهم العلم الضروري بصدقهم لأنهم كثرة أخبروا عن مشاهدة، وهكذا إخبار العصر الثاني الذي سمع منهم، إلى العصر الثالث، إلى أن تنتهي الأعصار إلينا، فيعلم ضرورة صحة هذا الخبر.
فلو اتفق انحلال في أحد الأعصار الوسائط بيننا وبين الرسول ﵇، حتى لم يكونوا من الكثرة بحيث يوجب خبرهم العلم الضروري، لا يحل العلم الضروري لنا نحن لعدم الشرط في واسطة من هذه الوسائط، ولهذا قلنا: إن اليهود وإن كانوا من الكثرة بحيث لا يمكن اتفاقهم على الكذب، فإنهم وإن نظروا إلينا أن موسى ﷺ أخبرهم بتأبيد شريعتهم لا يقع العلم لنا بصدق ما قالوا، لأن الدخيلة دخلت على الكثرة من مبدأ الخبر، فإنه لم يكن عن كثرة. وقد قيل: إن ابن الراوندي لقنهم هذه الكذبة ليجادلوا بها المسلمين،
[ ٤٢٥ ]
ويقولون لهم: أنتم تدينون بصدق موسى ﷺ، وموسى الذي تصدقونه قد حذرنا منكم ومن دينكم. والدليل على أن خبر مؤتفك اختلف بعد ذهاب عصر النبي ﵇ أن هذا الخبر لو كان صحيحا لخصمت به اليهود محمدا ﷺ، ولقالت له: (ص ١٩٣) أنت تأمرنا بتصديق موسى وطاعته، وموسى قد أمرنا بتكذيبك ومنافرتك، فلا يمكن أن يكون هذا الخبر عندهم، ويعدلون عن محاجة النبي ﵇ به إلى ترهان يوردونها عليه، ومسائل يمتحنونه بها، مما لا حظ لها في أن تكون من قوى الشبه، فضلا عن أن تكون حجة يخصم بها ﷺ.
وهكذا اعتذارنا عن إطباق النصارى على أن عيسى قتل وصلب، فإنا لا نجد أنسنا مضطرة إلى العلم بصدقهم، وما ذلك إلا أن هذا الشرط الذي ذكرناه من استواه الطرفين والواسطة انحل عليهم، وتلقوه عن آحاد شبه عليهم.
وهكذا يقال للإمامية في نقلهم النص عن علي ﵁، فإنهم إن قالوا: إنا من الكثرة بحيث لا يصح منا التواطؤ على الكذب. قلنا لهم: إنما دخلت عليكم الدخيلة من مبتدأ الخبر، لأنكم لم تنقلوه كثرة عن كثرة حتى تتصل الكثرة بالنبي ﷺ، وأقل الكثرة منكم إنما تلقنته من آحاد، تعمد الكذب عليهم ممكن في العقول وفي العادة، فلهذا لم يقع العلم لنا بخبركم.
وقد أنكر أبو المعالي عد هذا شرطا فيما نحن فيه، وإن كان القول في نسه صحيحا، وذلك أنه رأى [أن أهل] كل عصر مستقلون بأنفسهم في خبرهم، والناقل عنهم إن كان من الكثرة بحيث لا يكذب فقد صدق فيما نقل، ويقع لنا العلم بصدقه، وإن كان أهل ذلك العصر آحادا لم يقع للسامعين العلم بصدقهم، فقد صار هذا الشرط منحصرا فيما تقدم من اشتراط الكثرة، وإنما يحسن أن يترجم عن هذا بأن يقال: هل يندرس ما تواتر أولا يندرس؟ وينظر هذا في باب القول على ما يندرس من أخبارا لتواتر، ويشيع من أخبار الآحاد. وقد كنا ذكرنا أن الكثرة أحد الشرائط الثلاث في وقوع العلم بالخبر المتواتر، فأما ضبط الكثرة من ناحية النهاية والآخر، فلا سبيل إليه، ولم يذهب إليه ذاهب، ومحال أن يتصور، لأنا لو قدرنا أن مائة ألف يقع العلم بخبرهم وهم نهاية من يقع العلم بخبرهم لاقتضى هذا أن مائتي ألف لا يقع العلم بخبرهم، فيصير زيادة الكثرة وتضاعف الأعداد في المخبرين ضعفا في الخبر، وهذا عكس المعلوم قطعا.
