اعلم أن هذه المسألة، المذاهب فيها كالمذاهب المنقولة في التي فرغنا منها سواء بسواء: جواز التخصيص بالقياس، ومنعه، والوقف، والتفرقة بين ما خص وما لم يخص (ص ١٣٧)، والتفرقة بين التخصيص بالمتصل والمنفصل، وزيد في هذه مذهب سادس، وهو التفريق بين قياس العلة وقياس الشبه، فأجيز التخصيص بقياس العلة ومنع قياس الشبه.
وسبب الخلاف أيضًا فيها دائر على النكتة التي أريناك في هذه المسألة التي قبلها، وهي الموازنة بين العموم والقياس، للعموم القطع على أصله مع كونه محتملا من ناحية لفظه، وللقياس الاتفاق على العمل به، وتأثيم من خالف فيه، وكونه متناولا الحكم تناولا لا احتمال فيه، والموازنة بهذه الطريق سبب الخلاف على حسب ما قدمناه حرفا بحرف، فلا معنى لإعادته.
ومن فرق بين قياس الشبه وقياس العلة، فإنه رأى أن قياس الشبة أخفض رتبة واضعف من قياس العلة، فتقاصر لأجل ضعفه عن التخصيص.
والقاضي عبد الوهاب يشير إلى تصحيح القول بالتخصيص بالقياس، وإن كان قياس
[ ٣٢١ ]
وأجاب عن هذا بأن المعممين والقائلين بالقياس ليسوا كل الأمة، وفي الأمة من ينكر القياس أصلا، وفيهم جماعة ينكرون العموم، والحجة في قول جميع الأمة لا في قول بعضها. وأجاب أيضا بأنه قد سبق سابقون إلى رد القياس، وآخرون إلى رد العموم، فإذا وقف القاضي عنهما، وعن هذا، فقد ضاهى في كل واحد من النوعين الذاهبين فيه إلى ما ذهب، ولا يضر مع موافقته لهم في ذلك النوع مخالفته إياهم في التوقف الآخر، لأن الآخر قد وافق أيضا فيه آخرين.
وهذا يذكر في مسائل الاجتماع إن شاء الله، إذا تكلمنا على تركيب المذاهب، وتفرقة الفقيه بين جوابي مسألتين، قال من قبله بالمساواة بينهما، ولكن الناس في ذلك على قولين مختلفين.
وذكر أبو المعالي أن خبر الواحد إذا عرض قياس يخالفه، فإنه يجري فيه ما تقدم من المذاهب التي ذكرها، وأنت إذا نظرت في سبب الخلاف الذي أبديناه في هذه المسائل علمت ما يتصور من الخلاف وما لا يتصور، وفي هذا القدر كفاية.