اعلم أن التخصيص يكون بدليل متصل:
إما استثناء كقوله تعالى: (إلا أن تستقوا منهم تقاة)، وكقوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام).
وإما حرف غاية كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، و(لا تقربوهن حتى يطهرن).
وإما صفة كقوله: (فتحرير رقبة مؤمنة).
وإما شرط كقوله: (فمن لم يجد صيام ثلاثة أيام في الحج).
ويكون التخصيص منفصلا، وذلك على ضربين: نطقي، وغير نطقي ..
فأما ما ليس بنطقي فهو دليل العقل وقد تقدم ذكر الخلاف في التخصيص به.
وأما النطقي فيكون تخصيص الشيء بمثله، كتخصيص الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب.
[ ٣١٦ ]
فأما تخصيص الكتاب بالكتاب فالجمهور على جوازه وصحته، ومن أمثلته عندهم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ)، فلو تركنا عموم هذه الآية لأوبجنا على المطلقة قبل الدخول ثلاثة قروء، ولكن خص هذا العموم بقوله تعالى: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها).
وهكذا قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، فلو تركنا وعموم هذه الآية لأوجبنا على التي مات زوجها وهي حامل أربعة أشهر وعشرا، لكن خص هذا العموم بقوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، على بعض الطرائق في أهل هذا المذهبن وقد ذكرناه مبسوطا في الكتاب "المعلم".
ومن هذا قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فلو تركنا وهذا العموم لأبحنا وطء الأختين بملك اليمين، ولكن خصصناه بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين ٩.
وهذا قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، ولو تركنا وعموم هذا لحرمنا نكاح (ص ١٣٥) اليهودية والنصرانية، لكنا خصصنا هذا العموم بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم).
وقد ذهب قوم إلى منع تخصيص الكتاب بالكتاب تعويلا منهم على قوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، فأشار إلى قصر بيان الكتاب المنزل علينا على [ما] يورده ﷺ علينا، وهذا لا معول فيه، لأنه ليس بنص إلا بيان يقع بالكتاب، وإنما فيه إثبات بيان من قبل النبي ﵇، وهذا لا ينفي البيان من غير جهته، على أن الكل من جهته على وجه، والكل من عند الله سبحانه على وجه آخر، وصحة إضافة الكل إليه على الإطلاق، أو إلى الله سبحانه على الإطلاق يمنع الاستدلال بهذه الآية.
[ ٣١٧ ]
وكذلك تخصيص السنة بالسنة مثل قوله ﵇: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، خص بقوله ﵇: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" على ما بسطنا صفة التخصيص وحكم الإهاب في كتاب "المعلم".
فالجمهور أيضًا على صحة تخصيص السنة بالسنة، ومنعه قوم تعويلا منهم على مثل ما قلناه في منع تخصيص الكتاب بالكتاب، ورأى هؤلاء أيضًا أن قوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم) يقتضي كون المبين قرآنا وكون المبين سنة، وقد ذكرنا ما في هذا الاستدلال.
ويكون التخصيص النطقي المنفصل تخصيصا للشيء بخلافه كتخصيص الكتاب بالسنة، وقد أجازه كثير من الأئمة، ومنع قوم أيضا تعويلا على الآية التي ذكرناها [إذا] تقتضي أن المبين إنما يكون سنة، وأما ما نزل إلينا فلا يكون بيانا لغيره، وإنما يكون مبينا.
وأما تخصيص الكتاب بالسنة فإن السنة إذا كانت متواترة، فلا خلاف في تخصيص الكتاب بها، لأنها بيان لما نزل إلينا على حسب ما تضمنته الآية، وهي أيضًا مقطوع على صحتها لأجل تواتر النقل، فلم يقع بيان القطعي إلا بالقطعي.
وأما إن كانت السنة خبر واحد نص فيه على خروج بعض ما تناولته عموم القرآن، فهاهنا اختلف الناس فيه على خمسة أقوال
- فجمهور الفقهاء، وهو المذهب المشهور على تخصيص العموم بخبر الواحد.