وأما ضبطهم بعدد ما [من] ناحية المبدأ والأول، فقد كثر اضطراب المتكلمين في هذه المسألة من سائر الطوائف، فنقلت في ذلك مذاهب، ولو سبق الأئمة لنقلها لاقتضى الحال الإضراب عن ذكرها، لإشعارها ببعد المذاهب إليها عن التحصيل.
فمن ذلك قول أبي عبد الرحمن صاحب العلاف: أقل ما يقع بخبره العلم خمسة
[ ٤٢٦ ]
مؤمنين أولياء الله معصومين، ولكن لابد أن ينضاف إليهم سادس من جملة الناس حتى لا يلتبس أمرهم ولا يتميز هؤلاء المعصومون للناس، وهذا نقله يغني من له أدنى فهم عن الاشتغال بنقضه. وإذا كان عند هذا الرجل لابد أن يكونوا معصومين، فما الحاجة مع العصمة إلى العدد، والعصمة في واحد بعينه تغنيه عن العدد، والرسول واحد، ولما كان معصوما عن الكذب لم يقف العلم بصدقه عن أن ينضاف إليه. وهب أنه تصور الحاجة إلى مضامة عدد، فما المقتضى كونهم خمسة؟ فإن مر في الاعتلال لكونهم خمسة على طريقة القاضي التي سنذكرها من أن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم. قيل له: القاضي لا يشترط العصمة، وسنتكلم على الذي أداه إلى ما قال حتى يعلم منه أنه هذا الرجل لم يسلك مسلكه. ومن ركيك ما نقل عن هذا الرجل أنه قال: أقل ما يقع بخبره خمسة إلى عشرين، ولا يمكن عاقل أن يتصور وجها إلى جعل العشرين نهاية دون أن يقال: إلى الثلاثين، أو إلى الأربعين، أو إلى الألف، والألفين، وقد قدمنا أن الكثرة لا يصح أن تنضبط بنهاية وآخر.
وهكذا اشتراط التباس الخمسة بدخول سادس معهم ليس منهم حتى يلتبس أمرهم لا تأثير له في ثبوت العلم أو نفيه، وإنما هذا قرع باب قوم آخرين من الإمامية الذاهبين إلى إمام معصوم لا يعلم متميزا بين الناس، أو قوم آخرين يرون إخفاء حال الولي وكونه في الأرض لا يعرف. وهذا كله لا معنى للتشاغل به، كما قدمناه.
وهذا ما ذهب إليه العلاف، وهشام القوصي من أن أول عدد يقع بهم العلم عشرون مؤمنون أولياء الله، تمسكا بقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين).
وهكذا من قال: أقلهم أربعون، لأنهم فيهم نزل قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، والآية نزلت لما (ص ١٩٤) كمل إسلام أربعين، وأيضا فإنه العدد الذي لا تقوم الجمعة بأقل منه على رأي من قال به من الفقهاء.
وهكذا مذهب من ذهب إلى أنه يجب أن يكون أقلهم ثلاثمائة وثلاثة عشر كعدد أهل بدر.
ومذهب من ذهب إلى أن عددهم ألف وسبعمائة كعدد أهل بيعة الرضوان.
[ ٤٢٧ ]
هذه لا يخفى عن خواص العوام بعدها عن التحصيل، وبعد هذه التشبيهات، وأي مناسبة بين عدد جنس اتفق للإمام اللقاء به في حرب ما وبين وقوع العلم بصدق الأخبار، وكم غزا النبي ﷺ من غزوة، وكم أسرى من سرية، أعداد جميع ذلك مخالف بعضه لبعض، وكل ذلك مبني على الحاجة والمصالحة والكفاية في الحرب، والدعاء إلى الجهاد، وتحصيل الأجر والغنائم، وهذا ليس من وقوع العلم بالأخبار في ورد ولا صدر.
وقد أدى قوما الإفراط إلى أن ذهبوا إلى أن أقلهم أن يكونوا بحيث لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد، وهذا إسراف، ونحن نعلم أن أهل مصر وبغداد إذا أخبروا عن شيء رأوه فإنه يقع للسامع العلم بخبرهم، وقد حواهم بلد ويمكن أن يحصروا بعدد، ولو جرينا إلى ما لوحوا به لقلنا به، ولو كانت مدائن كثيرة هي أكثر العالم لأمكن في العقول أن تعد، ولكن عند انتظام أمور يبعد في العادة اتفاقها.
