اعلم أنا قدمنا في أول الكتاب تعليم استخراج الحدود في كل محدود، وهذا منه، وذلك أن الأمر نوع من أنواع القول، والقول كالجنس لهذا النوع، وقد يكون الجنس نوعا بالمقايسة إلى ما قبله، وإلى ما هو أعم منه، فالقول صفة، ولكن ليست كل صفة قولا.
ألا ترى أن الألوان والأكوان صفات، وليست بأقوال، فالقولية يميز الأمر بما هو كالجنس، وليست كل قولية أمرا، لأن الأخبار أقوال وليست من الأمر، فلابد من ذكر ما هو كالنوع أو كالفاصلة بهذا الجنس، حتى يتميز الأمر من غيره من الأقوال.
وعند النظر في هذا الميز اختلفت عبارات الأئمة اختلافا كثيرا.
فقال بعضهم: هو القول: افعل.
[ ١٩٢ ]
وقال بعضهم لا () في هذا، فيقال: هو قول القائل: افعل لمن هو دونه () المسألة.
وبعضهم (ص ٧١) يرى أن قوله، وتعرضه لذكر الطاعة كالتنبيه، بعينه عن هذه الزيادة، لأن السائل ربه، والمهدد لغيره بقوله: افعل، يقتضي بقوله طاعة.
وقال بعضهم: الأمر ما كان المأمور بامتثال موجبه مطيعا.
وقال بعضهم: ما اشتق للأمر منه اسم آمر.
وقال بعضهم [ما] اقتضى الفعل، وربما عبر بعض هؤلاء فجعل مكان الفعل الطاعة، وقد تختلف عبارتهم، ومعناها ما ذكرناه.
وقال بعضهم: هو القول الدال على وجوب المأمور به، ويرى هؤلاء أن هذا يتخلصون [به] من السائل ربه، ومن المهدد بالقول: افعل. إذ ليس في شيء من هذا إيجاب، وهؤلاء مقتضى حدهم إنكار كون الندب أمرا، وبعض من سلك هذه الطريقة يشير إلى هذا المعنى الذي يجوز به هؤلاء.
وقد قدمنا قولهم في افتتاح نقل المذاهب، فنقول: هو المقتضى به الفعل، أو القول على جهة الترغيب أو الترهيب. وهؤلاء إنما أرادوا مع ذكر الترغيب والترهيب إحدى العبارتين: الاقتضاء، أو القول: افعل، أو ما في معنى ذلك، نقلناه بمعناه.
وقال أبو المعالي هاهنا: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به. وكأنه في هذه الطريقة جانب طريق هذه الحدود، لأن هذه الحدود لم يتعرض فيها إلى تخصيص الحد بالأمر النفسي، دون اللسني، وهو قد تعرض لتخصيص الحد بالنفسي خاصة، ولهذا قال: "المقتضى بنفسه"، إذ الأمر اللسني إنما يقتضي مقتاه باصطلاح المخاطبين، أو بالتوقيف، وذلك ليس بأمر عقلي، وحكم النفسي لا يتبدل ولا ينقلب، لأنه يصح تبديل اللغات، وانعكاسها، وما في النفوس من الاقتضاء لا يتبدل ولا ينقلب، لأنه يصح تبديل اللغات، وانعكاسها، وما في النفوس من الاقتضاء لا يصح أن تتبدل حقيقته، وتنقلب ذاته، كما لا يصح ذلك في العلوم، وغيرها من الحقائق.
ولأجل هذا أنكر أبو المعالي على المعتزلة اشتغالهم بحد الأمر، ورأى أنه لا يحسن التعرض إلى هذا على أصلهم، لأنهم أنكروا الأمر النفسي، وإنما أثبتوا الأمر اللسني، وذلك
[ ١٩٣ ]
ليس بمعنى ذاتي له ولا حقيقة عقلية، وإنما نحد الحقائق وتكشف عن المعنى الذاتي المخصص للشيء مما سواه.
وهذا الذي أنكره عليهم صواب، قوله فيه على إحدى الطريقتين عندنا، من الحدود، راجعة لأنفس المحدودات، وليست بتفاسير، وأما إذا قلنا إنها تفاسير فيصح أن يعبروا عن متبدل بمتبدل آخر أوضح منه، بخلاف أن تكون الحدود راجعة إلى حقائق المحدود الذاتية، فإنا أخبرنا أن هذا المعنى مفقود في الأمر اللسني، وتعرضه أيضا إلى قصر الحد على النفسي دون اللسني يظهر صوابه على أحد القولين عندنا من أن الأمر اللسني إنما يسمى أمرا مجازا، والحدود إنما تنصرف إلى الحقائق.
