النهي يرد جزما، وتخييرا، على حسب ما تقدم بيانه في الأوامر، والتخيير فيه ضدين لا ثالث لهما، يصح إذا ورد بمعنى ملازمة المكلف أحد الضدين الذي اختاره وآثره على نقيضه، مثل أن يقول: أنهاك عن الحركة أو السكون، اجتنب أيهما يثبت، ودم على اجتنابه دواما مطلقا، أو إلى حين، لأنه في سعة ألا يدوم على أحدهما، فصار التكليف متوجها إلى حالة يمكن اكتسابها أو اكتساب نقيضها من معاقبة الضد بالضد، بخلاف تصوير هذا في التخيير بين ضدين يجتنب أحدهما في حالة واحدة.
وقد منع بعض الناس التخيير بين مذهبين، وزعم بعض هؤلاء أن اللغة لم ترد بذلك، ألا ترى أن قوله سحبانه: (ولا تطع منهم أثمًا أو كفورا) محمول على أنه نهي عن طاعة الآثم والكفور جميعا، وهذا لبس، ولولا الإجماع على أن المراد في الشرع النهي عن طاعة الجميع لم يحمل هذه الأية على معنى الجمع دون التخيير.
وأما النهي عن الضدين جميعا، وإلزام المكلف الخلو منهما، والتعري عنهما كقوله: لا تتحرك ولا تسكن الآن، فهذا عين تكليف ما لا يطاق، وفيه الخلاف المتقدم، والخلاف في النواهي فيه كالخلاف في الأوامر، فلا فرق بين أن يقول: تحرك واسكن معا، أو لا
[ ٢٢٧ ]
تتحرك ولا تسكن، فالمانعون لتكليف ما لا يطاق يمنعون هذا، فإن صوروا سؤالا يناقض هذا التأصيل الذي أصلناه بأن قيل: من دخل دارا تعديًا فخروجه عنها تعد أيضا، لأن التخطي في ملك الغير بغير إذن لا يجوز (ص ٨٩)، فهذا الإنسان نهي عن اللبث في هذه الدار، كما هو نُهي عن الخروج منها، لكون اللبث والخروج جميعا يتصرف في ملك الغير بغير إذن.
وقد ركب أبو شمر هذا المذهب، وصرح بأن مقامه في هذه الدار حرام، وخروجه عنها حرام، ونحو هذا المرمى رمى ابن الجبائي وأبو المعالي ورأيا أن الخروج ينسحب عليه حكم المعصية والعدوان والتأثيم، من قبل أن مبدأ هذا الفعل الذي صار كالضروري كان مكتسبا بمعصية مأثوما فيه، وهو دخول هذه الدار، ولولا هذا الدخول لما تورط بين هذين النقيضين اللذين لا انفكاك له منهما.
وصرح أبو المعالي بأنه غير منهي عنه، عن الخروج، وإن كان عاصيا فيه، لأن معصيته فيه مستندة إلى ما اكتسبه أولا من دخول هذه الدار، وحكم تلك المعصية الأولى منسحب على هذه الأخيرة، فصح ارتفاع النهي عن هذا مع إثبات المعصية فيه، كما صح كونه مأمورا به على جهة التنصل من المظالم، وامتثال الأمر برد الحقوق والخروج عنها إلى أربابها. قد تقدم في الصلاة في الدار المغصوبة كون الصلاة تعلق بها النهي على وجه، والأمر على وجه آخر، فهكذا هاهنا تعلق الامتثال بوجه، والمعصية بوجه آخر.
وركب ابن الجبائي هذا المركب في هذه المسألة، وإن كان قد استبعده في الدار المغصوبة، ورأى أن أكوان المصلي في الدار المغصوبة منهي عنها، فمن المحال أن يكون مأمورا بها. وجوابه في المسالتين ومركبه فيهما متناف.
