الكلام في هذا الفصل من أربعة أوجه:
- أحدها: الكلام على معنى هاتين اللفظتين في اللغة.
- والثاني: على معناهما عند المفسرين.
- والثالث: على سبب اختلاف المفسرين لهما.
- والرابع: هل يعلم الراسخون في العلم المتشابه أم لا؟
فأما حقيقة المحكم في اللغة فإنه السديد النظم المفيد فائدة صحيحة، ألا تراهم يقولون: بناء محكم، وصيغة محكمة، بمعنى حسن الترتيب والنظام، وعدم التثبج والتخليط، فكذلك الكلام الحسن النظام لفظا ومعنى، ويوصف بأنه محكم.
والمتشابه يكون في اللغة بمعنى المتماثل، ولا فرق بين قولنا: هذا البياض مثل هذا البياض، وقولنا: هذا البياض يشبه هذا البياض. ويكون المتشابه في اللغة أيضا بمعنى الملتبس المشكل، وربما كان هذا المعنى الثاني مأخوذا من الأول، لأن المشكل فيه ضرب من التشابه والتماثل، ألا ترى أن من رأى شخصا فقدره رجلا يعرفه، فإذا به آخر غيره، يقول: اشتبه علي، ومعناه: ماثل من كنت أعتقد، وهكذا في المذاهب كلها، معنى قول الفقيه: اشتبه علي حكم هذه المسألة، بمعنى أن جواببين تقابلا في نفسه، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فصار كالمثلين من ناحية استوائهما عنده.
[ ٣١٣ ]
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في تفسير قوله تعالى: (منه آياتٌ محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، فالمنقول في هذا تسعة أقوال:
- أحدها: ما ذهب إليه عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، من أن المحكم وعيد أهل الكبائر، والمتشابه وعيد أهل الصغائر.
- وقال الأصم: المحكم نعوت النبي ﷺ في الكتب السالفة كالتوارة والإنجيل، والمتشابه: نعته في القرآن.
- وقال غير هؤلاء المبتدعين: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ.
- وقال بعضهم: بل المتشابه الحروف المقطعة المذكورة في القرآن على أربعة عشر نوعا كـ "ألم، والمص، والر، والمر، إلى بقية فواتح السور بأمثال هذه الحروف.
- وقال: المحكم: الأحكام من الحلال والحرام، والمتشابه: القصص والأمثال.
- وقال بعضهم: المحكم: [ما يؤخذ معناه بإجرائه على ظاهره]، والمتشابه: ما عسر إجراؤه على ظاهره، كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى).
- وقال بعضهم: المحكم: ما عرف معناه، والمتشابه: هو المجمل، وقد تقدم بيانه، وأنه ما لا يعرف معناه وهذا الذي ذهب إليه القاضي ابن الطيب، ونصره أبو المعالي، وربما كان هذا المذهب راجعا إلى هذا الذي قبله، وهو قول من قال: المتشابه: ما عسر إجراؤه على ظاهره، لأنه إذا دل الدليل على فساد مذهب من ذهب إلى معنى: (الرحمن على العرش استوى)، أي استقر، ومذهب من سلك في استقراره صار لمراد به معنى آخر، وهذا المعنى الآخر غير منطوق به ولا معلوم، فصار من هذه الجهة مجملا، على حسب ما قدمنا في باب المجمل، وذكرنا مذهب بعض الناس في أحد أنواعه.
- وقال أبو إسحاق الزجاج: المتشابه أمر الساعة وميقاتها، لأن الكفرة كانت تكثر سؤال النبي ﵇ عنها، وقد قال تعالى: (يسألونك كأنك حفى عنها).
والتأويل تفعيل من آل يؤول، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله)، فأشار بتأويله إلى مآله، وهو يوم القيامة.
وقال بعضهم: المتشابه: ما لا يعلم تأويله إلا الله، ولا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا قد يرجع إلى أن المتشابه هو المجمل على حسب ما حكيناه عن القاضي ومن تبعه.
