اعلم أن هذه المسألة تكلم عليها أصناف من المنتحلين للعلوم، منهم الفلاسفة، والأطباء، والمتكلمون والفقهاء.
أما الفلاسفة فهم قوم يزعمون أن المقصود من علمهم البحث على حقائق الموجودات وأسبابها، والعقل من أشرف الموجودات المحدثات.
وأما الأطباء فإنهم يرون أن المقصود من علمهم معالجة الأمراض، ومن أشدها مرض العقل، فيفتقرون إلى معرفته على الجملة.
وأما المتكلمون فإنهم أهل النظر، والاستدلال، ولا يتم النظر والاستدلال إلا بعد حصول العقل، فيفتقرون في معرفة مقصودهم إلى البحث عما لا قوام له إلا به.
وأما الفقهاء فمقصودهم معرفة أحكام التكليف، ومن شرط لزومها العقل، فيفتقرون إلى معرفة ما هو شرط في مقصودهم.
فكل واحد من هؤلاء [له] في تفسير العقل ما يليق بصناعته.
[ ٨٣ ]
فأما الفلاسفة فإن منهم من يقول: إن العقل شيء لطيف يشابك الأشخاص، وتسلسل () الفلسفة على هؤلاء تفسير هذا اللطيف، فقالوا: هي جزئيات تنحل من كلي الفلك الأعلى الذي هو العقل () ومحركها، ومدبر العالم، وإنما تشابك جزئياته الأشخاص الإنسانية عند كون مزاجها، و[آلا] تها على () ما فاض عليها من هذا العلوي، فإذا خرجت من هذا الاعتدال نافرت هذا المشابك، ولم تقبله () قوة طبيعية يميز بها حقائق المعلومات.
وأما الإسلاميون فجمهورهم يصرف العقل إلى العلوم و() [بعض المتكلمين] يرونه غيرها.
فمنهم أبو المعالي، فقد صرح في كتابه بكونه خارجا عن العلوم وأضاف [هذا] المذهب إلى المحاسبي، بعد أن كان في أول عمره اشتد إنكاره في تصانيفه على من أضاف هذا () المذهب عنه، وذكر أنه أعلى قدرًا وأجل نظرا من أن يقول هذا، وتأول مقاله هذا، أن لو صح نقله عنه [وإذا] أطلق المعرفة فإنما يريد بها معرفة الله سبحانه، فلعله أراد أن العقل ليس هو معرفة الله سبحانه، ولم () أراد بالغريزة هاهنا العلوم الضرورية التي جبل الإنسان عليها، وهي غريزة فيه، ونهاية () [أرا] ده في إنكار إضافة هذا المذهب لأحد م السنة، ثم وقع فيه الآن.
ولكنه في آخر عمره () المعتزلة أن العقل هو ما يصرف عن القبيح، ويدعو إلى الحسن، فإن أرادوا بهذا الصارف () الطريقة التي سلكها أبو المعالي، وإن أرادوا إنما العلم الذي به يصرف عن القبيح () العقل هو ما لا يصح الاستدلال [إلا] به، فإن أرادوا (الع ) آخر غير العلم و().
[ ٨٤ ]
(ص ٢٠] العقل هو العلم وتابعه على هذا الشيخ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وقال الجبائي: هو العلم الداعي إلى الحسن، والصارف عن القبيح، وقالت الخوارج هو أن يعقل عن الله سبحانه أمره ونهيه، وقال بعض الناس هو ما يميز خير الخيرين، وشر الشرين. وهل هذه المذاهب متقاربة المرمى؟ أما الأشعري فجرى على تحديد الشيء باسمه الذي هو أوضح من الاسم الذي سئل، عنه وهذا كحد العلم بالمعرفة، وقد تقرر أن أهل اللغة يطلقون هذه العبارة على معنى واحد، فيقولون عقلت هذا الشيء، وعلمته، وعرفته، وفهمته، ودريته، وزكنته، إلى غير ذلك من الألفاظ، فاقتضى هذا أن العقل هو العلم، كما أن العلم هو المعرفة.
وأما الجبائي فسلك هذا المسلك، لكنه التفت إلى اشتقاق هذه التسمية، وهي مشتقة من المنع، ألا تراهم يقولون عقل بطنه ( ت)، وعقلت البعير، ويسمون عصبة الإنسان عاقلة لما كانت تمنع، فبمقتضى هذا لا يسمى من العلوم عقلا إلا ما يحصل فيه معنى هذا الاشتقاق، وهي العلوم المانعة، ولهذا لا يسمى علم الله عقلا، إذ هو المتقدس عن المانع، وإنما سميناه حكيما وإن كان في الحكمة معنى العقل، لأن هذه اللفظة مأخوذة من حكمة الدابة، وهي الحديدة التي فيها، اتباعًا للشرع في إطلاق هذه التسمية، وعلى هذا المعنى جرت بقية المذاهب التي ذكرناها، لأن فيها معنى المنع.