وتمثل أبو المعالي في انسحاب هذا العدوان بغاصب المال، فإن توبته منه تسقط حق الله سبحانه عنه قطعا أو ظنا - على ما عرف من خلاف في قبول التوبة - هل مقطوع به أو مظنون، ولا تسقط تباعه الخلق في حجرهم عن أموالهم ومنعهم منها بالتوبة. فإن زعم على أن التخلص بغرم ما أتلف عليهم، وما ذلك إلا لأجل أن ما ورد نفسه فيه هناك منسحب حكمه على حال التوبة، وإن كان حال التائب كالمناقض لحال المصر، ولو يمثل في طريقته بقول الفقهاء: إن طلاق السكران يلزم، والحدود تقام عليه، وإن كان غير عاقل حين جنايته ما جنى لأجل أن شربه الخمر معصية مآلها زوال عقله، فزوال العقل كالمكتسب له، لما كان سببه منه، وإن كان على الحقيقة نفس زواله لا اكتساب له فيه، لكان التمثيل بهذا أثلج للصدور، لكون هذا التعليل متداولا على ألسنة من قال به من الفقهاء، ولكن الجناية
[ ٢٢٨ ]
الموقعة الآن ليس كفعل تقضي مثلما تقضي زمن الغصب، بل هي فعل شرع فيه السكران كما شرع الغاصب في خروجه من الدار، وهذا التمثيل الذي صورنا أوضح من تمثيله.
والقاضي ابن الطيب في جملة المحققين ينكرون هذا الذي قاله أبو شمر، ويرونه تكليف ما لا يطاق، ويحيلون تكليف ما لا يطاق، وما هو من قبيل المحال حين التعبد، غير ملتفتين إلى مبدأ هذا المحال؛ هل هو مكتسب؟ والإنسان هو الموقع نفسه في هذا المحال الممتنع، أو غير مكتسب لمبدئه ولا موقع نفسه فيه؟ هذا مما لا يصح تكليفه على القول بمنع تكليف ما لا يطاق، لا سيما على أصل المعتزلة القائلين بأن القبح وصف نفسي، وصفات الأنفس لا تختلف باختلاف الصور.
وسبب الخلاف في هذه المسألة أنه قد علم أن تكليف الممكن المتأتي سائغ كتكليف الامتناع من دخول دار من غير إذن صاحبها، لأنه يمكن للإنسان أن يخالف هواه في دخولها ويؤثر طاعة الله فلا يدخلها، أو يغلبه هواه فيعصي الله بدخولها، فإيثار طاعة الله على ما أمكنه من اتباع هواه سبب مدحه وأجره، كما علم أن تكليف الممتنع الذي لا سبب للإنسان في كونه ممتنعا غير سائغ على القول بمنع ما لا يطاق كالقول: اقلب هذا الدار حيوانا، وأبطل حقيقة كونها مكانا.
حتى إذا وقعت صورة مشوبة وقع النزاع، مثل هذه المسألة التي نحن فيها، وذلك أن التعري من اللبث في الدار والخروج عنها محال لا يمكن، ولكن كان في وسع هذا الإنسان ألا يقع في هذا الممتنع المحال، بأن لا يدخل الدار أولا، فينشب فيما نشب فيه، تخيل قوم كون هذا الفعل كالمكتسب، فصرح أبو شمر بأنه محرم، وصرح الآخران بانسحاب حكم العدوان عليه، ولعل الجميع مرمى واحدا رموا، وإن اختلفت عباراتهم.
ورأى القاضي أن التعري عن الأمرين محال، فلا مبالاة بمبدئهما وسببهما، وقد قال بعض المتأخرين من الأشياخ: إن من كان داخل الكعبة لا يتوجه عليه الأمر بأن يولي وجهه شطر الكعبة، لكونه لا يمكنه أن يدبر بوجهه عن جميعها، وإنما (ص ٩٠) يمكنه الإدبار بوجهه إذا كان خارجًا عنها، فيصح أمره حينئذ، لما أمكن منه الموافقة والمخالفة، بخلاف من كان داخل الكعبة الذي لا يمكنه المخالفة، ولا يجد سبيلا إلى الموافقة.
وقد يشير إلى هذا مسائل تكلم عليها الفقهاء، وهي من أفطر في صوم التطوع إفطارا ضروريا، وإن كان سببه اختياريا كالمسافر يعطش لأجل سفره. وكذلك تكلم القوم على قطع التتابع في صيام الظهار بمثل هذا الإفطار الملحوظ بأن فيه شائبة من الاضطرار ومن
[ ٢٢٩ ]
الاختيار، ومن تتبع المسائل التي يشير إليها ما نبهنا عليه من هذا الأصل ألفي منها ما لا ينحصر.
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الأرض التي دخلها تعديا لو كان بها زرع، لكان هذا الداخل مأمورا بالخروج من هذه الأرض من غير إفاسد للزرع، وهذا لا معنى له لأن اجتناب الإفساد الذي لابد منه عند التخطي لا يمكنه، وتكليف ما لا يمكن محال، فلا معنى لظن هؤلاء أن هذا الاشتراط يخرجهم عن إنكار ما أنكرنا على ابن شمر، ولكنا نوافقهم على الجملة، فنأمر الخارج بأن يخطو في الخروج خطوات هي غاية ما يمكن في ترك الإفساد، وتقليل المسافة في الخروج، لأن الزيادة على ذلك تعد لم تدع ضرورة إليه، وما سواه أمر به لما دعت الضرورة إليه في التنصل من هذه المظلمة.
