الإجمال يقع على وجهين: بمعنى الضم والجمع، وبمعنى الإبهام والإشكال. فأما بمعنى الضم والجمع فكقولك: أجملت الحساب إذا جمعت آحاده، العموم على هذا المعنى مجمل لكونه شمل الآحاد، والمقصود في هذا الباب المعنى الآخر، وهو الإجمال الذي بمعنى الإشكال والإبهام، ومنه قوله: ليل بهيم، وكمي مبهم، بمعنى أن متبرقع مختلف على أن يعرف ببرقعه وسلاحه.
فالمجمل من الألفاظ ما لا يعلم المراد منه على حال، وإلى هذا المعنى أشار الحادون له، فقالوا: هو ما لا يعقل معناه من جهة لفظه، ويفتقر إلى أن يبين بغيره، إلى غير ذلك من حدودهم المشار بها إلى هذا المعنى.
وقد تعرض أبو المعالي إلى تقاسيم المجمل من ناحية ليس هي مطلوب الأصوليين، وإنما هي كتقاسيم التحاسين، فذكر أن الإجمال يعرض في الحكم والمحل، كقولك لزيد: في بعض مالي حق، الحكم هو الحق وهو مجهول لم يذكر جنسه ولا مقداره، والمحل بعض المال، وبعض المال أيضا لم ينوع ولا قدر، فصار الحكم والمحل مجهولين.
وقد يعرض الإجمال في الحكم دون المحل كقوله تعالى: (وأتوا حقه يوم حصاده)، فالحق وهو الحكم مجهول المقدار والجنس، والمحل معلوم وهو يوم الحصاد.
وقد يكون بالعكس فيجعل المحل ويبين الحكم، كالقائل: إحدى نسائي طالق، فإن الطلاق حكم معلوم، ومحله من زوجاته مجهول.
وقد يعرض الإجمال في الحكم والمحكوم له، دون المحكوم عليه، كقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)، فالمقتول مفهوم معناه، والولي الذي له الحق لم يعين ولم يبين من هو، وكذلك أيضا لم يبين الحق الذي لهذا الولي، وإنما قال: (جعلنا
[ ٣٠٨ ]
لوليه سلطانا)، ولم يبين هذا السلطان ما المراد به.
وذكر أن الإجمال ينسحب على الكلام من جهة إجمال في الاستثناء المتصل به كقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)، فلو تركنا وقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) لاستبنا من هذا الكلام إباحة كل بهيمة من الأنعام، لكنه لما استثنى من التحليل ما يتلى علينا وهو مجهول، عاد بالجهالة فيما استثنى منه وهو المحلل.
وهذا الذي قال صحيح، وذكر غيره من الأصوليين، ولكن بشرط أن يكون المراد بقوله: (إلا ما يتلى عليكم) الإشارة إلى التوقف عن الاستباحة حتى يسمع ما يرد من بيان المراد بها العموم، أو يكون المراد: إلا ما يتلى عليكم من المحرمات، والسامع لم يحط بها علما، فيكون هذا الخطاب مجملا في حقه، إلا أن يحيط علما بجميع ما تُلي علينا من المحرمات. وأما لو أراد: إلا ما سنبيحه، فإن هذا لا يعود بالإجمال.
(ص ١٣١) وذكر أبو المعالي من وجوه الإجمال أيضا أن يكون اللفظ معلوما بالعقول تخصيصه على الجملة، وإن كان لا يوقف على تفصيل التخصيص إلا بعد فكرة وسبر أدلة، فهو مجمل حتى يحاط علما من ناحية العقول ما المراد به، وهذا كنحو ما قلناه في قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم)، إذا كان المراد به: إلا ما تلي عليكم، ونحن لم نحط به الآن علما، وسنحيط به إذا بحثنا عنه.
فهذه التقاسيم التي أوردها أبو المعالي، وأما التقاسيم التي هي أشبه بعلم الأصول فهي:
أن الإجمال يعرض من ناحية عدم التعيين أصلا كقوله: (وأتوا حقه يوم حصاده)، فإن هذا الحق لم يعين على حال ولا يحاط بمحتملاته، ومنه قوله ﵇: "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" الحديث.
وقد يعرض في معين ولكن يقع في تعيينه تردد كقوله تعالى: (ثلاثة قروءٍ)، فإن القرء معلوم أن المراد به إما الحيض وإما الطهر، فقد تعين المراد، ولكن مترددا.
ومنه ما ذكر أبو المعالي من اكتساب اللفظ المبين إجماله من لواحقه وعد من ذلك ما ذكرناه من قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم)، وقد ذكرنا ما فيه.