وأما القاضي فإنه ذكر أن العقل بعض العلوم الضرورية، واختلفت إشارته إلى تعيين هذه العلوم، فقال مرة: هي العلوم الضرورية بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، وأشار مرة إلى التحديد، فقال مرة هو العلم باستحالة اجتماع الضدين، وأن العلوم لا تنفك عن ثبوت أو انتفاء، وأن الموجود لا ينفك عن حدث أو قدم، والعلم بمجاري العادات ككون الجبال لا تسير، والبحار لم تفجر، وأن الخبر لا ينفك أن يكون صدقا أو كذبا.
ونازعه أبو المعالي في بعض هذه الوجوه، فقال: الأخرس على الحقيقة من لا كلام بقلبه، ولا لسانه، ولكنه إذا انصاف إليه الضمير لم يعقل معنى الخبر، ومن لا يعقل أصل الشيء لا يعرف أقسامه وأحكامه، وقد جزم القاضي القول في كون هذا غير مكلف، إذا لم يتأت إفهامه بالإشارة، وردوا القول في كونه عاقلا.
وأولى من هذا الاعتراض [إنه] قد يستثنى عن أفراد عن القسم بالذكر، لأن قوله: من أركان العقل أن يعلم أن المعلوم لابد أن يكون ثابتا أو منتفيا، لم يرد بهذا تعيين [ذلك] وإنما أراد أن يعلم أن هذا من حكم المعلوم على الجملة، وكون الخبر لا ينفك عن الصدق
[ ٨٥ ]
أو الكذب يعود إلا ()، أيضًا قوله في موجب العادات وزعم أن لمن لم يطلع على الأمور التي يستنبط منها العادة كمن خلق فريدا لا يعلم العادات ( بذا) عاقل.
والقاضي إنما أشار إلى العلم بما في حق المطلعين على أسبابها، فسقط عنه الاعتراض بهذا الذي () لذلك اعترض عليه بأن العلم باستحالة اجتماع الضدين قد أنكره قوم، وجوزوا اجتماعهما، على حسب ما يقوله أهل الكمون والظهور، وقال قوم أيضًا بأن العلم باستحالة اجتماعها نظري، والنظري لا يعد ركنا في العقل، وهذا أيضًا يجب () لا يلتفت إلى خلاف من خالف في استحالة اجتماعهما.
وأهل الكمون والظهور تخيلوا في الكمون معنى () حالة ومن قال إن ذلك علم نظري فإنما قال ذلك لمعنى آخر مبسوط في مواضعه.
وقد قال بعض أتباع القاضي: إن العقل ( حد). فرأى العقل هو العلم الحاصل للعالم بأنه عالم، فإن المعلوم لا ينفك عما قلناه، وكذلك الموجود لا ينفك [عن القدم أو الحدوث] () إلى هذا التخيل المحافظة على أصول مهددة، وهي كون العاقل حصل على حكم، وحال، وكون الأحوال في مثل () ومن شرط العلة أن تكون واحدة في الأحكام العقلية، وهذا إفراط في التخيل في حفظ أصل، إلا () لا ي أصل آخر، قد علم أن من علم معلوما فعلة أنه عالم به هو نفسه علمه بذلك المعلوم، ومعلوم أن العلم [لا يخلو] من ثبوت أو نفي غير () قدم أو حدث على ما أشار إليه (ما ) عالم هو () يصح له () (ص ٢١) الخبر لا ينفك عن الصدق والكذب، فليعد مثل ذلك الجواب هاهنا، ويقال العلم بأن الموجود لا ينفك عن حدث أو قدم، معناه إثبات الأزلية لهذا الموجود أو نفيها عنه فعاد هذا التقسيم داخلا في قولنا من أركان العقل أن يعلم أن المعلوم لا ينفك من ثبوت أو نفي.
[ ٨٦ ]
وإن لم يسلك هذا المسلك، قلنا: هذا مما لا يقال، انطلاق هذه التسمية التي هي العقل على أعذار أشرنا إليها، ولا يحد أيضًا لأنه لا يلوح معنى تجتمع فيه هذه الأعذار ويتميز به عما سواها.
