الكلام فيه من أربعة أوجه: اشتقاقه، وانقسامه، وتعداده، وأعرابه.
فأما اشتقاقه فهو من قولك: ثنيت زيدا عن رأيه، أي صددته عنه، وصرفته عن مراده. أو يكون مشتقا من العطف والعود كقولك: ثنيت الحبل، بمعنى عطفك بعضه على بعض، وثني الثوب: ما كف من أذياله وأكمامه، سميت بذلك لما فيها من انعطاف بعضها على بعض. وهذان المعنيان يتصوران في الاستثناء النطقي، لأنه إذا قال: جاء القوم، فقد تضمن هذا دخول زيد يهم على القول بالعموم، أو جاز دخوله فيهم على القول بالوقف، فإذا قلت: إلا زيدا، فقد صرفت الكلام عن مقتضاه الواجب له والصالح فيه. وكذلك أيضا فيه معنى الانعطاف، لأنك كأنك انعطفت على زيد فأخرجته من خطاب كان داخلا فيه، وثنيت حديثه، فإن قيل: يلزم على هذا أن يسمى التخصيص المتصل استثناء كقولك: جاء القوم ولم يجئ [زيد، فهذا فيه] صرف الكلام عن مقتضاه، وفيه أيضا انعطاف على ذكر زيد،
[ ٢٩٣ ]
وما أحد يسمي مثل هذا استثناء. قيل: (ص ١٢٣) هذا تعاليل اشتقاقية لا يلزم طردها كالتعاليل العقلية، وكم للعرب من اسم مشتق لم يجروا فيه على اشتقاقه، وهذا منه.
وعلى هذا الاشتقاق والمعنى يكون حده: أنه كلام ذو صيغة مخصوصة محصورة دالة على أن المسمى فيه غير مراد بالقول الأول. وإن شئت قلت: بالقول المستثنى منه.
وقد حده بعض الأصوليين بأنه: إخراج بعض اللفظ بلفظ آخر مع اتصاله به. وتحرز بقوله: مع اتصاله به من التخصيص المتأخر عن وقت ورود الخطاب، ولكنه لم يتحرز عن التخصيص المقارن للخطاب، كقوله: قام القوم، لكن زيدا لم يقم. وقد انتبه إلى المناقضة بهذا التخصيص المتصل أصحاب الحد الأول، فقالوا: بصيغ مخصوصة، وإنما أشاروا بهذا إلى ما قلناه من التخصيص المتصل.
وهذا الحد إنما بني على القول بالعموم، وأما إن لم يقل به فينبغي أن يقال في الحد: إخراج ما يصلح دخوله في اللفظ، وقد تعقب على أصحاب هذا الحد لفظ الإخراج لما فيه من التجوز، وأن الإخراج الحقيقي لا يتصور فيه، وهذا خطب هين، لأن المجاز إذا اشتهر معناه لم يبعد التحديد به.
وأما انقسامه فإنه ينقسم إلى:
استثناء من الجنس كقولك: جاء القوم إلا زيدا، فزيد من جنس القوم.
وإلى ما لا يكون من الجنس، ولكن بينه وبين المستثنى منه علاقة ومناسبة كقولهم: ما بالدار أحد إلا الحمار، فالحمار وإن لم يكن من جملة الأحدين، فهو متعلق بهم، لأن الدواب والأدوات متعلقة بأصحابها على وجه ما.
وإلى ما لا يكون من الجنس ولا تعلق بينه وبين ما استثنى منه على حال كقولك: ما في الدار مسلمون إلا الكافرون.
وينقسم الاستثناء انقساما آخر من جهة أخرى فيكون استثناء من موجب، واستثناء من منفي، والاستثناء من المنفي ينقسم أيضا إلى ما نذكره في حكم الإعراب.
وأما تعداده فهو اثنا عشر حرفا: أمها وأصلها حرف "إلا" لكون هذا الحرف يتصرف في مواضع لا يتصرف فيها غيره من حروف الاستثناء.
وجملة هذه الحروف الاثني عشر: إلا، وغير، وبله، وسوى، وسواء، وسيما، وخلا، وعدا، وحاشا، وما خلا، وما عدا، وليس، ولا يكون.
وأما إعرابه فإن خمسة من هذه تعرب بالخفض، وهي: غير، وبله، وسوى، وسواء، وسيما، ويروى قول امرئ القيس:
[ ٢٩٤ ]
لا سيما يوم بدارة جلجل
بالخفض على الوجه الذي قلنا، ويروى بغير ذلك لوجوه أخر يعرفها النحاة.
وأربعة من هذه الحروف يكون ما بعدها منصوبا، وهي: ما خلا، وما عدا، [وليس]، ولا يكون، فنصب ما بعدها لأنها أفعال.
حرفان منها وهما: خلا، وعدا، يعرب ما بعدهما بالوجهين؛ الخفض على أنهما حرفان، والنصب على أنهما فعلان.