وقد صور في هذا مسائل اللازم للأصولي من الجواب عنها هو قدر ما أوردناه من بيان ما يصح تكليفه وما لا يصح، وأما تعيين ما يلزم من الجائزات التي يصح تكليفها، فذلك فقه محض، فليستفت عنه الفقيه، فما عينه منها تعين في حق مستفتيه، إذا كان عاميا، مثل ما يقال في طريح على صدر جريح بين طرحي مجاريح، إن لبث على صدر هذا قتله، وإن زايله متنقلا عنه قتل من بجانبه، فلا ينفك من قتل مسلم مهما سكن أو تحرك.
وقد رأى أبو المعالي أن الحكم في هذه المسألة فتواه بانقطاع التكليف عنه، إذ لا ينفك من قتل إنسان، سكن أو تحرك، وتكليفه التعري من الحركة والسكون، تكليف التعري عن الضدين، وقد بينا ما فيه، وتعيين أحدهما للقتل لا سبيل إليه مع تساوي الشخصين في وجوب صيانة الدم، فإذا امتنع القول بأن المقام والزوال عليه حرام، وامتنع القول بأن أحدهما حرام دون صاحبه، مع تساويهما لم يبق إلا انقطاع التكليف عن هذا الذي لا يجد سبيلا إلى التخلص من هذين الممنوعين.
ثم يفترق الجواب بعد ارتفاع التكليف في هذا الطريح، فإن كان طرح نفسه تعديا فقد باء بالإثم، واستحث عليه حكم المعصية مهما سكن أو انتقل، لأنه هو الذي ورط نفسه في هذا الفعل الذي وصفناه بأنه ارتفع عنه التكليف فيه. وإن قذف به على صدر هذا الجريح بغير اختياره، ارتفع عنه حكم العدوان والمعصية، كما ارتفع عنه التكليف. وهذا الذي أفتى به أبو المعالي في هذه الصورة يبعد عن مجاري المفتين، ولكن بسط طرائفهم في مثل هذا إنما يليق بكتب الفقه.
[ ٢٣٠ ]
وقد تصور هذا السؤال أيضا في رجل، إن أقام بمكانه مات عطشا، وإن تخطى عنه إلى الماء قتل من يمر عليه، فلا ينفك هذا من قتل نفسه أو قتل غيره. وبعض من تكلم على هذا السؤال رأى أن الواجب بقاؤه وإن مات، إذ ليس له أن يصون نفسه بإتلاف نفس غيره، ألا ترى أن المكره على قتل غيره لا يباح له قتله، ولو قتل إن لم يقتله.
وألحق الناس هذه المسائل بمسألة النازع فرجه من فرج الزانية معه، أو النازع فرجه من فرج زوجته، وفجر يومه من رمضان طالع حين النزع، واختلاف أصحاب مالك في إفساد صوم هذا الصائم، بهذا النزع المقارن إلى الفجر معلوم، فبعضهم رأى أن هذا النزع لما وقع بعد طلوع [الفجر] صار كابتداء الوطء بعد طلوع الفجر، ومنهم من يرى أن هذا النزع تنصل وخروج عن إفساد الصوم، والتنصل من الشيء خلاف الدخول فيه.
وقيد أبو المعالي هاهنا بتقييد فقال: لو كان وطؤه وهو يعلم أن الفجر يطلع حين نزعه على بعض [عسر في] تصور هذا لفسد صومه، لأنه يكون حينئذ كالمتحامل على التغرير بصيامه، بخلاف من قدر أن الفجر لا يطلع إلا بعد فراغه من هذا الشأن، فظهر الأمر على خلاف تقديره. وهذا الذي أشار إليه أبو المعالي إلى أن استدرك على الفقهاء لم يعقل الفقهاء أصله، وقد تكلموا على أحكام الآكل مع شكه في الفجر، وعلى مقارنة النية بعقد الصوم طلوع الفجر، وبسطوا من هذا في كتبهم ما يعلم منهم حكم هذا التقييم الذي قيد به أبو المعالي جوابه، وقد بسطنا [هـ] فيما أمليناه من كتب الفقه، والله ولي التوفيق.