ألا ترى أن الأمر ينطلق على الأمر القولي وعلى الأمر الشأني، ومنه قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) يعني شأنه، لأن تسمية الشأن أمرا مجاز. فلهذا لم يلزم الحاد للأمر التعرض في حده إليه، مع أن قصد أهل هذه الصناعة السؤال عن الأمر القولي، لا الشأني. فكأن السائل عن حد الأمر، وإن أطلق سؤاله مقيد كلامه بقوله: ما حد الأمر القولي؟ فيكون الجواب هو غير تعرض إلى الأمر المجازي صحيحا مطابقا للسؤال.
وذكر أبو المعالي في حده تتميما بمعنى البيان، ولو أسقطه لم يفسد الحد، وهو قوله: بفعل المأمور به، لأن قوله: هو القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور، يغنيك عن هذه الزيادة التي هي القول: بفعل المأمور به، ولو قدر أنها تحرز من النهي لكان قد أغنى عن هذا التحرز، قوله: من المأمور به، لأن المأمور غير المنهي.
ونحن إذا قلنا بأحد القولين من أن الأمر اللسني يسمى أمرا حقيقة لم يحسن الاقتصار في الحد على أحدهما، بل من شرط الحد استيعابهما جميعا. كما أن المعتزلي إنما يتعرض لأحدهما، وهو اللسني خاصة، لأنه ينكر الأمر النفسي.
ولما كانت صناعة استخراج الحدود تضمنت اقتضاب الحد من لفظ كالجنس، والفاصلة، وتصور في العقل أن بالاقتضاء يميز الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر مما سواه من أنواع الكلام كان التحويم على عبارة عن هذه الفاصلة، فذكرنا قول من حد الأمر بأنه القول: افعل، واشرنا إلى تخطئته، لكون هذه الصيغة ترد، وليست بأمر كورودها من النائم، ومن الحاكي لأمر غيره، ومن المهدد، كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) ومن المعجم، كقوله: (كونوا حجارة أو
[ ١٩٤ ]
حديدا)، ومن المبيح كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا)، إلى غير ذلك من الأنواع التي تعد من مصارف هذه اللفظة.
وخطئ أيضًا أصحاب هذا الرأي بوقوع هذه اللفظة من الداعي لربه، والآمر من هو أعلى منه، وقد قال بعض أئمتنا: من أمر من هو أعلى منه لا يبعد أن () قيل إن احترز من احترز بقوله: لمن هو دونه، فقد أصلح بهذه (ص ٧٢) جانبا، وأفسد آخر، بهذا الإصلاح، وذلك أنه يخرج بهذا الإصلاح أمر الأدنى للأعلى، ولكن يدخل عليه أمر النظير للنظير، لأنه قصر الحد على وقوعه من الأعلى للأدنى.
وسلك أبو المعالي في تخطئة من حده بالقول: افعل، طريقة أخرى، وذلك أنه رأى أكثر الأوامر خارجة عن هذه الأحرف التي هي حروف افعل، كقولك: اسقني، أطعمني، وقولك: اسقني أطعمني ليس حروفه، حروف القول: افعل، وإن اعتذروا عن هذا بأنهم لم يريدوا الاقتصار على القول: افعل، وحصر الأوامر كلها في هذه الأحرف، وإنما أشاروا بها إلى هذه البنية والصيغة على حسب ما عرف من اصطلاح النحاة، قيل لهم: التصريح في حدكم إنما اقتضى ما ذكرناه، وهذا معنى آخر، لم يشتمل عليه لفظ حدكم، والتأويل لا يحسن استعماله في الحدود، وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في السؤال عن الأمر، لم كان أمرا؟ فنحن نقول في الأمر النفسي إنما كان أمرا لنفسه، والصارفون له إلى القول اللسني تعيينا أو ترددا بينه وبين غيره، يقولون في اللسني إنما كان أمرا لصيغته، وعليه جمهور الفقهاء.
