هذا قد جاء الشرع به في معاني إثبات، ومعاني نفي، مقطوعا به ومظنونا، فالذي في معنى الإثبات قوله تعالى: (حُرمت عليكم أمهاتكم)، ومعلوم أن نفس الأم لا يحرم، والمحرم معنى آخر غير ذلك، وهو غير مذكور، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذلك قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، ونفس الحج ليس هو الأشهر، فالمنطوق به غير مراد، والمراد غير منطوق به. وكذا ما جرى على هذا الأسلوب مما وقع في الشرع.
وقد قال قوم: إنه مجمل، واعتلوا بالإجمال بما بيناه من كون المراد غير مذكور، ومن الناس من أنكر الإجمال في مثل هذه الصيغ، ورأى أن الذوات لم يتعرض إليها وإنما التعرض لأوصافها، وهذا معلوم عند أهل اللسان، لاسيما في مثل قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم)، فإن جماعة المحققين وجمهور الأصوليين ينكرون الإجمال في هذا ويرون أن المحذوف أسبق إلى الفهم من معنى النطق، ولا يخفى عن سامع من العرب لهذا الخطاب أن المراد به وطء الأمهات، بحذف المضاف وهو الوطء وأقام المضاف إليه وهي الأمهات مقامه مجازا عرفيا، تعارف أهل اللسان على تفاهم هذا المجاز من مجرد اللفظ، كما لا يشك أحد منهم أن مراد القائل: حرمت عليك هذا الطعام، أكل الطعام، دون ذات الطعام.
وأما قوله: (الحج أشهر معلومات) فطريقة من صار إلى إجماله ما بيناه، أو سلك طريقة أخرى سنبينها، ويراد أن المراد بقوله: (الحج أشهر معلومات) إما أفعال الحج على أصل مالك المجيز تقدمة الإحرام على أشهر الحج، وإما وقت الحج على رأي المخالف
[ ٢٣٢ ]
المانع من تقدمة الإحرام على أشهر الحج، فالمحذوف هاهنا يحتمل الأمرين، ويتردد بين المذهبين، ولا يدعى عمومه لأنه محذوف، ولا يدعى العموم إلا في الصيغ، والمحذوف ليس بصيغة.
ومن الناس من لم يرد هذا مجملا، وصار فيه إلى دعوى العموم في هذا المحذوف، كما يدعى في الصيغ المنطوق بها، فيحمله على الوقت وعلى الإحرام جميعا،. ومنهم من يرى في مثل هذا أنه لا يحمل على العموم لكونه محذوفا، ولكن يحمل على موضع الخلاف ليستفاد بهذا الحمل تصحيح مذهب على مذهب، فيحمل هؤلاء هذه الآية على أن المراد بها إحرام الحج، لأنه المختلف فيه، لا أفعال الحج كعرفة وغيرها، فإن ذلك متفق عليه أنه لا يصح إلا في أشهر الحج.
فهذا القول في معاني هذه الصيغ إذا كانت إثباتا، وأما إذا كانت نفيا كقوله: "لا عمل إلا بنية"، وقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، و"لا نكاح إلى بولي"، و"لا أحل المسجد لجنب، ولا لحائض"، فإن العلماء مختلفون في هذا الأصل. وأما مثال القطعي فكقوله: (لا إكراه في الدين)، وأما مثال الظني فكقوله: "لا نكاح إلى بولي".