وبالجملة هذا المعنى يلوح لأنه لا مناسبة بينه وبين وقوع العلم، اللهم إلا أن يشيروا بكونهم لا يحويهم بلد إلى أن أهل البلد الواحد يمكن تواطؤهم لتجاورهم ولقاء بعضهم بعضا، فهذا قد يكون من الأمور المناسبة لوقوع العلم، لكن نفرض عليهم حالة لا يمكن تواطؤ أهل بلد فيها، أو حالة يمكن تواطؤ أهل بلد عليها، حتى يبطل ما قالوه طردا وعكسا.
وأما الذاهبون إلى اشتراط كونهم مختلفي الأديان والآباء، أو الذاهبون إلى اشتراط كونهم مؤمنين، أو اليهود الذاهبون إلى اشتراط كون المخبرين أهل ذلة وصغار، أو الذاهبون إلى اشتراط ألا يكونوا محملوين على أن ينقلوا الخبر الذي أخبروا به فإن هذه شرائط جميعها ظاهر الفساد.
وأما اشتراط اليهود أن يكون الناقلون أهل ذلة وصغار وجزية فباطل فباطل، لأنا نراهم أن المسلمين ينقلون ما يعلم صدقهم فيه ضرورة، وكذلك من اشترط كونهم أهل أديان مختلفة يبطل ايضا بانفراد المسلمين بالنقل وهم أهل دين واحد. ويقال لليهود: كنتم في أول أمركم لستم في ذلة وصغار، فيجب أن لا يقع لكم العلم بنقل أسلافكم الذين لم يكونوا في ذلة وصغار، فدينكم وأعلام شرائعكم على هذا غير معلوم عندكم، وهذا لا جواب لهم عنه.
ويبطل اشتراط من اشترط كون الناقلين مؤمنين بأن يقع العلم بنقل سائر اليهود، أو سائر النصارى، لأمر ما شاهدوه، وهم ليسوا بمؤمنين.
وأما اشتراط من اشترط ألا يكونوا محملوين على نقل ما نقلوه فلا معنى له، وصاحب هذا المذهب أشار إلى حقيقة، ولكنه لم يضعها موضعها.
[ ٤٢٨ ]
قد كنا نحن قدمنا أن انتفاء التواطؤ والأسباب التي تحل محله شرط في وقوع العلم، ولكننا مع هذا لا نحيل أن يكون أمر عايشته الجماعة الكثيرة، ونقلوه عن أمر ننقله، وحمل على إشاعته يقع عند العلم، بل نقول، ولو لم يحملوا على نقله لنقوله إذا كانوا من الكثرة، والخبر في نفسه بحيث لا يمكن معه الكتمان، لو اتفق فيه الكتمان لهبة أو سبب ما لظهر الخبر عند زوال السبب فلا معنى لرد هذا شرطا في وقوع العلم، وإنما يكون الحمل والجبر سببا لاجتماع الكثرة على أمر لولاه لما اجتمعوا عليه، ومن تحسس إلى العادات، وتصور أحكام المشاهدات علم صحة ما نقلناه.
وأما القاضي فإنه قطع القول بأن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم أصلا، واعتمد في هذا على أنهم عدد الشهود في الزنا، وقد جاء الشرع بطلبه القاضي بشهادتهم أن يبحث عن عدالتهم، وأمر الشارع بهذا أمرا عاما في كل عصر ومصر، وما ذاك إلا لأنهم ممن لا يقع العلم بخبرهم، ولم يُر حاكم قط قد زعم أنه استغنى عن البحث عن العدالة فيهم، لأنه وقع له العلم بصدقهم، فصار هذا أيضا كعادة مطردة فيهم، كما اطردت العادة بأنا نسمع دعوى المدعين، ويسمع ذلك القاضي في مجلس حكومته، ولم يقع لأحد من القضاة أو غيرهم العلم بصدق دعوى مدع، وما ذاك إلا لاطراد العادة أيضا يكون خبر الواحد لا يقع [به] العلم. وقدم حجة عند هؤلاء على من صار إلى وقوع العلم بخبر الواحد على ما لا قدمناه، ولو كان الأربعة يقع العلم بخبرهم لكان (ص ١٩٥) إذا شهد أربعة بالزنا عند قاض فلم يقع له العلم، فإنه لا يقبل شهادتهم لعلمه أنهم كاذبون، أو فيهم كذبة، وهذا خلاف الإجماع.
وهذه عدمة يعتمدوها القاضي مرورا منه على أصله، إذ من أصله أن الكثرة الذين يقع بهم العلم لا يصح قبول حتى يقع بهم مرة، ومرة لا يقع.