ولما نوقضوا بما يصدر من النائم، والمهدد، وكون الصيغة فيه موجودة، وليس بأمر، قال بعضهم إنما كان أمرا بصيغته، وتجرده من القرائن، وعد النوم وإشعار التهديد قرينة صارفة له، وأجيب هذا بأن التجرد إشارة لعدم، والعدم لا يكون، ولا يعد علة، وأيضا فإن هذا كالتعليل بأمرين: الصيغة، والتجرد، ولا تعلل العقليات بأمرين.
ولما أحست المعتزلة بهذا، وكانت تنكر قول النفس، اضطرت إلى طلب حيلة أخرى، فقالوا إنما كان لإرادة إيقاع المأمور به، وعندهم أن الأمر يفتقر لثلاث إرادات: إرادة لإيجاده تحرزا مما يقع من النائم، فإنه وإن وقعت منه صيغة أمر، فليس بأمر، لعدم إرادته لإيقاعها. وإرادة ثانية لكون الصيغة أمرا، لأن اليقظان الغافل يحكي صيغة الأمر عن غيره، ولا يكون أمرا. وإرادة ثلاثة إلى إيقاع المأمور به.
[ ١٩٥ ]
وقد كنا قدمنا مذهبهم في اشتراط إيقاع المأمور به، ونقضنا عليهم في الفصل الذي قبل هذا. وأنت إذا علمت ما نبهناك عليه، من النظر في الحد؛ هل يرجع لذات المحدود أو التفسير؟ انتبهت هاهنا إلى ما قاله هؤلاء في إبطال التعليل على الفقهاء بالصيغة والتجرد، لأن هذا الإبطال الذي ذكروه إنما يتحقق في تعليل العقليات، وأما تعليل الاصطلاحات فلا يستحيل فيه استعمال مثل هذا، فانتبه لما نبهناك عليه.
ولما ذكرنا مذاهب المعتزلة في افتقار الأمر إلى ثلاث إرادات اقتضى ذلك تبين أصولهم في أحكام الصفات التي يبني عليها هذا، فاعلم أنهم قالوا بافتقار الأمر إلى ثلاث إرادات لأجل ما اعتللنا به عنهم، سوى الكعبي فإنه ذهب إلى أنه إنما يفتقر إلى إرادتين، فأسقط من الثلاثة المتقدمة إرادة كونه أمرا، وذلك أنهم يقولون إن الصفات التي ليست بمعان قائمة بالذوات تنقسم إلى ما يعم حال الوجود، وحال العدم، وإلى ما يخص حال الوجود خاصة.
فالتي تعم حال الوجود والعدم هي الصفة التي هي أخص الأوصاف كالسوادية مثلا في السواد، فإن هذه الصفة تثبت بالسواد حال العدم والجود، وإذا ثبتت اقتضى ثبوتها صفات الأجناس العمة كاللونية والعرضية، فوجب لهذا أن يثبت في العدم للذوات، ما ذكرناه من الصفات الخاصة والعامة.
فإذا حصل الحدوث للذوات العدمية تبعته صفات تنقسم إلى قسمين: واجبة وجائزة. والواجبة لا تفتقر إلى مقتض، مثل تحيز الجواهر، وقبولها للعرض، وافتقار العرض إلى محل، ومضادته لما يضاده، وإيجاب العلل أحكامها، وبينهم اختلاف في الحسن والقبح هل هو من هذا القبيل، أو من القبيل الذي قبله، وهو الثالث حال الوجود والعدم، والجائز يفتقر إلى مقتض فالإحكام يفتقر إلى العلم عند أكثرهم، وإلى الإرادة عند أقلهم، ويشرط هؤلاء كون المريد عالما.
ومال ابن الجبائي منهم إلى مذهب ثالث يوافق ما عندنا، فقال: لو قيل إن المؤثر ففي الإحكام هو القدرة لكان مذهبا، وهذا مذهب لم يقل به أحد منهم، وإنما يرون أن القدرة تؤثر في الصفة الجائزة في الإحداث خاصة، ووقوع الصيغة أمرا وتهديدا، وإن وقعت أمرا وإيجابا، أو ندبا، يفتقر إلى الإرادة، وكذلك ما جرى على هذا الأسلوب من إيلام بعض الأشخاص استصلاحا، أو عقوبة، وإيقاع السجدة لله تعالى أو الوثن، إلى غير ذلك من مصارف الألفاظ، والأفعال المترددة بين أمرين أو أمور، وكذلك إرادة اللفظ المؤثر فيه.