والغرض من هذا الأصل الكلام على هذا النوع، وألفاظ النفي للذات الواقعة المتعلق بها حكمان أو أحكام، مثل قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فمعلوم قطعا أن جار المسجد قد يصلي في غير المسجد، ومعلوم قطعا أن النبي ﵇، لا يكذب فيخبر عن (ص ٩٢) واقع أنه لم يقع، فيخرج من هذا أن النبي ﵇ لم يرد ظاهر ما اقتضاه النطق، بل أراد غيره. فهاهنا اختلف الأصوليون على مذهبين:
فمنهم من زعم أن هذا مجمل، واختلف هؤلاء على مذهبين في طريق الإجمال، فمنهم من صور الإجمال من الجهة التي أشرنا إليها، وهو كون اللفظ لم يرد به نفي وقع الفعل، وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، والذي أريد لا تعلم حقيقة معناه، فصار من هذه الجهة مجملا. ومنهم من صار إلى أن هذا اللفظ لم يوضع لنفي الذات، ولم يتوقع أن يكون
[ ٢٣٣ ]
هو مراد المتكلم، بل ذلك موضوع إلى نفي أوصافها، ألا تراهم يقولون لمن أجاب بما لا يفيد: ما أجبت بشيء، ولمن أعطى حقيرا: ما أعطيت شيئا، لم يضعوا هذه العبارة لنفي الذوات، وإنما وضعت في مثل هذا لنفي الإفادة عن الجواب، ونفي الانتفاع بالعطية، ولكن الأوصاف التي وضعت لنفيها إذا تعددت وأمكن أن يراد أحدها دخل اللفظ الأجمال من هذه الجهة، فيمكن أن يكون المراد لا صلاة جازية لجار المسجد إلا في المجسد، ويمكن أن يكون المراد: لا صلاة كاملة، فيها التضعيف المذكور في الجماعة إلا في المسجد، وإجزاء الصلاة وصف من أوصافها، كما أن كمالها وصف من أوصافها، ويحتمل أن يريد المتكلم أحد الوصفين دون الآخر، ولا يتعين لنا ما المراد منهما، فصار مجملا، وهذه طريقة القاضي ابن الطيب واختياره.
وأما الطائفة الثانية فهم المنكرون للإجمال الصائرون إلى إلحاق هذا بما لا إجمال فيه، ولكنهم أيضا مختلفون في طريقة رفع الإجمال على مذهبين، كما اختلف من قبلهم، فمنهم من رأى أن وجود الفعل داخل في النفي بحق عموم اللفظ، ولكنه خص بدليل أن الرسوم لا يكذب، فبقي الخطاب متوجها لسائر أوصافه، من كماله وإجزائه، وهذا كإحدى طريقتي أهل المذهب الذي ذكرناه قبلهم، في أن اللفظ ظاهر موضوع لنفي الذات، ومعلوم أنها ثابتة، ومن هؤلاء من صار إلى أن الذات لم تقصد بالخطاب أصلا، حتى تفتقر إلى دلالة التخصيص بتقديم العلم بصدق الرسول، ولكنها موضوعة لنفي الوصفين جميعا بحق العموم على أصل القائلين بالعموم في المحذوفات والمنطوقات، كما بيناه على أصل الواقفية المنكرين له أصلا، ولا عن أصل المعممين المقصرين التعميم على الصيغ لا على المحذوفات.
ورأى القاضي أن المعميين أخطأوا في حمل هذا على العموم، وإن سلم لهم صحة أصلهم في المصير إلى القول بالعموم، واعتل بأن العموم إنما يصح دعواه فيما لا يتناقض، فأما إذا كان دعوى العموم يصير في معنى الصيغة تناقضا وتهافتا استحال دعوى العموم، وأظهر هذا التناقض بتقدير قدره يخفى تصويره إلا بعد تأمل، وذلك أنه رأى أن العبادة إذا قلنا: إنها لا تجزى، إنا بنفينا عنها الإجزاء نفينا عنها الكمال، إذ من المحال أن تكون صلاة لا تجزى، وهي مع هذا كاملة، فقد ثبت أن نفي الإجزاء يتضمن نفي الكمال، فيستغنى بنفيه عن التعرض لنفي الكمال، لأنه مما لا يقدر، وإذا نفينا الكمال خاصة عن العبادة، فقلنا: هذه صلاة غير كاملة، فإن هذا اللفظ يشعر بأنها جازية، إذ لا يقال: هذه صلاة كاملة في مثل من ترك التأمين، ورفع اليدين، والتسبيح في السجدتين، إلى غير ذلك