وقد أحسن القاضي في أن صاغ في هذه المسألة لنفسه دليلا، اشتمل على نقض سائر المذاهب على كثرتها سوى مذهبه، وبحث عن الحق بالتقسيم فقال: لا يمكن أن يكون العقل عدما إذ العدم لا تخصيص له بالذوات، فيقتضي كون شخص عاقلا، دون شخص آخ، فثبت كونه موجودا، ولا يصح أن يكون هذا الموجود قديما، إذ لا اختصاص له أيضا بذات دون ذات، ولا يصح أيضًا أن يقوم بالقدم كما تقوم به الصفات، فثبت كونه محدثا، ولا يصح كونه جوهرا لتماثل الجواهر، فليس العقل بأن يكون هو العاقل أولى من أن يكون العاقل هو العقل.
وأيضا فإنه لا يصح قيام جوهر بالعاقل كما تقوم به الصفات، فثبت كونه عرضا، فلا يصح أن يكون الأعراض كلها، لأن من لا يتحرك، أو من لا يتكلم فذو عرض وهو عاقل، فصح أنه بعضها، ولا يصح أن يكون هذا البعض خارجا عن العلوم، لاستحالة وصف من لا علم له أصلا بأنه عاقل فصح أنه من العلوم، ولا يصح أن يكون كلها، لأن منها دقائق علوم النظر، والأبله المغفل لا نظريات عنده، وهو مع هذا عاقل، فصح أنه من الضروريات، ولا يكون كلها، لأن الأعمى والأصم فقدا علوما ضرورية، وهما عاقلان فصح أنه بعض العلوم الضرورية، وهذا نهاية ما أنهى إليه القاضي مذهبه على اختلاف عنه في العبارة عنه (قد ته).
وهذا دليل كما تراه قد بحث عن الحق بالتقسيم المنحصر بين النفي والإثبات، وهو من أجل طرق الاستدلال لكن أثار أبو المعالي في أحد هذه الأقسام منازعه أدته إلى الخلاف في حقيقة العقل كما حكينا مذهبه فيه فقال، العقل صفة (خ ) العلوم ()، والانفصال عن ما أبطل به القاضي هذا الوجه أن يجعل العلوم شرطا في وجود العقل الذي هو خلافها فلا ( ها) مع فقدان العقل، كما لا ينكر امتناع وجود العلم مع
[ ٨٧ ]
فقدان الحياة، وهذا الذي قاله جواب القاضي عنه ().
وهذه المسألة من هذا الطرف، وهو امتناع وجود المشروط دون شرطه، فانظر إليها من الطرف الآخر، وهو صحة وجود الشرط دون مشروطه، فإن كانت العلوم شرطا في هذه الصفة التي هي العقل عندك فلتجز وجود هذه العلوم التي هي شرط مع فقدان العقل، وهذا لا يجوزه عاقل، فإن تعدي هذه المرتبة، وزعم أن هذه الصفة لازمة الوجود للعلم، كملازمة الجوهر للعرض، قيل له هذا يهدم أصلا عظيما، فلتجوز أن يكون القادر إنما كان قادرا للقدرة و() لم يقم على إثباتها دليل، وإن كنا نعلم ارتفاع كونه قادرا عند ارتفاع القدرة، وثبوت كونه قادرا عند وجود [القدرة و] العرض المقدر يلازمها في الوجود، ولتجوز مع هذا العرض عرضا آخر هكذا أبدا في القدرة وفي غيرها من الصفات.
[واعرض] عليه أبو المعالي في تصحيح مذهبه، وإفساد مذهب القاضي بأن قال: لو كان العقل علما ضرورية لم يكن من انتفت الفكرة عاقلا لكونه ذاهلا عن هذه العلوم الضرورية.
فهذا يجيب القاضي عنه بأن هذا في حكم العالمية () المؤمنين، وإن كان الإيمان غير خاطر بباله حين غفلته لكونه إذا أشغل نفسه بفكرة أذهلته عن هذه العلوم () إذا اختار أحضرها في نفسه في الحال، ففارق حال الطفل الرضيع، والكبير المجنون، فإن محو هذه المعاني ( يا بديها) ولا ردها، مصروف إليها، فليست هذه العلوم في نفوسها حاضرة موجودة بالعقل، ولا موجودة بالفعل، ( سوا) لا اعتراض به في كتب علم الكلام على () كان أركان () (ص ٢٢) على الجملة.
