اعلم أن المشهور الذي عليه الجمهور انقسام الأخبار إلى قسمين: تواتر وآحاد.
والتواتر عبارة عن كل خبر رواه مخبرون، فعلم صدقهم في خبرهم ضرورة.
والآحاد عبارة عما لم يحصل منه أكثر من غلبة الظن بصدق من أخبر، واحدا كان أو أكثر، ما لم تبلغ الكثرة إلى العدد الذي يقع العلم الضروري بصدقها في خبرها.
وذهب قوم من الأئمة إلى زيادة قسم ثالث على هذين القسمين فقالوا: الأخبار ثلاثة، خبر واحد، وخبر مستفيض، وخبر متواتر، وجعلوا المستفيض منحطا عن طبقة المتواتر، مرتفعا عن طبقة الآحاد، ورأى هؤلاء أن إثبات هذا القسم لابد منه، لأجل وجود خبر يخرج عن هذين القسمين اللذين حصر الجمهور التقسيم فيهما، وهو الخبر الذي يقع عنه العلم بصدق المخبرين، لكن العلم الواقع علم نظر واستدلال، لا علم بديهة واضطرار. قال هؤلاء: فإذا كان التواتر عبارة عما يقتضي العلم الضروري، والآحاد عبارة عن يقتضي الظن، يقي هذا الصنف من الأخبار لا عبارة عنه، فاقتضى الحال وضع عبارة عنه تميزه عن القسمين، ونستوفي بوضعها تقسيم سائر الأقسم.
وقد نوزع هؤلاء من وجهين:
- أحدهما: يتعلق بوضع التسمية، وذلك أن المستفيض مأخوذ من الفيض، من قولهم: فاض الإناء يفيض فيضا، وهذا لمعنى إشعاره بحقيقة ما قلناه في الخبر المتواتر أولى، لأن الخبر المتواتر يفيد أعلى مرتبة تفيدها الأخبار، فهو من هذه الجهة قد زاد على غيره وفاض.
وهذه مناقشة في عبارة واصطلاح، ولا طائل تحتها، ولا يناقش أهل الاصطلاح على عبارة يتفاهمون بها معنى في صناعتهم. كما يناقش المتكلمون على الحقائق، أو لا ترى الجمهور يطلقون خبر الواحد على ما رواه الاثنان، لما كان إنما يستفاد من الاثنين الظن لا أكثر منه، ولكن سومحوا بهذا لما كان قصدهم الاصطلاح.
[ ٤١٩ ]
والوجه الثاني من مناقشة هؤلاء الذين زادوا القسم الثالث، يتعلق بالمدافعة عن تصوير المذهب، وذلك أن أبا إسحاق الإسفراييني من جملة من أثبت هذا القسم الثالث الذي هو الخبر المستفيض، ومثله بالخبر عن النبي ﵇ الذي اشتهر عند أئمة الحديث، فلم ينكروه، ورأى هذا مما تعلم صحته علما نظريا، لا علما ضروريا، وكأنه استدل بالاشتهار مع التسليم، وعدم الإنكار على صحة الحديث، وقطع على صدقه.
وقد أشار ابن فورك إلى طريقته هذه في صدر كتاب "مشكل الحديث" الذي صنفه، وتمثل في هذا بخبر: "في الرقة ربع العشر"، وبخير: "في مائتي درهم خمسة دراهم"، وشبه ذلك.
وأنكر أبو المعالي أن يكون هذا طريقا إلى العلم، ورأى أن التسليم وعدم الإنكار من أئمة الحديث لا يقتضي أكثر من الظن، وذكر عن ابن فورك أنه قال في بعض مصنفاته: إن الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول يقطع بصدقه، وأنه فصل القول في ذلك أيضا في بعض مصنفاته، فذكر أن القطع إنما يتحقق إذا تلقوه بالقبول قولا وعملا، وأما مجرد العمل فلا يكون طريقا إلى القطع، لأنهم متعبدون بالعمل بخبر واحد، وذكر أن القاضي ابن الطيب لم يسلم القطع، ولو تلقوه بالقبول قولا، لأجل أن التلقي بالقبول وإظهار التصديق يكون مستندا إلى ما حصل لهم من غلبة الظن بصدق العدل فيما رواه، وتصديق العدول غير مستنكر. فقيل للقاضي: فلو صرحوا بأن التصديق لم يصدروه عن ظن بل عن قطع. فقال: هذا لا يقع، لأجل أن قطع الأمة على أمر مجوز من غير طريق يقتضى القطع خطأن والأمة معصومة عن الخطأ. وهذا الذي أورده أبو المعالي من التعقب فيما مثل به الإسفراييني صحيح.
وأما الحكومة بين ابن فورك والقاضي ابن الطيب ﵄، فيما نقلناه عنهما، فإن ما أظهره القاضي صحيح من أن الأمة لا تجمع على خطأ، وما ذكره ابن فورك صحيح في أن إجماعها على أمر ما يتضمن القطع منا بصحة ما أجمعوا عليه فصحيح أيضا، ولكن الإنصاف [الـ]ـتفصيل في تصديق الخبر المروي، فإن لاح من سائر العلماء مخايل القطع والتصميم، وأنهم أسندوا التصديق إلى يقين فلا وجه للتشكيك، ويحمل عليهم أنهم علموا صحة الحديث من طريق خفيت عنا، إما أخبار (ص ١٩٠) نقلت تواترا واندرست، إن كان الخبر مما يصح اندراسه، أو من غير هذه الطريقة. وإن لاح منهم
[ ٤٢٠ ]
التصديق مستندا إلى تحسين الظن بالعدول، وبدارا إلى القبول من جملة السنن، وانقيادا إليهم، فلا وجه للقطع.
وقد رأيت ابن فورك في صدر كتاب مشكله الذي صنفه في الحديث أشار إلى غثبات هذا القسم قسما ثالثا، وصرف العبارة إلى كل خبر يعلم صدقه بالنظر، ويكون العلم الواقع عن ذلك الخبر علما مكتسبا نظريا. وقد يمثل في هذا الصنف بمثال يسلمه القاضي، وهو رواية أحد الصحابة أنه كان في غزاة كذا مع النبي ﷺ "فرآه يتوضأ والماء ينبع من بين اصابعه"، ويتوضا الناس، وأشار إليهم ولم ينكر عليه أحد ما قال، بل يطابق الخلق والجم الغفير على السكوت عن الإنكار عليه، فإن ذلك يستدل به على صحة خبره، وهذا مبسوط في كتب الأصول في الكلام في معجزات الرسول ﷺ.