وقد وافق القاضي أبو المعالي على القطع بأن الأربعة لا يقع العلم بخبرهم، ولكنه استشعف حجة القاضي بالشهادة على الزنا، وقال: إن الشرع إذن للقاضي في الاستظهار بطلب شهادة خامس، حتى يدخل الخامس في جملة البينات. ومقتضى هذا على اعتلال القاضي أن يقطع القول بأن الخمسة لا يقع العلم بخبرهم كما لا يقع بخبر الأربعة، لأجل إذن الشرع بإلحاق خامس بأربعة في حكم البينة، وهو لا يقول بذلك، بل تردد في الخمسة، هل يقع العلم بخبرهم أم لا.
[ ٤٢٩ ]
وقطع أبو المعالي القول بأنهم ليسوا بحد يقع العلم بخبرهم فلابد، لاطراد العادة في الخمسة والستة أنهم قد يكذبون، وعلى هذا عول في الأربعة أيضا، وتمسك في الجميع بالعادة.
ولما قطع القاضي القول بعدد ينتفي عن خبره وقوع العلم، وتردد فيما زاد عليه، ورأى أنه لا سبيل إلى تحديد أقل العدد الذين يقع بهم العلم، أراك طريقة تعلم منها تحديد هذا العلم الذي هو الأقل، فقال: يسمع السامع خبر الأربعة فلا يقع له العلم لأجل ما قدمناه، ثم يسمع خبرا آخر زائدا عليهم، ويحس ما يقع في نفسه ويرجع إلى عقله، فيحكمه، فما دام يرى في نفسه تخالج الشكوك في صدق الخبر، فإنه لا يثبت له ذلك العدد أول عدد التواتر، حتى إذا زالت الشكوك، وانحسمت مواد التردد والتجويز عن نفسه ووقع له العلم اتخذ ذلك العدد مذهبا له في أنه أقل عدد يقع به العلم، ولا يقول له أن يخبر عدد مثله مرة أخرى، ولا يقع العلم لأن الكثرة الذين يقع بهم العلم لا يصح أن يقع بهم مرة، ومرة أخرى لا يقع، ولو صح هذا لجوزنا أن يخبر أهل بغداد يوما ما عن خبر ما ولا يقع بخبرهم العلم، وهذا معلوم بطلانه من جهة العادة.
وأبو المعالي ينكر هذه الطريقة، ويشير إلى أنه قد يختلف حال العدد باختلاف أحوال المخبرين، وأحوال الخبر في نفسه، فلا يمكن اتخاذ هذا الذي قاله القاضي قانونا في معرفة حد أقل التواتر.
والمذهب الحق عندي في هذا أن الأمر لا ينضبط، ولكن العاقل إذا سمع خيرا فإن نفسه (إنما يغلب عليها التشوف إلى تجويز تعمد الكذب على المخبر لغرض ما له في الخبر)، يقوي ظنها بصدقه تارة عند انتقاء الأغراض الحاملة له على الكذب [و] ضعف الظن بإذا شك في انتقائها]، وإذا انتفت كلها قوي الظن، ويتوسط الأمر بحسب توسطها واختلاف أقدارها، ولهذا رد الشرع شهادة العدل فيما بدت فيه أغراض ظاهرة، كشهادة لولده، أوعلى عدوه، حتى إذا انتفت هذه الأغراض كلها، ودينه يمنع أن يتساهل في ركوب الآثام قبل شهادته الشرعُ، وإذا لم يكن له دين، قوي التجويز لكذبه، وضعف الظن فلم يقبله.
وهكذا حال الكثرة، فإذا انضاف إلى الواحد آخر، وجاءا معا، وكان معروفين عند السامع بالتطابق عن أهوائها، والتعاون على أغراضها، لم يجد في نفسه ذاك النهوض في الظن. ولو جاءا مفترقين حينا بعد حين، بحيث يكون الظاهر عند السامع أنهما لم يتلاقيا، وعرفهما بأنهما غير متطابقين، ولا يعرف بعضها بعضا، فإنه يجد في نفسه نهوضا في الظن
[ ٤٣٠ ]
بقصدهما، ويقوى الصدق في نفسه قوة ما بحسب ما ظهر له من إمكان تطابقهما على الخبر، قبل أن يراهما، أو بعد هذا الإمكان، ويجد في النفس تجويزا لاتفاقهما عليه غلطا، إن كان ذلك مما يمكن في العادة، أو اتفاقهما على غرض وإن كان لم يتطابقا عليه.
