اعلم أنه ﵇ لا يرى منكرا إلا غيره، ومتى سمع قولا أو رأى فعلا، فلم ينكره دل ذلك على جوازه وإباحته لمن أقره عليه، إذ لو كان حراما لأنكره، اقتضى هذا أيضا إباحته لسائر الأمة، لأن حكمه على الواحد حكمه على الجميع. هذا على مذهب الجمهور، وهو المعروف عند الفقهاء.
وذكر أبو المعالي هاهنا أن هذا القول إنما يصح إذ كان المقر على الفعل منقادا للشرع، سامعا مطبعا، وأما الأبي الممتنع كالكافر، فلا يكون إقراره عليه دالًا على الإباحة والجواز.
والذي قاله أبو المعالي في الكافر صحيح، ولكن في الذي قال في المناطق نظر، لأن المنافقين لو زنوا أو شربوا الخمر لأقام الحد عليهم، والحدود تغيير للمنكرات، وكذلك ينهاهم لو رآهم على معصية، لأن السكوت على الإنكار يوهم من سواهم جواز الفعل، لما كان المنافقون منقادين في الظاهر للشرع واقعين فيما يرغبون تحت أمره ونهيه، خوفا أو طمعا.
وألحق أبو المعالي بهذه المسألة الكلام على حديث مجزز، وذكر استلال الشافعي على الفعل بالقافية في الأنساب بحديث مجزز (ص ١٦٢) و"أنه ﵇ سر بقوله في أسامة وزيد: هذه الأقدام بعضها من بعض"، وذكر أن الشافعي اعتمد على هذا الحديث في
[ ٣٦٨ ]
العمل بالقافة، ورأى أن النبي ﵇ لا يسر بباطل، وذكر أن القاضي تعقب هذا بأن سرور النبي ﵇ (يحتمل أن يكون لأجل أن الجاهلية كانت تطعن في هذا النسب، وكانت ترى تصديق القافه فسر ﵇) بإكذابهم، ووقوع خبر يصدقونه بأمر يسوؤهم.
وأشار أبو المعالي [إلى] أن نهاية ما ينتصر به الشافعي أن يقال: إن القائف إذا [كان] يخطئ ويصيب، فالقيافة أمر لا يعول عليه ولا يوثق به، وأخبار مجزز لا يوثق فيها، فصحة الخبر مما لا يقره ﵇، وقد ذكرنا نحن في كتابنا "المعلم" هذا الحديث، واختلاف المذهب على قولين في الحكم بالقافة، ومذهبا ثالثا صار إليه أبو حنيفة، وذكرنا سبب الخلاف فمن تشوف إليه فليطالعه هناك.