- ومنعه آخرون.
- وذهب عيسى بن أبان إلى أنه إذا ثبت دليل على تخصيص العموم، صح أن يخصص تخصيصا آخر بالخبر، وأما إن كان العموم لم يدخله تخصيص قط، فإنا لا نفتتح تخصيصه بخبر الواحد، بل نقدم العموم عليه.
- وسلك قوم مسلكه فقالوا: إن خص بدليل متصل لم يخصه بخبر الواحد، وإن كان قد خص بدليل منفصل رددناه تخصيصا آخر بهذا اللفظ الذي نقله الآحاد.
- وذهب القاضي ابن الطيب إلى مساواة خبر الواحد لما قابله من العموم، وإذا تساويا وجب الوقف فيهما.
وسبب هذا الخلاف يدور على نكتة واحدة، وهي الموازنة بين العموم وخبر الواحد، فإذا وزنت بينهما، واستبان قوة أحدهما على الآخر قدمت الراجح، وإن لم يظهر تفاوت
[ ٣١٨ ]
في القوة ولا ظهور رجحان، فلا شك هاهنا في إنه ليس أحدهما أولى من الآخر فيجب الوقف بينهما.
فأما الموازنون المرجحون للعموم فيقولون: قد ثبت أن القرآن مقطوع عليه، ومن أنكر كونه قول اله سبحانه فقد كفر، وخبر الواحد من أنكر كونه كلام النبي ﵇ لم يكفر، لأنه مما يمكن فيه السهو والغلط والكذب، وشتان عند الموازنة بين قول يقيني وقول ظني.
وأما المرجحون للخبر المخصصون به العموم فيقولون: تناول الخبر للحكم تناولا ناصا لا احتمال فيه، وتناول العموم لذلك تناولا غير ناص، بل فيه احتمال، وشتان ما بين النص وبين الاحتمال، ألا ترى أنه سبحانه إذا قال: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، فإن هذا القول مقطوع به أنه من عند الله سبحانه، ولكنه مع قوته بكونه قطعيا يقينيا، يمكن أن يكون الله سبحانه لم يرد به الرهبان، وإنما أراد قتل المشركين الذين ليسوا برهبان، فإذا قال ﵇: "لا تقتلوا الرهبان"، فإن قوله هذا ليس بقطعي من ناحية النقل، لجواز أن يكون أحد رواته سها أو غلط، ولكنه مع هذا قوي من جانب أن الرهبان نص على أن لا يقتلوا. ولا يمكن أن يقال: يحتمل أن لا يريد بهذا الخبر قتل الرهبان، فقد صار الحكم وهو قتل الرهبان تناوله الخبر تناولا ناصا، وتناوله العموم تناولا محتملا، والخبر ظني، والعموم قطعي، فلكل جانب وجه من القوة ليس للآخر، فالتفات كل طائفة إلى جانب من هذه (ص ١٣٦) القوة دون الجانب الآخر أوجب ذهابه إلى ما ذهب إليه.
والتفات القاضي ﵁ إلى الجانبين جميعا، وتساوي القوتين في نفسه أوجب وقفه بينهما ونظره في دليل سواهما.
وأما من ذكرنا عنه التفرقة بين ما سبق فيه تخصيص وبين ما لم يسبق، وتفرقة الآخرين التخصيص بالمتصل والمنفصل، فإن ذلك منهم ذهاب إلى أن العموم إذا خص تناول بقية المسميات على جهة الإجمال، وصار مجازا، والمجمل لا يحتج به بل يفتقر إلى بيان، فيكون خبر الواحد بيانا عنه، ويصير خبر الواحد كخبر أتى بحكم مبتدأ، وخبر الواحد إذا جاء بحكم مبتدأ فلا شك في قبوله، وهذه طريقة من فرق بين أن يسبق إليه التخصيص بدليل منفصل أو متصل، لأنه رأى أن التخصيص بالدليل المتصل كالاستثناء لا يصير العموم مجملا ولا مجازا، وإذا لم يصر مجازا لم تسقط الحجة به، لم يقدم عليه الحجة بخبر الواحد.
