أما المكروه فأصله في اللغة ضد المراد، والكراهة ضد الإرادة، وليس هذا المعنى هو المراد به في الشرعيات، لأنا لا نشترط في أوامر الله سبحانه أن يكون مريدا لما أمر به، ولا في نواهيه أن يكون كارها لما نهى عنه.
وأصل هذه الكلمة في اللغة مأخوذة من التنفير، ومعنى قوله تعالى: (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)، أي نفركم عنه وبغضكم فيه، كما قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا بحاس الحيس يدعى جندب
[ ٢٤٣ ]
فسمى الحرب كريهة، لنفار الطباع منها.
وأما حد المكروه فاعمل فيه بما قلنا لك في حد المحظور، فإن المكروه نقيض المندوب إليه، كما أن الحرام ضد الواجب، فإذا كان مقلوب حد الواجب هو حد الحرام، فليكن مقلوب حد الندب هو حد المكروه.
وقد قال أبو المعالي: المكروه ما زجر الشارع عنه، ولم يلم على الإقدام عليه. لكن يفتقر هذا التحديد إلى النظر في نكتة، وقد تقدم بسطها، وهي تعلق أوامر الشرع بالشيء قصدا إليه، أو يكون المأمور به، أو المنهي عنه في حكم الذريعة والوصلة إلى امتثال الأمر والنهي. وقد تقدم مذهب الجماعة في تعلق الأوامر والنواهي بهذه الوصلات والأسباب المؤيدة للامتثال، ومذهب أبي المعالي فيها، وذكرنا عنه أنه لا يطلق القول بأنها مأمور بها أو منهي عنها، حيث تكلمنا على كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، وذكرنا الاختلاف فيه، والاختلاف في الأمر على جهة الندب؛ هل هو أمر بالضد على رأي من سلم كون الأمر الواجب نهيا عن الضد، وذكرنا هناك ما عندنا في ذلك، وتلك الطريقة تستعمل هاهنا، فما ورد الشرع بالنهي عنه على جهة التنزيه قصدا إليه، وتعلق النهي مختصا به، فلا شك في تسميته مكروها لغة، وعزما، ألا ترى النبي ﵇ لما قال: "لا يمنعن أحدُكم جاره أن يغررز خشية في جداره"، وكان هذا نهيا محمولا على الندب على المذهب المشهور، كان المنع من غرز خشية مكروها. وأما ترك صوم يوم لم يرد الشرع بالتغريب في عينه، أو صلاة ركعتين لم يرد الشرع بالترغيب في عينهما، فإن فعلهما مندوب إليه ومأمور به، فليكن تركهما منهيا عنه نهي تنزيه، على حسب ما قدمناه، من كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فهدأ النهي موقع نزاع واضطراب بين العلماء، فمنهم من يشير إلى استحقاق إطلاق اسم الكراهة على هذا، ومنهم من يمتنع من ذلك.
وأشار أبو المعالي إلى أن مذهب الفقهاء جار على الامتناع من هذا، ولا شك في أن استيعاب العمر بصلاة النافلة، وصيام التطوع مستحسن في الشرع مندوب إليه، ولا يطلق الفقهاء على من جانب هذه السيرة أنه أتى مكروها.
هكذا ذكر أبو المعالي، وقد ذكرنا نحن إشارة الفقهاء إلى الاضطراب في هذا الفصل، واعتذر أبو المعالي عن هجران الفقهاء هذه التسمية (ص ٩٨) في هذا النوع بأن النهي عن القواطع عن هذا النوع من الخير لم يرد في الشرع نص عن النهي عنها، وإنما ينهى عنها
[ ٢٤٤ ]
على جهة كونها وصلات وأسبابا في تحصيل هذه المندوبات، وما كان هكذا فقد تقدم مذهب أبي المعالي أنه لا يوصف بأنه منهي عنه من مقتضى الأمر بضده، وذكرنا نحن أن الجماعة لا تنكر كون النهي عنه غير مقصود في نفسه، فلعل من جانب من الفقهاء هذه التسمية في هذا النوع إنما اجتنبها لأجل كون النهي عنها إنما ورد لأجل غيرها، وهو كون اجتنابها موصلا لفعل ما أمر به.
ومن سلك من الفقهاء طريقة الامتناع من إطلاق اسم الكراهة على هذا النوع، فإنه يتطلب للمكروه حدا مأخوذا من معنى آخر، فقال بعض هؤلاء: المكروه ما اختلف في تحريمه، وهذا غلط لأن من المكروه ما اتفق على اختصاصه بحكم الكراهة من غير اختلاف في تحريمه. وأيضا فإن كل فقيه مأخوذ بمقتضى نظره، فمن أداه اجتهاده إلى تحريمه فليس بمكروه عنده على مقتضى العرف، إذ لا أحد يسمى المحرم مكروها، وإن كان قد يسمى المحرم مكروها على أصل اللغة، ومن أداه اجتهاده إلى تحليله لم يعتقد كونه مكروها على مقتضى مذهبه.
ومنهم من قال: حده: ما خيف العقاب عليه، وهذه إشارة أيضا إلى هذا الحد الذي أفسدناه، لأن الشك في حكم لا يصح بين سائر العلماء، وفي الأحكام ما اتفق على كراهته من غير شك في حكمه، وقد قال بعضهم، إذا التبست الأدلة، وغمض مدرك الحق، وأمكن مع هذا التوصل إليه، فالهجوم على ما هذا سبيله مكروه، وهذا المرمى أيضا يشير إلى نحو ما أشار إليه مذهبهم، وأفسدناه.
وقد يستمسك هؤلاء بقوله ﵇: "الحلال بين، والحرم بين، وبينهما أمور متشبهات"، فأشار إلى اجتناب الشبهات على حسب ما قاله هؤلاء، وبالجملة فإن مرجع الجميع إلى محاكة في لغة أاصطلاح، والنزاع فيها يهون مع تسليم المعاني المقصودة.