ويبقى حرف واحد وهو حاشا، فيه قولان؛ سيبويه يعرب ما بعده بالجر خاصة، ويراه حرفا، وغيره يعرب ما بعده بالوجهين جميعا الخفض والنصب، فيجعله إذا أعرب بالخفض حرفا، وإذا أعرب بالنصب فعلا.
وهذا كله مستقصى في كتب النحاة، وكان الأليق الإضراب عنه في مثل هذا التأليف، وإحالة بسطه إلى أهله وكتبهم، لكن لماذكر أبو المعالي في هذا الباب ما لم يذكره من قبله من الأصوليين من أحكام إعراب ما بعد "إلا"، اقتضى الحال وأوجب الترتيب أن نذكر أيضا إعراب ما بعد أخوات "إلا"، لكون جميعها أدوات الاستثناء.
وأما إعراب ما بعد "إلا" فلا يخلو إما أن يكون اللفظ موجبا، خبرا كان هذا الموجب كقولك: قام القوم إلا زيدا، أو أمرا كقولك: قوموا إلا زيدا، فإن كان كذلك فالمشهور إعراب ما بعد "إلا" بالنصب.
وذكر أبو المعالي في تعليل النصب علة واحدة عول عليها بعض النحاة، ولهم ثلاث علل سواها اقتضى الحال ذكرها وتعقب العلة التي ذكر وعلتين أخريين سواهما.
فالتعليل الصحيح عند المتقدمين والمتأخرين غير ما قاله أبو المعالي، وهو أن ما بعد "إلا" إنما انتصب بالفعل، والفعل إن كان لا يتعدى: قام زيد، فإن هذا الحرف قواه وسلطه على العمل فيما بعد هذا الحرف، فلما تسلط الفعل على العمل في هذا الاسم بواسطة حرف "إلا"، وتعدى إليه عمل فيه النصب.
وقال أبو العباس: إنما انتصب بمعنى حرف "إلا"، وهي مقدرة هاهنا بتقدير الفعل، فكأنه قال: قام القوم أستثنى زيدا، وهذا التعليل الذي ذكره أبو العباس، واقتصر عليه أبو المعالي تعقب بأن الأمر لو كان كذلك لاستوى حكم الاستثناء من موجب ومنفي، لأن حرف
[ ٢٩٥ ]
"إلا" إذا قدر بمعنى استثنى، فإن هذا الفعل الذي هو استثنى ينصب ما بعده بحكم مقتضاه، سواء كان واقعا على موجب أو منفي، وقد فرقت النحاة بأسرهم بين الموجب والمنفي كما ستراه، وإجماعهم على التفرقة في أن "إلا" قد تصير الكثير قليلا.
(ص ١٢٤) وقد اعتمد من صحح استثناء الأكثر من الأقل على قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلا* نصفه أو انقص منه قليلا* أو زد عليه)، فهذه الآية تضمنت استثناء الأكثر من الأقل، على قوله: وهو النصف، أو أكثر منه.
وأجيب عن هذا بأن المستثنى فيها على الحقيقة قوله تعالى: (إلا قليلا)، وما بعد ذلك كالمستأنف، وتقديره: قم نصفه، أو أكثر منه، فهو أعظم لأجرك، ويقوي هذا التأويل عند هؤلاء أن حذاق المجيزين لاستثناء الأكثر من الأقل يرونه كلاما مستهجنا ومستقبحا، وحاشا القرآن أن ينسب إليه كلمة مستهجنة.
واعتمد هؤلاء أيضًا على قله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)، وقال في آية أخرى خبرا عن إبليس: (فبعزتك لأغينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين)، فاستثنى مرة المخلصين، واستثنى مرة الغاوين، فإن كان الصنفان متساويين فهو استثناء النصف من النصف، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيه استثناء الأكثر من الأقل، والظاهر أن الغاوين أكثر، وهذا من أقوى ما يتمسك به هؤلاء.
وعندي أنه قد يقال فيه: ليس المراد هاهنا الإشارة إلى عدد مخصوص ولا إلى مقدار محصور، فيرعى فيه الأكثر والأقل، وإنما المراد هاهنا الإشارة إلى الجنس، فكأنه قال: لأغوينهم إلا المخلصين، من وجد من المخلصين، ومن تقرر وجوده مخلصا، وكذلك المعنى في الغاوين. وبالجملة إن كان المراد التعرض إلى صفة الإخلاص أو إلى الإغواء، أو إشارة إلى أن الإخلاص مانع لي منهم، إن هذا قد يخرج عن هذا الباب الذي نحن فيه. وقد أنشد هؤلاء أيضا
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا
وأجيب عن هذا بأن هذا ليس فيه صيغة الاستثناء، وإنما ذكر فيه انتقاص شيء من شيء، على أنه لا يتحقق أنه منسوب إلى من يحتج بقوله، وهو أيضا قد ينخرط في سلك الأشعار اللغزية التي يتكلف ألفاظها لإخفاء معانيها.
[ ٢٩٦ ]
وبعد هذا الفصل فصل آخر، ذكره أبو المعالي اشتمل على حكم الاستثناء من غير الجنس، ونحن قد تكلما عليه مضافا إلى غيره من أقسام الاستثناء في باب قبل هذا.