فإذا انضاف إليهما ثالث بعد في نفسه وقوعهم في غرض واحد على جهة الاتفاق، والتواطؤ أيضا لكونهم عنده متباعدين بعضهم عن بعض، فلا يزال هكذا ونفسه تنهض إلى التصديق، وتشوف النفس إلى الأسباب التي أشرنا إلى كونها داعية للكذب تضعف حتى يمحي آثاره من النفس، فلا تقبل عليه النفس و[لا] تنعطف إلا بعد أن تعطف كما تعطف عن أمورها الطبيعية، التي يحس الإنسان فيها بالكلفة، وهذا عندي هو العلم الاستدلالي الواقع بالاختيار.
ثم يتكاثر عليه المخبرون بتفاوت أزمان واختلاف قرائن أحوال [حتى] يقطع العقل بأول وهلة على (ص ١٩٦) انتفاء الأسباب الاتفاقية كلها، كما أشرنا إليها، فيقع العلم الضروري حينئذ. ولو حاول السامع لمثل هذه الأخبار أن يعطف نفسه إلى تجويز الكذب فيها، أو يقدر إمكان التفاق تلك الأسباب التي أشرنا إليها لوجد نفسه آبية عن ذلك، غالبة له عليه، حتى لا يمكن مدافعتها عنه، وهذا هو العلم الضروري الذي لا يمكن الشك فيه ولا الارتياب. وإليه أشار الجمهور في النظر في انتفاء هذه الأسباب، وحسم مواد تشوف النفس إليها، وقع إليها اختلاف المذاهب، فاشار كل قوم إلى حالة من هذه الأحوال التي فصلناها، ووقف عند الحال التي بني عليها ولم يتعدها، وآخر تعداها فبنى مذهبه عليها.
وأنت إذا علمت هذا علمت أن قد تبلغ الأعداد إلى أن يمكن أن يقع العلم الضروري بخبرهم مرة، ومرة أخرى لا يقع، وعلمت أن من الكثرة ما يمكن أن يقع بخبرهم العلم مرة، ومرة لا يقع، وذلك أن [من] الأسباب التي أشرت إليها ما يقطع بأنه لا يجوز على مقدار من الكثرة قد تبلغ إلى حد عظيم من الانتشار والافتراق في الأزمان والأغراض والأسباب التي أشرنا إليها. ومنها ما يجوز على مقدار ما من الكثرة حتى تبقى النفس متشوقة إلى النظر في ارتفاع تلك الأسباب والأغراض تارة، وتنحسم عنها مواد التشوف أخرى.
هذا هو المسلك الحق في هذا الباب، وإليه ترجع المحققات من المذاهب التي نقلناها فيه. وأبو المعالي وإن كان أشار إلى اتخاذ هذا الأسلوب مذهبا له وطريقة، فإنما أضفناه إلينا ونسبناه إلى اختيارنا، لأنه كان مذهبا لنا مشهورا قبل أن نقف على كتابه هذا.
[ ٤٣١ ]
وإذا علمت ما أخبرناك به من طريقة القاضي التي يطلب بها ضبط العدد الذي هو أقل ما يقع به العلم، فإنه يقطع على أن الأربعة لا يقع بهم العلم كما قدمناه، وإذا وقع له العلم بخمسة قطع على أصله أنه أول العدد، وإن سمع خبر ستة فوقع له العلم لم يقطع على أنهم أول العدد لجواز أن يكون لو سمع خمسة لوقع له العلم، وإذا انتفى وقوع العلم على عدد لم يقض بأنهم ليسوا بأقل العدد، لجواز أن يكون العلم إنما لم يقع لكونهم فيهم كذبة، أو كلهم كاذبون.
فقد تحصل من مذهبه أن وقوع العلم يصح أن يجعله معتبرا لإثبات هذا العدد الذي هو الأقل، ونفي العلم لا يجعله معتبرا لنفي كونه الأقل، لأن من شروط الخبر أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، وقد يكون في هؤلاء كذبة. فإن كانوا من القلة بحيث يمكن أن يتواطؤوا على الكذب جوز أن يكون جميعهم كذبة، وإن كانوا من الكثرة بحيث لا يمكن هذا منهم، جوز أن تكون طائفة منهم يمكن أن تتواطأ على الكذب كذبت، وتبقى الطائفة الأخرى صادقة، ولكنها مقصرة عن أقل عدد التواتر، فلهذا لم يقع العلم. فاضبط مذهبه في اتخاذه وقوع العلم علما، وفي إضرابه عن اتخاذ انتفاء العلم علما.
وأما نحن فقد قدمنا طريقتنا التي نعرف بها الحق في هذا وفي غيره، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما.