اعلم أن التعارض بمعنى التضادد، والتنافر.
فأما الأقوال فيصح فيها هذا المعنى، لأن تقدير قول متضمن لمعنى، وتقدير قول متضمن لمعنى مضاد لذلك المعنى ممكن متصور، والقول: اقتل زيدا، مضاد للقول: لا تقتله، والقول: (وأحل الله البيع)، مضاد للقول: وحرم الله البيع.
وأحكام ما تعارض من الأقوال مذكور في مواضعه، والمشهور عند الفقهاء فيه استعمال البناء والتأويل على ما يصح معه استعمال القولين جميعا، "كنهيه ﵇ عن الصلاة بعد العصر" ولم يفرق بين فرض ونافلة، وقوله ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، ولم يفرق بين ما بعد العصر وبين غيره من الأزمان، فكان أحد الحديثين يقتضي عمومه قضاء الصلاة المنسية بعد العصر، ويقتضي عموم الحديث الآخر النهي عن الصلاة المنسية حينئذ، فمالك يبني الحديثين، ويرى أن نهيه عن الصلاة بعد العصر محمول على النوافل، حتى لا يعطل واحد من الحديثين.
وإن تعارض القولان تعارضا لا يمكن فيه البناء والتأويل كان أحدهما ناسخا للآخر، فاعتبرت التواريخ التي منها يعلم الناسخ منهما من المنسوخ.
[ ٣٦٥ ]
وأما تعارض الفعلين فلا يتصور على الحقيقة، لأن كل فعل يختص بمحله، ويقع في زمنه، والتضادد إنما يتحقق مع تساوي الزمن والمحل، لكنا إن قدرنا تعدي حكم فعله ﵇ إلينا، صار من ناحية تعدي الحكم إلينا، إما وجوبا أو ندبا، على ما تقدم ذكر الخلاف فيه بتصوير التعارض، ويتنزل الفعل منزلة القول المشتمل على المعاني، فإذا نقل عنه ﵇ فعلان متعارضان، وقد أخبرناك بمعنى التعارض، ولم يتصور فيهما طرق التأويل، فإن أحدهما يكون ناسخا للآخر، فيطلب التاريخ حتى يعلم الآخر، فيكون هو الناسخ على حسب ما ذكرناه في تعارض القولين، هذا مذهب الجمهور.
ورأى القاضي أن النسخ هاهنا لم تدع إلى المصير إليه ضرورة كما دعت في الأقوال، لأن الفعل مقصور على فاعله ولا يتعداه، وليس كالصيغ المشتملة على معان متضادة، فإذا وجدنا فعلين متعارضين حملناهما على التجويز والإباحة، وقلنا: القصد بيان جواز كل واحد من الفعلين.
وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر عندي، إلا على رأي الذاهبين إلى أن فعله ﵇ يقتضي الإباحة، وليس القاضي من جملة القائلين بهذا المذهب، بل مذهبه الوقف، فإن كان يقول برأي الصائمين إلى أن فعل النبي ﵇ يقتضي الجواز صح ما قال. وإن أراد أن ذلك يحمل على جواز الفعلين في حقه ﷺ خاصة فصحيح ما قال، إذا قلنا: يمنع وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء صلوات الله عليهم على طريقة من ذكرنا ذلك عنه، ونبهنا نحن على ما عندنا على ما قاله هؤلاء، وإنا إن قلنا بتجويز ذلك فالأظهر في الأفعال المطلقة حملها على الجواز لكون تكرار المعاصي لا يليق بهم، وإن كانت صغائر.
وأشار أبو المعالي إلى أن المختار ما قاله الفقهاء من الأخذ بآخر الفعلين [تاريخا]، ولكن يمكن أن يكونوا ﵃ قدموا الآخر تقدمة أولى وأفضل لا تقدمة ناسخ على منسوخ. وأشار أبو المعالي في غضون هذا الباب إلى مسألة فقهية نقل فيها كلام الشافعي، وأراد أن يستنبط منه [أنه] من المائلين إلى الأخذ بآخر الفعلين، فذكر أنه قدم في صلاة الخوف ما وصفه ابن خوات [بن جبير] من "صلاة النبي ﵇ بالطائفتين" على ما وصفه ابن عمر، لما كانت رواية ابن خوات مؤخرة، فإنها صلاة غزوة ذات الرقاع، ورواية ابن عمر في غزاة غيرها، فقدر أنها سابقة لما رواه ابن خوات في رواية ابن خوات: إذا كانت هي الآخرة يجب أن تتبع. أو يكون الشافعي إنما قدم رواية [ابن] خوات لضرب من الترجيح.
وهذه الرموز التي رمز إليها مبسوطة في كتب الفقهاء، لكن قوله: لما كانت رواية
[ ٣٦٦ ]
صالح بن خوات مؤرخة ذات الرقاع، ورواية ابن عمر في غزوة غيرها، قدرت رواية ابن عمر متقدمة على هذا التاريخ. هذا فيه نظر، ويمكن أن يقال: بل رواية ابن عمر كانت رواية ابن عمر (ص ١٦١) مؤرخة بتاريخ يسبق ذات الرقاع. ولهذا عطف أبو المعالي فقال كالمستدرك لما تعقبناه عليه، أو يكون سلك مسلك الترجيح، والترجيح الذي أشار إليه هو أن رواية ابن خوات تضمنت أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة، فإذا قام إلى الثانية قاموا فصلوا الركعة الثانية أفذاذا وسلموا، وانصرفوا وبقى الإمام قائما في الركعة الثانية حتى تأتي الطائفة الثانية فتحرم وتصلي معه هذه الركعة الثانية، ثم تقضي الركعة الفائتة أفذاذا، وهذه الرواية حصل فيها اجتناب المشي في الصلاة والعمل الكبيرة المجانب لخضوع الصلاة وما شرط فيها من السكون، وهذه طريق من الترجيح، لكنها إنما فيها كون المأمومين يصلون بقية الصلاة والإمام لم يفرغ. هذا في حق الطائفة الأولى، وفي حق الطائفة الثانية فيها القضاء قدر خروج الإمام من الصلاة على أحد قولي مالك في المدونة أن الطائفة الثانية تقوم للقضاء، إذا تشهد الإمام، وينتظرهم حتى يقضوا الركعة السابقة فيسلمون، والقضاء قبل فراغ الإمام من الصلاة خلاف الأصول.
فأنت ترى هذه الرواية كيف خالفت الأصول من جهة صلاة المأمومين وقضائهم قبل فراغ إمامهم، ووافقت الأصول من جهة اجتناب العمل الكثير في الصلاة.
كما أن رواية ابن عمر أيضا وافقت الأصول من جهة، وخالفتها من جهة أخرى، وذلك أن في رواية ابن عمر أن الطائفة الأولى لما صلت مع الإمام ركعة مضوا لجهة العدو، وانصرف أصحابهم إلى الإمام ليصلوا معه الثانية، والطائفة الأولى قد انصرفت إلى مصافة العدو، والمشي إلى مكان العدو ومقابلته عمل كثير في الصلاة، وهذا خلاف الأصول، لكنه وافق الأصول من جهة أخرى، وهو أ، هم سلموا من قضاء الصلاة، والإمام لم يفرغ، فأنت ترى كل واحد من الروايتين كيف وقعت في موافقة أصول الشريعة من جانب ومخالفتها من جانب.
وأبو المعالي إنما أشار إلى الترجيح من جهة وهي التحفظ من العمل الكثير في الصلاة على ما بيناه نحن، ولكن في قبالة التحفظ عن أصل تضييع أصل آخر، وهذا جائز في الروايتين جميعا، وإنما يبقى بعد هذه الموازنة ما بين كل جهة من هذه الجهات وما قابلها، وهذا يدق وليس من شغل الأصولي، نعم، ولا هذا الذي أوردناه من شغله أيضا، وإنما ذكرناه هاهنا، وإن كنا أمليناه مبسطوا كما يجب مستقصى كل ما يتعلق به في كتابنا المترجم بشرح التلقين.
[ ٣٦٧ ]
وأما إن تعارض قول وفعل ففيه ثلاثة أقوال:
- أحدها: أن القول مقدم لكونه له صيغة تتضمن المعاني، والفعل جامد مقصور على فاعله.
- والثاني: أن الفعل أولى لأنه مما لا يحتمل]، والقول مما يحتمل، وما لا احتمال فيه أولى.
- والقول الثالث: أنهما سيان لا يرجح أحدهما على صاحبه، لما ذكرناه مما لكل واحد منهما من الترجيح.
وهذا يمثل "بقوله ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها"، مع ما رواه ابن عمر أنه "رآه على اللبنتين " الحديث. ويمثل بغير ذلك من الأحاديث.