قد تقدم الكلام على حقيقة العلم الشرعي على الجملة، ولماذا يرجع؛ هل إلى قول الله سبحانه، أو إلى ذوات الأفعال المحكوم [عليها]. والكلام هاهنا في تفاصيله، وهو ينقسم إلى قسمة هي كالجنس، فيقال: الفعل إما أن يكون للفاعل أن يفعله، وإما أن يكون ليس له أن يفعله، وهذه قسمة يقدح فيها بأن الواجب لا يقال فيه للمكلف أن يفعله، لأن هذه العبارة تشعر بالمسامحة في تركه، وإنما يعبر عنه بأن يقال: على المكلف أن يفعله، فصارت القسمة غير حاصرة من هذا الوجه ومن غيره أيضا، وقد تقدم إشارتنا إلى هذا التعقب، حيث ذكرنا الاختلاف في الوجوب هل ينطوي على الجواز أم لا؟
وأما القسمة النوعية فهي خمسة؛ الوجوب، والندب، والحظر، والكراهة، والإباحة. فالوجوب والندب مأمور بهما، والحظر والكراهة منهي عنهما، فصارا من هذه الجهة قسمين، ويكون المباح قسما ثالثا، وقد قسمت على هذا النحو، فقيل: أمر، ونهي، وإباحة.
فأما الواجب فله تفسيران: لغوي واصطلاحي.
فأما اللغوي فأصله في اللغة: السقوط، والثبوت، كقول العرب: وجب الحائط، بمعنى سقط، قال تعالى: (فإذا وجبت جنوبها)، بمعنى سقطت.
وأما الاصطلاحي فمأخوذ من هذا، وذلك أن الله سبحانه إذا ألزم المكلف فعلا صار هذا الفعل بإلزامه سبحانه إياه لا محيص له عنه، كما لا محيص في السقوط، ويعبر عن هذا في الشرع واللغة بعبارت ست، فيقال: واجب، ولازم، ومفروض، ومحتوم، ومكتوب، ومستحق. وقد قال تعالى: (كتب عليكم الصيام)، وقال تعالى: (أنلزمكموها وأنتم لها
[ ٢٣٦ ]
كارهون)، وقال تعالى: (كان على ربك حتمًا مقضيا).
وأما تحقيق معنى الوجوب على صناعة الحدود، وقدمنا فيما سلف التنبيه على صفة استخراج الحدود، ووجه العمل في هذا على تلك الطريقة: أن الواجب ينبغي أن ينظر إلى الخاصية التي يميز [بها] عن بقية الأحكام الأربعة، فنجده يميز عن الحظر، والكراهة، والإباحة، بما يتعلق بفعله من المدح والثواب، لكنه يشاركه المندوب إليه في هذا، فجيب النظر إلى خاصية تفرق بينه وبين الندب، فتجدها أمرا يتعلق بالترك، وذلك أن الواجب يذم ويعاقب على تركه، والندب (ص ٩٤) لا ذم في تركه ولا عقاب، فمن نظر إلى هذا النظر تعرض في حده إلى ما يتعلق بفعله، وإلى ما يتعلق بتركه فقال: حد الواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه، وترك البدل إن كان ذا بدل استحقاق عقاب، وهو حد اختاره القاضي ابن الطيب.
ومن نظر نظرا آخر رأى أن تعليل الخواص في الحد أولى - ووجد في خاصية الترك معنى يفرق بين الواجب وبين ما سواه، استغنى عن النظر لما يتعلق بالفعل، والذي يختص بالترك: اللوم، والذم، والعقاب، فإذا حد بهذا المعنى صح حده.
وهذه الطريقة حد بها القاضي أيضا، وإليها مال اختياره، وكأنه رأى أن الثواب والعقاب يعقل [منهما] معنى الوجوب، فلو فرضنا عدم الشرائع وصورنا اقتضاء جزميا من سيد لعبده لتصور معنى السقوط واللازم في العبد، حتى يصير بمعنى السقوط الذي هو أصل الاشتقاق، فاقتضى هذا عنده اختيارا لا يتعرض لذكر الفعل، وإنما يتعرض لذكر الترك، ولكن بعبارة الذم واللوم، فيقال: ما استحق الذم بتركه، أو ما استحق اللوم بتركه. ولكنه استشعر مع هذا قدحا في الحد من طريقة أخرى، وذلك أن العبادة ذات البدل ككفارة اليمين، أو كفارة الحلاق في الحج، أو جزاء الصيد، إذا فعل أحدها أثيب عليه ولم يأثم ولا يلام ولا يعاقب على ترك ما ترك من أبداله، وقد كانت أبداله موصوفة بالوجوب على غير جهة التعيين، كما قدمناه في بابه.
