اعلم أن الكلام فيه من وجهين:
- أحدهما: النظر في تناوله ما بقي من مضمونه، هل هي فيه حقيقة أو مجاز.
- والثاني: النظر في العمل به وتلقي الأحكام منه.
[ ٣٠١ ]
فأما الوجه الأول فإن العموم إذا خرج منه بعض مسمياته بالتخصيص، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يخرج مسمياته حتى لا يبقى منه إلا واحد، أو يخرج منه مسمياته بالتخصيص حتى يبقى منه أقل الجمع - على القولين في أقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة ـ
فأما إن خرجت مسمياته بالتخصيص حتى لا يبقى منه إلا واحد، فالمعروف من مذهب سائر المتكلمين في هذا الفن أن اللفظ يتناول ذلك الواحد الباقي على جهة المجاز، إذا كان اللفظ العام صيغة من صيغ الجموع، لأجل أن الجمع في أصل وضع اللغة لا يعبر به عن الواحد، فإذا صار هاهنا عبارة عن واحد صار مجازا.
وقد حكى القاضي ابن الطيب الاتفاق على هذا، ولكن أبا حامد الإسفراييني خالف فيه، وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، احتجاجا منه بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وبقوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون)، فأخبر عن نفسه تعالى بلفظ الجمع، وهذا منصوص لأهل اللسان في هذا المعنى المشعر بالتعظيم خاصة، فلا يجري هذا في حقائق الجموع.
وأما إن خص العموم حتى بقي منه أقل الجمع، فهل يبقى في تناوله لأقل الجمع فما زاد عليه على الحقيقة أم لا؟ هذا مما اختلف الناس فيه:
فقال قوم: إنه يبقى في تناوله لما سوى المخصص على الحقيقة.
وذهب إليه جماعة من طوائف الفقهاء، وقال قوم: بل يبقى في تناوله إياه مجاز، ذهب إليه القاضي ابن الطيب في أحد قوليه، وبه قال مشاهير المعتزلة.
وذهب قوم إلى أنه يبقى على الحقيقة إن كان التخصيص بدليل متصل كالاستثناء والشرط، وإن كان خص بدليل منفصل بقي مجازا، وإلى هذا رجع القاضي ابن الطيب، وقال به الكرخي وغيره.
واختار أبو المعالي أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز، فمن حيث رفع اللفظ عن بعض مسمياته يتصور المجاز، ومن حيث أبقاه على بعض مسمياته يتصور الحقيقة.
وبسبب هذا الاختلاف أنك قد علمت أن معنى الحقيقة استعمال اللفظة فيما وضعت [في] الأصل له، ألا ترى قولهم: حمارا لهذا الحيوان النهاق، فإنه لفظة حقيقة مستعملة في أصل ما وضعت له، وإذا قالوا للرجل البليد حمار، فإنه مجاز منقول عن أصل ما وضع له في اللغة وهو الحيوان النهاق. والمجاز هو المنقول عن أصل وضعه، وقد حصل هاهنا نقل
[ ٣٠٢ ]
الاسم بالكلية، فاتضح كونه مجازا، كما اتضح كونه حقيقة في الحمار النهاق لإبقائه على أصل وضعه بالكلية.
فإذا قال تعالى: (فاقتلوا المشركين)، ثم قال ﷺ بعد هذا بحين: "لا تقتلوا الرهبان"، فإن هذا كالإخبار منه على أن مراد الله سبحانه بهذا بعض المشركين لا كلهم، وقد علم أن قولنا "المشركين" موضوع في أصل اللغة للدلالة على استيعاب كل مشرك، فإذا علم ان المراد باللفظة بعضهم، فقد تكلم بها على غير ما وضعت له في الأصل في اللغة، فكانت مجازا على ما قررناه في حقيقة المجاز والحقيقة، بالالتفات إلى هذه الجهة والنظر إلى هذا الجانب، وهو جانب رفع الاسم عن بعض مسمياته. تصور هؤلاء أن الصيغة تبقى فيما تناولته على جهة المجاز.
ومن نظر إلى الجانب الآخر وهو إبقاؤها على بعض مسمياتها، وقد علم أن تناولها لهذه المسميات التي أبقيت عليها حقيقة لو لم يرد تخصيص أصلا، وكذلك إذا ورد، لأن تناول (ص ١٢٨) اللفظ إياها لم يتغير، وإنما وقع التغير في القدر الذي خصص.
