هذه مسألة اشتهر خلاف الناس فيها، فذهب الأئمة من الأشعرية إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وكأن الأمر له متعلقان متلازمان: اقتضاء الفعل، والإيقاع، والنهي عن الترك والاجتناب، وترك الفعل فعل آخر، وهذا الفعل الذي هو ترك ضد للمتروك هو المشهور من مذهب القاضي أبي الطيب، وصار في آخر أمره إلى أن الأمر ليس هو عين النهي عن الضد، ولكنه يتضمنه، وإلى هذه الطريقة يميل أكثر الفقهاء، وإن كانوا يخالفون القاضي في مسلك التضمين.
وذكر ابن خويز منداد عن مالك أنه يقول بدليل الخطاب، وأن قوله بدليل الخطاب يقتضي أن يقول في الأمر بمثل المقالة التي حكيناها عن الفقهاء.
وأما المعتزلة فإن المشهور من نقل أئمتنا عنهم أن الأمر ليس بنهي عن الضد، لا من جهة القول، ولا من جهة المعنى، وهذه الطريقة التي اختار أبو المعالي، ولكنه مع ذلك خالف الأشياخ في نقله عن المعتزلة، فنقل عنهم أنهم يرون تضمن الأمر للنهي عن الضد
[ ٢٢٢ ]
على حسب مسالك الفقهاء، ولكنهم عنده لما كانوا ينقون القول النفسي، ويرون أنه لا أمر إلا الأمر النطقي اعتقدوا أن العرب وضعت قولها: قم، لتدل على معنيين تصريحا، وتلويحا، فالتصريح بحكم النص هو اقتضاء القيام، والتلويح بكم الإشعار وهو النهي عن السكون، ومجرى هذا كمجرى قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف)، فإن تصريحه يقتضي النهي عن التأفيف، وأما ضرب الوالدين وشبههما لا تقتضيه صيغة القول "اف"، ولكنه يقتضيه بمفهومه ومعناه، وإن كان هذا عندهم أجلي مما نحن فيه، لأن هذا يسميه أهل الأصول مفهوم الخطاب، وهو عندهم كالنص.
وأما مثبتو الكلام النفسي فإنهم لا يتصورون فيه تواضع ولا استصلاحا، لكنه معنى ثابت في النفس محسوس، العلوم، والقُدُر، وقد علم أن العلم له تعلق بمعلوم، كما أن القدرة لها تعلق بمقدور، فكذلك الأمر في النفس له تعلق بمأمور به، وكما يكون العلم له متعلقان متلازمان، لا يصح أن يعلم أحد المعلومين دون الآخر، فكذلك الأمر النفسي يمكن أيضًا أن يكون له متعلقان متلازمان، أحدهما اقتضى الإيقاع، والثاني النهيعن الكف، فمتى قال: إن في النفس كلاما، وأثبت فيه أمرا، أو اعتقد مع هذا أن نفس الأمر بالشيء هو بعينه النهي عن ضده، أجرى هذا مجرى العلم المتعلق بمتعلقين متلازمين، كيمين وشمال، وفوق وتحت، فإنه كما يستحيل عنده أن يعلم الفوق ويجهل التحت، فكذلك يتسحيل عنده أن يتعلق الأمر النفسي باقتضاء فعل ولا يتعلق بالنهي عن تركه.
وأما من قال: إن في النفس كلاما، واعتقد أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده، ولكنه يقتضي ذلك اقتضاء التضمن، كما ذهب إليه القاضي في آخر عمره، فهاهنا في تصور مذهبه إشكال، ولكن أبو المعالي جزم القول بأن هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي يقارنه نهي نسي أيضا، فيكون وجود هذا القول النفسي الذي هو اقتضاء القيام، ويعبر عنه بقولك: قم، يتضمن وجود قول آخر في النفس يعبر عنه بقولك: لا تقعد، ويكون هذا القول الذي يعبر عنه بقولك: قم يتضمن هذا القول الثاني ويقارنه، حتى لا يوجد أبدا مفردا، ويجري ذلك مجرى الحياة والعلم، فإن العلم إذا وجد اقتضى وجوده الحياة، فكأن من أثبت القول النفسي اتفقوا على إثبات متعلقين، واختلفوا في المتعلق، فمنهم من وحده، وهو القائل: إن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده، ومنهم من ثناه فجعل لكل متعلق من هذين متعلقا يتعلق به، ولم يخالف أحد من مثبتي الكلام النفسي هذه المسالك، سوى أبي المعالي فإنه نفى التعدد في المتعلق والمتعلق به.
فصارت هذه الطائفة على ثلاثة أنحاء، منهم من يوحد المتعلق والمتعلق به وهو أبو
[ ٢٢٣ ]
المعالي، ومنهم من يثبتهما جميعا وهو القاضي في أحد قوليه، ومنهم من يثني المتعلق به ويوحد المتعلق وهم جماهير أئمتنا. وهذا كله واضح في تصور المذاهب فيه في الأمر على جهة الإيجاب.