ويلحق بهذا القسم قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) [هل هو] عموم أو
[ ٣٠٩ ]
مجمل. واختلف القائلون في تعميه؛ هل هو عموم يحتج بإطلاقه على جوار كل بيع حتى يطالب من الفقهاء من خالف في بيع من البيوع فقال بفساده بأن يقيم الدليل على أنه فاسد غير حلال، أو يكون من العموم الذي لا يقبل التخصيص، لأجل أن كل بيع حرام فاسد لا ينطلق عليه تسمية البيع، لأجل أن البيع في اللغة: نقل الملك بعوض، فإذا قال صاحب الشرع: لا ينتقل الملك بهذا العقد، فإذن ارتفعت عنه التسمية، لأن الحكم مناط بالتسمية ومعلق بها، فإذا سلب الشرع الحكم وهو انتقال الملك، استلبت التسمية التي هي موضوعة لحقيقة هذا الحكم، فكل بيع حرام إذا لم يسم بيعا، لأجل ما قلناه، فإنه لا يدخل في عموم قوله: (وأحل الله البيع)، فإذا لم يدخل في هذا العموم بقي اللفظ على تعميمه لم يخص منه شيء.
ومن الناس من صار إلى أنه مجمل، واختلف هؤلاء في سبب إجماله، فمنهم من ذهب إلى أن سبب إجماله كون الشرع قد قرر شروطا اشترطها في جواز البياعات، مثل ألا تكون وقت الجمعة، وأن يكون لا غرر فيها، إلى غير ذلك من شرائطه المعلومة عند الفقهاء.
والتخصيص إذ آل إلى أن لا يتعلق بالاسم حتى تنضاف إليه شروط، فإن العموم لا ينتقل بذلك إلى الإجمال، لكون كل بيع قد علم أنه لا يجوز بمجرد تسميته بيعا، حتى ينضاف إلى التسمية شروط، وهكذا قوله تعالى: (والسارق والسارقة)، فإنه قرر الشرع في قطع كل سارق شروطا، منها الحرز، والنصاب، وغير ذلك مما يعرفه الفقهاء، فصار التعلق بمجرد تسمية السارق سارقا لا يغني حتى تعتبر شروط تنضاف إليه.
وقال قوم آخرون: بل سبب الإجمال ما ألحق بها [من] قوله تعالى: (وحرم الربا)، فصار هذا الإلحاق كالاستثناء اللاحق بالكلام، وهذا الإلحاق كسب الكلام الأول إجمالا، لأن لا بيع إلا وفيه زيادة، وقد قال: إن الربا حرام، والربا زيادة، وليست كل زيادة حراما، فصار اعتبار ما يحل من الزيادات وما يحرم يسري إلى اعتبار ما يجوز من البيع وما لا يجوز، لأجل كون كل بيع يقدر فيه زيادة.
ومن هؤلاء من أشار إلى الربا فيه إجمال من جهة أخرى، فعاد إجماله بإجمال ما قبله. ولعلنا أن نبسط هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله.
وذكر أبو المعالي تردد الشافعي في هذه الآية، هل هي عموم أو مجمل، واختار من قولي الشافعي كونها غير مجملة في كل بيع لا زيادة فيه، بل هي عموم في هذا النوع من
[ ٣١٠ ]
البياعات، وكونها مجملة في كل بيع فيه زيادة، لأجل ما تعارض هاهنا في حكم الزيادة من جهة قوله: (وأحل الله البيع)، ومن جهة قوله: (وحرم الربا).
وقد يعرض الإجمال من ناحية تعلق الحكم بالأعيان المعلوم أنها لا تدخل تحت قُدرنا كقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم)، وكقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام)، ومعلوم أن نفس بهيمة الأنعام، ونفس الأم لا يوصفان بتحليل أو تحريم، لأنا لا قدرة لنا على ذواتها، وإنما لنا قدرة على التصرف فيها، والتكليف إنما يتعلق بمقدور عليه. وقد اختلف الأصوليون في هذا، فرآه بعضهم مجملا لأجل العلم بأن نفس ما يتناوله اللفظ من الأم والبهيمة غير مراد، وأن المراد غيره، وهذا (ص ١٣٢) الغير مراد غير منطوق به، وما لم ينطق به لا يعرف.
وقال آخرون: ليس هذا بمجمل، لأن عرف التخاطب أغنى عن النطق، وقد علم أن المراد بقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) وطء أمهاتكم، وبقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي أكل بهيمة الأنعام والانتفاع بها، فصار المحذوف هاهنا كالمنطوق به، لما فهم من جهة العرف.
ومما ينخرط في هذا السلك وقد اختلف فيه الأصوليون قوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى)، ومعلوم مماثلة الذكر الأنثى في الإنسانية وغير ذلك مما علم ضرورة مساواة الذكر فيه للأنثى، فعرف أن المراد أن الذكر ليس كالأنثى في بعض الأحكام، وهذا البعض غير منطوق به، فصار مجملا من هذه الجهة. وقال آخرون: بل هذا على العموم حتى يخص ما يخص من الأحكام بدليل.