وهذا عندي يقوي طريقة من يقول: إن العموم على الاستيعاب دلالة الظواهر، فكأنه موضوع للخصوص والعموم، ولكنه في العموم أظهر، فيتضح على المذهب طريقة هؤلاء، كما قد تتضح طريقة الأولين، على من قال: إنه يدل على الاستيعاب دلالة النصوص، لأن هؤلاء يرونه غير محتمل للخصوص بحكم صيغته.
ولأجل الالتفات لهذين الجانبين الذي ينشأ من النظر فيه اختلاف هذين المذهبين، صار أبو المعالي إلى دعوى الاشتراك وإثبات الحقيقة من جانب والمجاز من جانب، فرأى أن القدر المزال وقع به التجوز، والقدر المبقى لم يتغير عن حقيقته في نفسه.
وقد رد عليه ما ذهب إليه، فإن اللفظة واحدة [ليس] لها جهتان في الحقيقة والمجازية، لأنا قلنا: إن معنى الحقيقة استعمالها فيما وضعت في الأصل له، ومعنى المجازية استعمالها فيما لم توضع في الأصل له. فلابد أن يحكم لهذه اللفظة في استعمالها في بعض مسمياتها، فإنها مستعملة استعمالا على أصل الوضع، أو استعمالا على غير أصل الوضع، وليس بين هذا النفي والإثبات مرتبة أخرى يذهب إليه على الحقيقة، والمجاز إنما يتصور في الكلام والنطق، وأما العدم وما لم ينطق به فلا يتصور فيه حقيقة ولا مجاز، وما لم ير من المسميات فحكه حكم العدم، ومحصوله أنه لم ينطق به ولا أراده المتكلم، والنفي والعدم لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز، وهذا واضح.
[ ٣٠٣ ]
وأما المفرقون بين التخصيص المتصل والتخصيص المنفصل، فإنهم يلتفتون إلى ما كنا أشرنا إليه في باب الاستثناء، حيث قلنا: إن الاستثناء كجزء من الكلام، والاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة، وكأن الاستثناء بعض أجزاء هذه الكلمة، فقولهم: عشرة إلا واحد، هو قوله: تسعة، وكأن مجموع اللفظتين: الاستثناء والمستثنى منه وضع في أصل الوضع لإفادة هذه الجملة التي هي التسعة، كما وضعت التسعة لإفادتها، والاستثناء كالسين من التسعة أو العين منها، وهذا يقتضي أن التخصيص بالاستثناء لم يغير حكم الصيغة، وإذا لم يغيرها فهي حقيقة. والشرط المتصل بالكلام يتصور فيه ما صورناه في الاستثناء، فهذا سبب اختلاف هذه المذاهب.
وأما الوجه الثاني وهو العمل ببقية ما اشتمله العموم والاستدلال بالعموم المخصص فيا بقي لم يرد فيه تخصيص، فإن كان من زعم أن التخصيص لا يخرج الصيغة عن حقيقتها إما مذهبا مطلقا، أو على ذلك التقييد الذي قيدناه، فإنهم يرون التمسك بالعموم واجبا، والاستدلال به في بقية المسميات صحيح.
وأما الصائرون إلى حمله على المجاز في بقية المسميات فهم مختلفون في الاستدلال به، فالمعتزلة تمنع منه، ويرونه بالتخصيص صار مجازا ولحق بالمجملات، لأجل هذا التغيير الذي دخله، لأن اللفظة لم تستعمل على أصل وضعها، ولم يرد بها ما وضعت له، وقد دل الدليل على انها لم يقصد المتكلم بها ما وضعت له، وغيره مما لو تضع لم يقم عليه دليل يوجب إلحاقها بالمجملات التي لا يعلم المراد بها ولا يستدل بها، وإن كان مجازا.
ومن تتبع استدلال الصحابة ﵃ على بعضهم بعضا في الفقهيات ألفاهم يستدلون بعمومات قد خصت، ووجد من ذلك ما لا يحصى كثرة، كاستدلال فاطمة ﵂ بقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، وقد علم أن هذا العموم خص بأن قاتل العمد، والعبد لا يرثان، ولم ينكر عليها الاستدلال بالآية، وإنما أجيبت بتخصيص آخر، وهو أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون، إلى غير ذلك مما اشتهر ولا يخفى عن باحث عنه. وكذلك من بعدهم من العلماء. وعموم لم يخصص عزيز وجوده في الشرع، والذهاب على أنه لا يستدل بالعموم إذا خص تعطيل لجل أدلة الشريعة، وهذا واضح.
وفي هذا كفاية في ذكر الخلاف في هذا الباب وموقع الخلاف، وسبب الخلاف، ووجوب العمل، فكل وحد من هذه الأركان قد ذكرنا فيه لباب ما يقال فيه، والله ولي التوفيق.
[ ٣٠٤ ]