وأما الأمر على جهة الندب والاستحباب فإن القاضي ابن الطيب أجراه مجرى الأمر على جهة الندب والاستحباب نهيا عن الضد على جهة التنزيه أيضا، بل قصارى ما نحن فيه على الأمر على جهة الإيجاب.
فهذا إيضاح المذاهب في هذا الفصل (ص ٨٧) وتصويرها على أحسن بيان.
وأما طريق الذاهبين إليها فنحن نكشف الغطاء عنها حتى يهون على النظار ما وقع الاختلاف فيها، فاعلم أن المطلوب من أصول الفقه الانتفاع بها في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، وما لا منفعة فيه في الفقه، فلا معنى لعده من أصوله.
وإذا تقرر هذا قلنا: النظر في هذه المسألة من وجهين؛ أحدهما: تعيين حكم الضد، والثاني: تعيين طريق الحكم. فأما نفس الحكم فإنه يستعمله فيه طريق التقسيم، وتقديم المقدمات فنقول:
قد علمتم أن الأحكام الشرعية خمسة لا سادس لها: الإيجاب، الندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، فهذه مقدمة لا شك فيها. ومقدمة ثانية وهي أن المحل لا يصح أن يخلو من الشيء وضده. ومقدمة ثالثة وهي أن نفس خلوه من الشيء وتعريه عنه هو نفس حلول الآخر فيه وقبول له، وليس بين هذين واسطة ولا معنى معقول. ومقدمة رابعة وهي أن الثواب والعقاب إنما يتعلق بما يخترع عند قوم، أو يكتسب عند آخرين، وأما الانتفاء المحض فلا يكتسب ولا يتعلق به ثواب ولا عقاب. فإذا عرضت هذه المسألة على هذه المقدمات علمت حكمها على التعيين، وذلك أنه إذا قيل للإنسان: تحرك وقد علم أنه إذا لم يتحرك فلابد أن يسكن لاستحالة خلو المكان عن الصفة وضدها، وعلم أن ليس تحت قولنا: إنه لم يتحرك أكثر من وجود السكون به، وأن لو أمكن ألا يوجد السكون به لم يمكن أن يعذب على انتفاء الحركة، لأن الانتفاء المحض لا يتعلق به في الشرع ثواب ولا عقاب، فإذا أوجب الله عليه التحرك، وقد تقررت هذه المقدمات، فإن السكون إما أن يقال: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأن فيه تكليف المحال، وهو الجمع بين الحركة والسكون معا. أو يقال: إنه مندوب إليه، وهذا لا يصح لهذا المعنى أيضا، لأن فيه الأمر
[ ٢٢٤ ]
بالحركة والسكون معا، ولا يصح أن يكون مكروها ولا مباحا، لأن المكروه والمباح لا إثم فيهما، وإذا كان السكون لا إثم فيه إذا فعله، وقد علم أن ترك الحركة هو نس السكون، والواجب ما في تركه العقاب اقتضى ذلك خروج الحركة عند حكم الوجوب، وقد فرضنا أنها واجبة. فقد استحالت هذه الأحكام الأربعة، فلم يبق إلا الحكم الخامس وهو التحريم، وهذا هو المطلوب في الفقه، وهو معرفة ما يحل وما يحرم إلى غير ذلك من الأحكام، فإذا ثبت تحريم الضد، فالمحرم منهي عنه بلا خوف، فقد ثبت النهي عن ضد الفعل المأمور به، وهذا هو المطلوب المقصود في الفقه.
وإنما يبقى النظر في الجهة الثانية، وهي طريقة هذا التحريم والنهي؛ هل هي نفس الأمر بالفعل، أو متضمن الأمر، أو ليست هي واحد من هذين؟ فنعود إلى تحقيق القول في هذه الجهة الثانية فنقول:
تقرر عند العقلاء اختلاف مواقع الأفعال في القصود، وكذلك يختلف عندهم أحكام الأوامر والنواهي في القصود، فمن خرج من داره قاصدا إلى غرض هو غاية فعله، فهو بخلاف من عرض له في طريق غرض قضاه، وكذلك من أمر عبده بفعل أو نهاه عن فعل تصريحا، فهو بخلاف ما تتضمنه أوامره ونواهيه من الاتباع التي هي غير مقصودة، ألا ترى الإنسان مأمور بالحج، ولا يتم الحج إلا بقطع مسافة إليه، فقطع تلك المسافة مأمور به وواجب بإجماع الأمة، لأنه لا يتوصل إلى الواجب المقصود إلا به، ولكنه مع الكل عليه مخالف لوجوب الحج في نفسه، لأن الحج هو المقصود، وقطع المسافة إليه ليس بمقصود في التكليف، وإنما هو بمقتضى الجبلة والخلقة التي لا يمكن معها الحج إلا بقطع مسافات، ولو تصور حجم بغير قطع مسافة لسقط هذا الواجب الذي هو قطع المسافة.
فإذا تقرر هذا قلنا: إن من قال: إن هذا التحريم والنهي عن الضد ليس بمنهي عنه، ولا يقتضي الأمر بالفعل المنهي عنه، وأنكر ذلك أصلا فإنه قد أخطأ، لما قدمناه مما أنتجته تلك المقدمات.