فلنذكر الآن طريقته في البحث عنه على التعيين، فاعلم أن كل علم يشار إلى الخالي منه بأنه ليس بعاقل. وكذلك في عد ذلك العلم ركنا من أركان العقل، لأنه لو لم يكن كذلك لم يوصف العاري منه بكونه غير عاقل، وهذه جملة واضحة مسلمة، لكن أضيف إليها أن
[ ٨٨ ]
كل علم يوجد بالعاقل، ولكن يشاركه فيه من ليس بعاقل، فإن هذا العلم لا يعد ركنا من أركان العقل، ولهذا لم يعد العلم بوجود اللذة والألم، والعلم بالنفس، والميز بين الكثرة والقلة من أركان العقل، لما كانت البهائم ومن ليس بعاقل من الناس تحصل له هذه العلوم عندي للنظر فيه مجال.
وهذا مسلم لو قلنا إن هذه العلوم المشار إليها هي جملة العقل، لأنا لو قلنا ذلك اقتضى ولابد كون هذه العلوم ليست من العقل، لوجدنا إياها فيمن ليس بعاقل، ولا يصح أن توجد العلة مع عدم حكمها، لكنا نقول: العقل جملة علوم، فلا يبعد أن تكون البهائم تحصل على بعض هذه العلوم، ولا تكون عاقلة لفقدانها ما فقدت من بقية العلوم، وهذا واضح لكن قد نقول من انتصر لطريقة القاضي إن جملة العلوم التي يشار إليها بأنها عقل لا يمكن افتراقها حتى يوجد منها بعض ويفقد بعض، فلو كانت هذه التي يتكلم عليها معدودة في العقل لما صح وجودها فيمن ليس بعاقل. وهذا نهاية ما يقال في هذه الطريقة، وهي مفتقرة إلى نظر يدق، ويتشبث بالنظر في قوانين من أحكام العلل، وطريقة القاضي تقتضي أن العقل مما لا يعلل، ولا يحد كما تقدم بيانه.
وأما من حكينا عنه أنه حد العقل بأنه ما لا يصح الاستدلال إلا مع وجوده، فإن طريقته أكشف بمعنى العقل من سائر الطرق التي ذكرنا، لولا ما تعقب عليه من أن النظر ما يفتقر أن يبني على علوم ضرورية ليست من العقل، وهذا التعقب لازم إن أراد من حكينا حده الإشارة إلى كل نظر.
وأما طريقة الجبائي ومن ذكرنا أنه يسلك مسلكه فإنما يرد بالدليل الذي حكينا عن القاضي، وذكرنا أنه اشتمل على نقض سائر المذاهب، وهذا المذهب من جملتها، ويختص برد آخر، وهو ما قدمناه، من إسناد التحسين والتقبيح إلى السمع، ولا أحد يقول إن مدارك السمع تعد ركنا من أركان العقل.
وقد حكينا سلوكه هذا المسلك، وتقييده العقل بالميز بين خير الخيرين، وشر الشرين، فإنما دعاه لذلك اعتقاده أن البهائم تميز بين خير وشر، فتنفر عن ذابحها، وتحن لعالفها، لكنها مع هذا يقصر ميزها عن ترجيح بين خير وخير، وشر وشر، وهذه الحدود كلها مطلوبة، والطريقة (الحد ) أن الإنسان يميز ما بينه وبين الجماد، فيحد الجماد [بأنه ما] لا حس له ولا إدراك، ولا حياة، ثم يرقى عن هذه الطبقة فيميز بينه وبين البهائم، وإن كانت حساسة دراكة، فإنه باينها بمعارف، وميز، وفكرة يستنبط بها حقيقة ما يفكر فيه، ثم يفرق بينه وبين الطفل الرضيع ()، فيجد أحدهما قد كان قابلا بما اختص به
[ ٨٩ ]
العاقل، ولكنه عري عن هذا بعد انصافه به، ويمكن في العقل () الاتصاف به، ويد الطفل الرضيع لم يوصف بذلك، ولكنه جار إلى أن يوصف به إن عاش إلى الحلم، وسلم من الآفات () وليس كل عاقل في نفسه فرق ما بين بعضها وبعض، لكن جمهور العقلاء لا يحسنون العبارة عن هذه الفروق () وهم [كل] بحسب مقتضى صناعته، فيقول الطبيب: قد علمت أن الجسم له أفعال طبيعية واختيارية، وأفعال آلية، وغير ().