[ ١٩٦ ]
وقد صار الكعبي إلى إلحاق هذا الاسم بما ذكرناه في قسم الصفات التابعة للحدوث، فرأى أن الأمر إنما كان (ص ٧٣) أمرًا لنفسه، ولم يفتقر في ذلك إلى إرادة تصيَّره أمرًا، وكذلك إنما اختص الأمر بكونه واجبًا دون أن يكون ندبًا، أو ندبا دون أن يكون واجبا لنفسه، وقد اختص الأمر الإيجابي بصفة نفسية، هي خلاف الصفة النفسية التي اختص بها الأمر الاستحبابي، وهذا سبب الخلاف بينه وبين أصحابه، وذلك أنه لما قدر أن هذا الاختصاص واجب لا يجوز غيره، لأن في تجويز غيره انقلاب الذوات، وصفات الأنفس منع من افتقاره إلى مقتض، بناء على أصلهم أجمعين في أن الواجب لا يعلل، ولما رآه من الصفات الجائزة افتقر إلى مقتض يخصه بأحد الجائزين، وما ذاك عندهم إلا الإرادة. فهذا تلخيص مذاهبهم وبيانها.
وأما نحن فإنا نذكر مذاهبنا في هذه الأصول، فصلا، فصلا.
أما ما أثبتوه في العدم، فلا حاجة بنا إلى ذكره، لأننا ننكر أشد الإنكار كون الذوات ثابتة في العدم، ومن أنكر أصل الثبوت، فلا شك أنه ينكر صفات الثبوت.
وأما الحدوث فإنه عندنا متعلق بقدرة الله سبحانه وهو الإيجاد للفعل، وأما ما يتبع الحدوث مما لا ينفك الحدوث منه كالحيز، وما عددناه معه، مما سلمنا كونه من الصفات الواجبة فإنا إن أنكرنا الأحوال لم نحتج في هذا إلى النظر في مقتض، لأنه ليس هاهنا أكثر من الوجود، وقد قدرنا أن الإيجاد من تأثير القدرة، وإن قلنا بالأحوال فللقاضي قولة، كما قال القوم من أن هذه الصفات لا تتعلق بالفاعل وهذه الحال لا تكون بالفاعل بل تحصل من جهة إيجابها بعد تحقق الحدوث، وله قولة أخرى، وهي الصحيح، من أن هذه الأحوال إنما تثبت بالفاعل، لأنها تجدد، والمتجدد الحاصل بعد أن لم يكن حاصلا يفتقر إلى مجدد يجدده، وفاعل يصيره حاصلا. وهذا فصل يتعلق بغامض أحكام متعلقات القدر، وقد كنا أشرنا إلى شيء ينخرط في هذا السلك حيث تكلمنا على كون أفعالنا مخترعة لنا، أو مكتسبة.
وأما الصفات الجائزة التابعة للحدوث فأما الإحكام فلنذكر حقيقته ثم ننظر في مقتضيه، فالإحكام إذا كان في الأجسام فالمشار به إلى اتصالها على نظام، أو افتراقها على وجه ما مخصوص، وذلك يرجع إلى مجرد الأكوان، والترتيب في الكائنات ليس بأثر، فيتطلب له مقتض زائد على مقتضى ذواتها، وقد تقرر أن مقتضى ذوات الأكوان وحصولها موجودة إنما كان بالقدرة، وبين أصحابنا اختلاف في الجوهر الفرد أو العرض الفرد، قيل: [لا] يتصور فيه معنى الإحكام، لأجل عدم تصور النظام.
وقد يرجع اختلافهم إلى مناقشة في عبارة، والحاصل من هذا أن الموجودات آحادها،
[ ١٩٧ ]
وجماعاتها كائنة بالقدرة، وأما اختصاص القول بالإرادة الأصلية، أو تعيين إفادة فيه مع تجويز ما سواها، فقد ذكرنا مذهب المعتزلة فيه، البصريين والبغداديين، فحكينا عن الكعبي شيخ البغداديين أنه يرى ذلك من الصفات الواجبة، وأصلهم أن الواجب لا يطلب له تعليل، والبصريون منهم يرونه من الجائزات فللقول عندهم حال اختص بها حتى كان بهذه الحال إيجابا، وهي خلاف الحال التي اختص بها الندب، حتى كان ندبا.