وأما من قال: إنه منهي عنه ويجري ذلك مجرى القصد إلى المنهي عنه فليس بمصيب، لما قدمناه أيضا من أن القصد امتثال الفعل المأمور به، ولكنه لما لم يكن امتثاله إلا مع مجانبة ضده، وما لا يمكن فعل الواجب إلا به فهو واجب، صار من هذه الجهة واجبا بسبب حكم الجبلة والخليقة، لا بحكم القصد إلى النهي عنه.
فإلى هذا المضيق تنحصر هذه المذاهب المتقدمة، وعلى هذا التحقيق يجب أن تعرض، فما وافقه منها فهو الحق، ولكن مع هذا استدرك أبو المعالي على الجماعة استدراكا ظن أنهم أغفلوه، وأشار إلى طريقة لا تتصور إلا في أوامر المحدثين، وأوامر
[ ٢٢٥ ]
المحدثين لا كبير جدوى في تشاغل الفقيه بها، وأما أمر الله سبحانه فقد اشتهر من مذاهب الأشعرية وأهل السنة أن كلام الله سبحانه قديم أزلي صفة (). (ص ٨٨).
النظر بحيث يتصور قصد الناهي إلى الفعل المأمور به، وجعل هذا الوجه المنهي عنه خاصية من خواصه، فإنه يتصور القول بمنع الإجزاء والاعتداد بالفعل، لأن الموقع وقد تعرض فيه للصفة المقصودة بالنهي المختص بالفعل يصير الواقع كالعدم في كونه غير امتثال للأمر، فتبقى المطالبة بالأمر على ما كانت عليه، فيخرج من هذا منع الإجزاء.
فأما إذا كان النهي لا بمعنى يرجع إلى الفعل المأمور به، ولا هو مقصود فيه، فلا يتصور منعه للإجزاء من هذه الجهة، لأنه في حكم الفعل الموقع موافقا للأمر، من سائر جهاته كما تقدم.
وهذا التفصيل طريقة أبي المعالي في اعتبار وحصول الإجزاء أو عدمه، وأما اختياره في أصل المسألة فإن المختار عنده أن الأمر لا يتناول المكروه كما قدمناه، من تناقض الجمع بين حقيقة الأمر بالإيقاع والكف في حالة واحدة. وقد أغلظ القول في هذا الباب على أئمة الشافعية فوق الحاجة في مسألة تعد من مثل هذا الباب، فذكر أن الاستدلال على وجوب الترتيب في الوضوء بأن الوضوء المنكس مكروه، والمكروه لا يتناوله الأمر، فيبقى الأمر بالطهارة لم يمتثل، فيطالب المكلف به، وهذا معنى قولنا: تعاد الطهارة المنكسة.
وزعم أن هذا استدلال على إيجاب الشيء يقول المخالف فيه: إنه مكروه عندي، فليس قول المالكية: إن الوضوء المنكس مكروه يعرف منه أن الصحيح ما قاله الشافعي من [أن] الوضوء ترتيبه واجب، ورأى أن هذا الاستدلال من فن العبث، وقد أسرف في النكير على أشياخه المستدلين. وهذا إن أوردوه إيراد مناظرة للمالكي، فلا يحسن إنكاره بحسب ما أنكره أبو المعالي، وأكثر المناظرات يسلك فيها هذه المسالك، فيقول الفقيه للفقيه: قلت كذا وكذا، فيلزم عليه كذا وكذا، وهذا اللازم لا يصح إلزامه إلا على أصلي لا على أصلك، فدل على أن أصلي هو الصحيح. ولعل هذا المراد بهذا الإيراد، فيقول الشافعي من قال من أصحابنا المالكية: إن الصلاة بالوضوء المنكس تعاد أبدا، قد سلم من الشافعي من قال من أصحابنا المالكية: إن الصلاة بالوضوء المنكس تعاد أبدا، قد سلم من خالفنا أن الوضوء المنكس مكروه، فيلزم عليه أن يكون موقفه لا يعتد به من حيث ما يبقى عليه من المطالبة بالأمر كما قدمنا بيانه، والتزام أنه لا يعتد به إنما على أصل الموجب
[ ٢٢٦ ]
للترتيب لا على أصل المالكي المسقط لوجوبه.
وأشار أبو المعالي أيضًا في رد هذا الاستدلال إلى كون كثير من المكروهات تخرج عن عهدة الأمر ويقع بها الاعتداد، وأن هذا إنما يوقف على ما جاء الشرع به، كيف والحرام المحض وهو الصلاة في الدار المغصوبة يقع الاعتداد بها كما قدمنا في بابه، فكيف بالمكروه.
وهذا الذي قاله إنما يرد به على من عمم القول في أنه لا يعتد بفعل مكروه، وأما من يقول: إن الأصل أن الأمر لا يتناول المكروه وإذا لم يتناوله بقيت المطالبة بموجب الأمر الأول، فلا يناقض بأعيان مسائل فقهية، ولكن قد يحقق هذا معه حتى يعتبر مقصود الشرع في النواهي، ويفرق بينه وبين ما لا يقصده الشرع منها كما تقدم مرارا.