وقد كنا تكلمنا على هذه المذاهب في باب قبل هذا، واختار أبو المعالي في هذه
[ ٣١٩ ]
المسألة التخصيص بخبر الواحد تعويلا منهم على أنه مسلك الصحابة ﵃ ورأيهم، ومن تتبع فتاويهم ومحاجتهم علم منها هذا.
وقد استشهد السالكون لهذه الطرقة أن أبا هريرة لما روى "نهى النبي ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها"، انقادت لذلك الصحابة ﵃، وخصوا به عموم قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذالكم)، وهكذا خصوا بقوله [ﷺ]: "لا وصية لوارث" عموم آية المواريث، وقد قال فيها تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين)، وقال في آية أخرى: ( الوصية للوالدين والأقربين)، وإن كان في هذه الآية اضطراب بين العلماء.
وقد ذكر الصديق قوله ﵇: "لا نورث ما تركناه صدقة" الحديث، دفعا لفاطمة ﵂ عن مطالبتها الميراث، ولم تنكر ذلك عليه. وقد أجيب عن هذا بأنه يمكن أن يكون بعض هذه الأحاديث علموا ﵃ صحتها، فلهذا استدلوا بها، أو ظهرت قرائن اقتضت الاستدلال.
وقد قال الآخرون مستشهدين أن الصحابة لم تخص العموم بأخبار الآحاد، أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس إذ أخبرت بأنها لا سكنى لها ولا نفقة: "لا ندع كتاب ربنا لامرأة لا ندري نسيت أو شبه عليها"، إلى غير ذلك من الألفاظ التي نقلت عنه في حديثها.
وهذه عائشة أيضًا ﵂ ردت قول ابن عمر عن النبي ﵇: "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" بعموم قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فرأت أن تعذيب الميت بفعل الحي فيه يحمل وازرة وزر أخرى، خلاف ما تضمنت الآية.
وقد أجيب عن هذا بأن عمر ﵁ إنما رد خبرها لاسترابة استرابها منها خاصة،
[ ٣٢٠ ]
لا طردا لذلك في كل خبر، وتعليله يشير إلى هذا، لا سيما وفي بعض الروايات: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا"، فيمكن أن يكون سمع من النبي ﵇ خلاف ما قالته، وإليه أشار بقوله: "وسنة نبينا". أو لعلهم علموا أن قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) نزل عاما في كل مطلقة، مبتوتة أو رجعية، واستقر الحكم استقرار عاما، حتى يكون خبر فاطمة ناسخا، له وإن كان الأمر كذلك، فلا شك أن خبر فاطمة بنت قيس مردود، إذ لا ينسخ بأخبار الآحاد، لأن النسخ رفع النص، وقد ذكرنا أن خبر الواحد إنما قدم على العموم عند من صار إلى ذلك لأجل كونه نصا، وكون العموم محتملا، فإذا فرضنا عموما نصا، زالت العلة وقوي العموم من الجانبين جميعا، وصار قطعيا من جهة نقله ومن جهة مضمونة، فلا يوازي خبرا ظنيا فينقله، ولعل عمر ﵁ أشار إلى هذا بقوله: "لا ندع كتاب ربنا".
وأشار أبو المعالي إلى الالتفات إلى ظهور الاستيعاب في العموم أو خفائه، وإلى قوة الخبر وضعفه على ما سنبين في كتاب التأويلات إن شاء الله، وهذه الطريقة التي أشار إليها ينبغي للفقيه أن لا يغفل عنها، ولا يجري هذه المذاهب التي قلنا على ظواهرها، ولا يلتزم أخذها من غير التفات إلى ما سيعلم من كتاب التأويلات إن شاء الله.