وثمرة هذا النزاع احتجاج قوم من الفقهاء على أن المرأة لا تكون قاضيًا فيما تشهد فيه، ولا تؤم في الصلاة، ولا تلزمها الجمعة بهذه الآية، لأن هذه الأحكام تلزم [الذكور] فلا تلزم الإناث، ولا تصح منهن حتى تكون الأنثى غير مساوية للذكر، كما قال الله تعالى، وهكذا قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، إذا تعلق به من قال: لا يقتل المسلم بالكافر.
هكذا أيضا تنازع الأصوليون في إجراء الخطاب على ما ليس بمقصود فيه، وإن كان بحكم العموم داخلا في اللفظ، هل يحتج به من ناحية شمول اللفظ له، أو لا يحتج به من ناحية عدم القصد إليه، وهذا كعمومات وردت مورد المدح كقوله تعالى: (لفروجهم حافظون* إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فهل يحتج بهذه الآية على جواز وطء
[ ٣١١ ]
الأختين بملك اليمين، لكون هذا اللفظ شاملا لهما، أو لا يحتج بذلك؟ لأن القصد مدحة من حفظ فرجه، لا بيان ما يحل وما يحرم.
وهكذا ما ورد مورد الذم، كقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية، هل يحتج بها في زكاة أموال من الذهب والفضة اختلف في زكاتها لأجل دخولها في هذا العموم أو لا يحتج بذلك؟ لأن القصد ذم من منع حق الله، لا بيان ما يجب فيه حق الله سبحانه مما لا يجب.
وهكذا تنازع الأصوليون في تعليق الحكم بأسماء الأجناس كقوله ﵇: "في الرقة ربع العشر"، هل يحتج به في مقادير اختلف في زكاتها أم لا؟ فمن احتج به تعلق بعموم اللفظ، ومن منع الحجة به تعلق بأن القصد ذكر الجنس المتعلق به الحكم، لا تفاصيل الحكم، ونحن نبسط ما اقتضاه من هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله.
وقد يعرض الإجمال من ناحية تعارف الشرع على أسماء كالصلاة والصوم والحج، فإن هذه أسماء زعم بعض الأصوليين أنها مجملة لا يحتج بها، لأجل أن المراد بها في الشرع غير المراد بها في اللغة، ألا ترى أن الصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: ركوع وسجود وما ينضاف إليها، فقد صار المراد بذلك غير ما أرادته العرب، وهذا الغير معلوم بوضع اللسان، فافتقر العلم به إلى بيان من غير لفظه، فهو مجمل. وهذا المذهب يقوي على طريقة من يقول: إن الشرع نقل هذه الأسماء.
وقال آخرون: ليس هذا بمجمل، بل يحتج به على إيجاب كل دعاء، إلا ما خرج بدليل، ولهذا حسن عند هؤلاء الاحتجاج على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة كما قال الشافعي وبان المواز من أصحابنا بقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)، والصلاة عليه ﷺ دعاء، فدخلت في هذا العموم، وهذا أيضا يحسن على طريقة من قال: إن الشرع لم ينقل هذه الأسماء، وقد تقدم بياننا لما علم [من] الشرع في هذه الأسماء بما فيه كفاية.
وقد يعرض الإجمال من نفي الذات الثابتة كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فزعم قوم أن ذلك مجمل، واختلف هؤلاء في سبب إجماله، وقد تكلمنا على جملة ما قيل فيه، وتفصيل المذاهب المنقولة فيه في باب أفردناه له فيما تقدم، فلا معنى لإعادته.
وقد يعرض الإجمال في الأفعال كما روي "أنه ﵇ قصر في السفر"، ولم يذكر هل
[ ٣١٢ ]
هو سفر قصير أم طويل، فصار من جهة التردد بين وقوعه على وجهين مختلفين كاللفظ المتردد بين معنيين كما قلناه، وتمثلنا به في قوله تعالى: (ثلاثة قروء).
وألحق بهذا قضاياه ﷺ وأجوبته على أسولة مجملة لمن قال له: أفطرت في رمضان: "أعتق رقبة" ولم يذكر السائل إفطاره يجامع أو يأكل، فأطلق ﵇ الجواب من غير استفسار. ويحتمل أن يكون السائل سأل عن إفطار بجماع، ويحتمل أن يكون سأل عن إفطار بأكل، فمن جهة (ص ١٣٣) هذا التردد وقع الإجمال، وقد أفردنا لهذا بابا فيما قبل يغني عن إعادته هاهنا.
فهذه ثمانية يعرض بسببها الإجمال، ويلحق الكلام الإشكال، وبيانها أهم وتعدادها أولى من تعداد الأقسام التي ذكرها أبو المعالي.