على هذه الطريقة في البحث على ما يعرفه أهل هذه الصناعة مما لا يمكننا إيراده هاهنا، فيخرجه ذلك إلى أن العقل قوة طبيعية، كما يخرجه البحث إلى إثبات أربع قوى في الطعام، جاذبة، وممسكة، وهاضمة، دافعة، ويقول القوة الطبيعية هاهنا فقدت أصلا من البهائم، وفقد أيضًا من البهائم المزاج القابل لها، وفسد في الكبير والمجنون، المزاج القابل لها () الاعتدال المناسب لها فقد العقل، ويطمع الطبيب بأن يصلح مزاج هذا حتى يعيده إلى ما كان عليه، فيعقل ( عية) عندما عاد () الطفل الرضيع لم يكتمل فيه هذا المزاج، ثم فسد فأطمع () هذا المزاج () قليلا كما للكامل (أع ) لعقل (ص ٢٣) هيولاني وعقل بالفعل، وعقل بالقوة إلى غير ذلك من تخاليطهم.
ونحن نسلم على الجملة بأن العقل لا يكون مع فقدان سائر العلوم أصلا، وأنه حاصل مع وجود جميعها، ونعلم أن العلوم المشار إليها هاهنا في الممكن أن يخلقها الله سبحانه في جوهر غير منضم إلى شيء آخر، ولا مفتقر إلى شيء آخر، لكن قد علم أن هذه العلوم إنما تكون في بنية مخصوصة، ومزاج معلوم، واعتدال ما، وهذه الأمور المفتقر إليه عادة عندنا، وعقلا عند غيرنا، ومن خلق الله سبحانه عندنا، ويمكن أن يكون لها أفراد أخر،
[ ٩٠ ]
وكم في العالم من شيء مربوط بغيره إلى أعداد كبيرة.
لكن هاهنا يختلف المسلمون ومن سواهم، فالمسلمون يقولون: الجميع خلق الله سبحانه، والمحققون من المسلمين [يرون] هذه الارتباطات عادات، سنة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وغيرهم من المخلطين، يخطبون في الظلمات، ويظنون أنهم يبصرون وهم في عمى.
فيقول بعضهم بالطبيعة، وبعضهم بالتولد، وبعضهم يربط شيئا بشيء، ويجعل واحدًا كائنًا عن واحد، حتى ينتهي إلى الفلك الأعلى فتفيض منه قوة على كل شيء فيأخذ كل شيء منها بقدر ما يقبل مزاجه المناسب لذلك الفيض، كالشمس نوره يسطع إذا أشرق على الأرض الكثيفة الصقيلة التي لا حائل بينها وبينه، ويفيض إشراقها على ما ليس بكثيف، ولا صقيل، وبينه وبينها حائل من غمام ونحوه، فيكون الإشراق بخلاف الأول، وما ذاك إلا لأن القابل من الشمس هاهنا خلاف القابل الآخر، وإلا فنور الشمس على حال واحدة، وكذلك الإنسان خلق في قلبه أو دماغه مزاجا ونورا، يقبل من هذا النور الأعلى بمقدار ما تحمله هذه الغريزة، والفطرة المخلوقة في الإنسان فهي مفقودة في البهيمة وموجودة بالكبير المجنون، ولكن حال بينها وبين القبول حائل كما يحول السحاب بين الجبل والشمس، فلا يلوح عليه إشراق الشمس، وقد يلوح عليه ضعيفا، بقدر السحاب. ولهذا اختلف أحوال العقل والعاقلين، فواحد فيه مبدأ هذه الغريزة، ولكنها لم تكمل كالطفل، وآخر بخلاف.
فإلى هذا المعنى يرمز أبو المعالي، وهو مبلغ علمه، الذي أشار إليه على الجملة، لكن مسلكه فيه، غير مسلك أهل الإلحاد والتعطيل، وهو يعتقد أن الكل خلق الله سبحانه، وأنه قادر على خلق كل واحد من هذه الأمور، والروابط، من غير استناد إلى مخلوق آخر، ولا يعتقد أيضًا أن العلوم أنوار، ولا أن المحدث يفعل في غيره، ولا أن الفلك يخلق أو يؤثر، لكنه يرى افتقار (ال ) معان أخر، إذا كملت في الإنسان كان عاقلا، وبكمالها وانتفاء الآفات عنها تكون كثرة علومه، ومعارفه، لكنه يبسط طريقته على أسلوب آخر، من أحاط علما بما قلناه جملة وتفصيلا تفطن لطريقته التي أشار إليها.
وإنما بسطنا القول في هذا قليلا لما رمز إليه أبو المعالي، لئلا يسبق إلى ظن الهجوم المجترئ سوء الظن بأبي المعالي، وبنسبه إلى الميل إلى مسلك لا يسلكه المحققون من المسلمين.
[ ٩١ ]