[ ٢٣٤ ]
مما يعده الفقيه من الفضائل، ويراه مع هذا تجزئ الصلاة مع عدمه، فإذا ثبت أن نفي الكمال يتضمن ثبوت الإجزاء، فإذا ادعينا نفي الإجزاء والكمال جميعا، صار الإجزاء منتفيا من حيث نفيناه هو، والكمال ثابتا من حيث إننينا الكمال يتضمن ثبوته، وإذا أدى دعوى العموم إلى كون الإجزاء ثابتا منتفيا معا، لم يصح حمل اللفظ على العموم، لأن كلام صاحب الشرع لا يحمل على التناقض بمثل هذا التصوير رد على من قال: إن اللفظ ليس بمجمل، ولكنه يعم نفي الذات وسائر أوصافها، ثم يخص الذات بالدليل الذي قام على أنه ﵇ لا يكذب، وذلك أن هذا مذهب يوقع أيضا في التهافت والتناقض كما صورناه، لأجل أننفي الذات يتضمن نفي أوصافها، حتى لا يتوقع ثبوت الأوصاف مع انتفاء الذات، فيحتاج إلى التعرض لنفي الأوصاف، ونفي الأوصاف يتضمن ثبوت الذات، ألا ترى أنه لا يقال لمن لم يصل أصلا: صلاته جازية ولا كاملة، وإنما يقال هذا فيمن صلى على غير طهارة، أو فيمن كان في معناه، فيقال فيه: صلاته غير جازية ولا كاملة، فقد صار نفي الكمال والأجزاء يشعر بثبوت الذات، ونحن قد فرضنا الذات منتفية بحق العموم النافي لها ولأوصافها (ص ٩٣) فتصير الصلاة منتفية بحكم النطق، ثابتة بحكم الضمن الذي استفيد من نفي أوصافها، وهذا متناقض متهافت، لا يصح حمل كلام صاحب الشرع عليه.
وقد قيل: إن حمل هذا اللفظ على نفي الأوصاف، كأنه تعرض لنفي الذات، لأن المراد بقوله: "لا صلاة" الصلاة الشرعية، والصلاة الشرعية لا شك في أنها لم تقع أصلا، فصار هذا النفي للأوصاف كالمخيل لنفي الذات، وهذا على التحقيق لا يتعدى نفي الأوصاف، إذا قلنا: إن ما ليس بشرعي من صوم وصلاة يسمى في اللغة صوما وصلاة، ولكن قد يظهر هذا التخيل لو صورنا وقدرنا أن اللغة لا تسمى الصلاة الفاسدة صلاة، وقد ذكرنا أن المحققين قطعوا بأن اللفظ منصرف إلى الأوصاف لا للذات، ولكنهم على مذاهب في هذا الانصراف، فمن واقف بين الأوصاف لاحتمال اللفظ لجميعها، لإنكاره القول بالعموم على الإطلاق، ومن واقف لإنكاره العموم في المحذوفات، ومن واقف لإنكاره العموم في مثل هذا. ولو صح القول به على الإطلاق في المنطوقات والمحذوفات لما يؤدي إليه من التناقض.
وسلك أبو المعالي مسلك هؤلاء في صرف اللفظ إلى نفي الأوصاف دون الذات، وسلم الاحتمال في الأوصاف، ولكنه خالف من تقدمه فرأى أن الاحتمال لا يتساوى فيها، بل اللفظ في أحدها أظهر من الآخر، فحملها على نفي الإجزاء، لأجل أن صريح اللفظ يعرض لنفي الذات الواقعة على جهة المبالغة، والمناسب لهذه المبالغة نفي إجزاء العبادة، لأن ما لا يجزي كما يفعل، فوقع بالنسبة والتناسب في المبالغة من هذه الجهة، ولا
[ ٢٣٥ ]
مناسبة بين هذه المبالغة وبين الاقتضاء على أدنى أوصاف الفعل الذي لا يمتنع من الاعتداد به، بل الفعل معه جازيا معتدا به، كما يعتد بالفعل الكامل، فتحمل مثل هذه الأحاديث الواردة في العبادة المحتملة لنفي الكمال والإجزاء، على أن المراد بها نفي الإجزاء، وإنما يصرف عن ذلك إلى نفي الكمال خاصة بضرب من التأويل والترجيح، ولكنه لا يطالب الفقيه فيه نفسه بما يطالب به نفسه في الزوال عن نصوص الخطاب. وهذا المذهب الذي اختاره هو الأصح عندي، لأجل ما اعتللت به، وقد تقدم اختياري في مثل هذه الطريقة في حمل الأوامر على الوجوب، وإن كان أبو المعالي خالفني فيها هناك كما تقدم.