[ ٣١٤ ]
ولكن إنما يبقى النظر في أمر آخر، وهو هل يقدر في القرآن مجمل لا يعرف معناه إلى الآن؟ وهذا قد قال بعض الناس: إنه لا يمكن، لأن الله تعالى أخبر بأنه أكمل الدين، فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم)، ولأن تجويز هذا يطرق إلى خرم الثقة بالقرآن، وقال بعضهم: بل هذا ممكن.
وما أرى هؤلاء المختلفين اختلفوا إلا فيما لا يتعلق به أحكام تكليف، وأما ما يتعلق به التكليف والتعبد فلا يصح أن يقال ذلك فيه، لأنه ذهاب إلى تكليف ما لا يطاق، لكن ما لا يتعلق به تكليف ولا تعبد، لا مانع يمنع من تجويزه، وإلى هذا التفصيل ذهب أبو المعالي فجوز ذلك فيما لا تكليف (ص ١٣٤)، فيه ومنعه فيما فيه التكليف.
وأما سبب الاختلاف فمعروض على ما قدمناه من حقيقة المحكم والمتشابه في اللغة، وقد قلنا: إن المتشابه هو المشكل، وما قاله الزجاج لا شك في إشكاله، وكذلك ما قاله القاضي، وكذلك المذهب الآخر الذي ذكرنا أنه يضاهي مذهب القاضي، وكذلك مذهب عمرو بن عبيد، فإنه يقدر فيه الإشكال في الوعيد على الصغار دون الوعيد على الكبائر، وكذلك ما قال الاصم، وكذلك من قال: إن المتشابه الحروف المقطعة يقدر المراد بها مشكلا.
وأما من قال: المتشابه المنسوخ، فلأجل التعارف على قولهم: آية محكمة بمعنى أنها غير منسوخة، وأما من يقول: المحكم الإحكام، فكأنه أخذ اللفظة من اللفظة.
والأصح أن كل ما تصور فيه التباس وإشكال من هذه المذاهب فهو من المتشابه، وإنما يبقى هل ما تصوره صاحب المذهب من الإشكال ثابت أم لا؟
وأما معرفة الراسخون في العلم بالمتشابه، فهو نحو من هذا الذي فرغنا منه، ولكن قد اشتهر اختلاف الناس في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون أمنا به)، هل الواو هاهنا واو ابتداء، والوقف على قوله: (إلا الله)، و(الراسخون في العلم) مبتدأ، وهم لا يعلمون المتشابهه، أو الواو هاهنا عاطفة و(الراسخون في العلم) يعلمون المتشابه، ويقولون بمعنى: قائلين المنتصبة على الحال.
وهذا مشكل عندي، والمذهبان لا يكادان يقوم دليل يقتضى القطع على أحدهما، ويكاد أن يكون الكلام على كون الراسخين في العلم يعلمون المتشابه من المتشابه، ولكن مع هذا الأظهر عندي من سياق الآية أنهم لا يعلمونه، ألا تراه سبحانه قال: (فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، والراسخ في [العلمي لا يعلم شيئا
[ ٣١٥ ]
من هذا، حتى يتبع هذا المتشابه اتباع ناظر فيه، ويبتغي تأويله ابتغاء متطلب العلم به، وقد ذم الباري تعالى مبتغيه ذما مطلقا. وأيضًا فبعيد هذا الذي صدر به ذكر الراسخين في العلم إخباره تعالى عنهم أنهم: (يقولون أمنا به كل من عند ربنا) وفي قلوبهم [زيغ]. (كل من عند ربنا) إشارة منهم إلى تفاوت هذا عندهم، وأن اليقين بصدق الله ورسوله أدى إلى التسليم والإذعان والتصديق بما لا يعرف، وفي مثل هذا المعنى يحسن مثل هذا القول، ويكون فيه إشارة إلى معنى يقتضي إيراده.
وأما إذا كان المتشابه يعلمه الراسخون كما يعلمون المحكم، فالجميع عندهم واحد، ويرتفع هذا المعنى المشار إليه بمثل هذا اللفظ الذي إنما يستعمل غالبا فيما قلناه. هذا الأغلب على ظني من هذا، استنبطه من السياق المتقدم على هذه الجملة، والمتأخر عنها.