والقاضي قد اختلف قوله في هذا أيضا فأنكر مرة هذه الحال، ورأى أنا تقطع على تماثل الصورتين وهي القول: افعل، والمتكلم موجب، والآخر نادب، وسبقه الكعبي في اعتقاده اختلاف هاتين الصورتين ومصيره إلى اختلاف هاتين الصيغتين، وأنكر استبدال القول: افعل، وهو موجب بصفة نفسية دون القول: افعل، وهو نادب، وأشار إلى مكابرة البديهة، وقطع القول بتماثل الصيغتين والقطع بالتماثل يمنع من استبداد أحد المثلين، بصفة دون الآخر. وصار مرة أخرى إلى ما قاله البصريون من إثبات حال لهذه الذوات.
وهذه مقالة يسرع لأجلها القول إليه بالقدح فيما قرر أصوله عليه، لأنه إن أثبت اختلاف الذوات لاستبداد كل ذات بحال، ليست بحاصلة لذات أخرى، فقد سلم ما قال الكعبي من الاختلاف وإن تمادى على مخالفة الكعبي، وقال بالتماثل مع اختصاص أحد المثلين بحال لم تحصل للمثل الآخر فقد هدم أصل التماثل، لأن أصله أن التماثل لا يتحقق إلا مع التساوي في سائر الصفات المتعلقة بالنفس.
فإذا قلنا بأحد قوليه، وهو إثبات هذه الحال كما قاله البصريون من المعتزلة فإنه قد قال: المقتضي لهذه الحالة الإرادة، كما قاله البصريون، وقد قال مرة أخرى، وهو يذكر هذه الحال: لو كنت قائلا بإثباتها لجعلت مقتضيها القدرة بشرط الإرادة، فصار في هذا النوع قولان: هل هو أثر، وحال، أو ليس بأثر، ولا حال؟ وإن قلنا إنه أثر وحال، فما يكون مقتضيه؟ فيه قولان: الإرادة، وهو المنصوص عليه، والقدرة على حسب (ص ٧٤) ما حكيناه عن القاضي.
وأما قولهم في الصفات الواجبة التابعة للحدوث، فقد ذكرنا مذهبنا فيه، ومذهبهم، وحكينا اختلاف قول القاضي في ذلك، هل يتعلق بالفاعل أم لا؟ وهي مسألة ينجر إلى فصول الكلام دقائق، لا يمكن إيرادها هاهنا، منها ما أشرنا إليه من أحكام القدر، وتعلقاتها، وكون الباري سبحانه خالق لقدرنا باتفاق منا، ومن المعتزلة، وقدرنا خلقها الباري سبحانه متضمنة لمقدوراتها، فهل يكون فعلا له، وبه وقعت لإيقاعه ما تضمنه فيه ما قدمناه قبل هذا؟
[ ١٩٨ ]
ويتعلق بهذا الفصل أيضا تعليل الواجب، وهم يمنعونه، ونحن لا نمنع من تعليل الواجب، فلو سلمنا كون هذه الأوصاف التي عددناها من الواجبات لم يمتنع عندنا افتقارها إلى مقتض، وهم مروا على أصلهم في أن الواجب لا يفتقر إلى مقتض، على أنا نناقضهم، فيما قدروه واجبا تابعا لجائز، فنقول: قلتم الحدوث جائز فافتقر إلى مقتض، ولكنه إذا ثبت وجوب التحيز، فوجوبه يغنيه عن مقتض، فهلا قلتم بعكس هذا إن تحيز الجوهر جائز؟ فإذا أوقعه فاعله تضمن حصول الحدوث، لأن حدوث الجوهر وتحيزه مقترنان يستحيل أن يفارق أحدهما الآخر، وكون الحدوث أعم من التحيز لا يغني هاهنا، لأنا إنما ننظر في الجوهر فوجدنا حدوثه وتحيزه، قد تبين لا يفترقان، فمن أين لكم التحكم بأن تجعلوا أحد القرينين جائزا، والآخر يجب عنه؟ لأجل استحالة المفارقة، دون أن تجعلوا الأمر بالعكس، فتحكموا لما جعلتموه جائزا بأنه واجب، ولما جعلتموه واجبا بأنه جائز، وهذا يوقفهم عن هذا التحكم الذي تحكموا به.
هذا وقد ثبت أن هاهنا واجبا، ولا يستغني بوجوبه عن مقتض، ألا ترى أن بذكي النظر إذا حصل، وقع العلم، والعلم الواقع بعده واجب وقوعه، ثم وجوب وقوعه لا يمنع من القول إنه افتقر إلى مقتض.
فهذا كله مستقصي في كتب العلل والصفات وغير ذلك.