فهذا واجب، وهو الإعتاق مثلا لم يتعلق الإثم بتركه إلى بدله الذي هو الأبدال مع كون الإطعام واجبا على صفة ما قدمناه، فاقتضى هذا القدح من هذه الجهة تقييدا في الحد
[ ٢٣٧ ]
بالتعرض إلى ما يرفع هذا القح، فيقال: حد الواجب: ما استحق الذم بتركه، أو العقاب، أو اللوم - على حسب ما قدمناه - على وجه ما. وإن شئت قلت بدل قولك: على وجه ما، وترك البدل منه. وقولنا: على وجه ما، ينوب عن قولنا: وترك البدل منه، ولكن قولنا: على وجه ما، يدفع قدحا آخر، لا يدفعه قولنا: ترك البدل منه، وذلك أنك قد تترك الواجب بفعل نافلة، فتكون النافلة حينئذ حراما، لما كانت تركا للواجب، وأن حكمها المختص بها للندب، ولكن الإثم لم يتعلق بها من جهة كونها ندبا، بل من جهة كونها تركا للواجب. فإذا قلت: على وجه [ما] أشرت إلى التحرز من هذا القدح.
وقد تحرز الأئمة منه أيضا بعبارة أخرى فقيل: ما استحق اللوم بتركه، من حيث هو ترك له، فأفصح هذا بالمعنى الذي أشار إليه ذلك بعبارته، وهي قوله: على وجه ما.
وهؤلاء تعرضوا إلى ما يتعلق بالترك بمعاني ليست بحكمية في ذواتها، وهي العقاب، والذم، واللوم. وسلك القاضي عبد الوهاب طريقتهم، ولكن تعرض إلى ما يتعلق بالترك من جهة الحكم، فقال: حد الواجب ما يحرم تركه، وترك البدل منه إن كان ذا بدل، والتحريم حكم من الإحرام المتعلقة بترك الواجب.
وقد طعن أبو المعالي في حد من حده من هؤلاء بأنه: ما استحق المكلف العقاب بتركه، فإن الأشعرية لا توجب على الله سبحانه مجازاة بعقاب عن عمل شر، ولا بثواب عن عمل خير، على ما عرف من أصولهم، من أن الله سبحانه له أن يعذب المطيع وينعم العاصي، فبعيد عن هذا، أصله أن يذكر الاستحقاق على الأعمال، والمعتزلة وإن لاق بأصلهم في استحقاق المجازاة على الله سبحانه، فهم يعتقدون أن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، فلا عقاب عليها، وصغير الواجب على هذا عندهم غير معاقب على تركه إذا قام بجليل الواجبات، فصار الحد غير مستوعب أيضا على أصلهم، لكون بعض الواجبات لا عقاب عليها عندهم.
وعندي هذا الذي قدح به أبو المعالي على أئمتنا غير قادح، وذلك أن هذا الحد إنما تعرض فيه إلى ما استقر من واجبات الشرع، وقد اخبر الشرع عنها بحقيقة ما قلناه، وتوعد الله سبحانه تارك الواجبات بالعقاب، وأعملنا أنه يوقعه به، إلا أن يكون ممن سبق في قضائه عفوه عنه وصفحه عن ذنبه، والاستحقاق إذا ثبت بالسمع صار في القطع عليه، كالاستحقاق الثابت بالعقل.
وقد ذكرنا هذا المعنى في كتابنا "المعلم" لما تكلمنا على قوله ﵇: "ما حق الله
[ ٢٣٨ ]
على العباد، وما حق العباد على الله" الحديث، ونبهنا على إطلاق القول بثبوت حق العبد على ربه، على حسب ما وقع في الحديث.
وذكر أبو المعالي أيضا هروب قوم عن لفظ الاستحقاق، كما أشار إليه من التعقب إلى أن قالوا: حد الواجب ما توعد الله بالعقاب على تركه، ولمز في هذا الحد لمزا (ص ٩٥) لا يليق بأصولنا، وبسط الكلام معه فيه يتعلق بعلم الكلام، والنظر في مذاهب الناس في تنفيذ الوعيد، وهل ترك تنفيذه خلف قبيح لا يجوز كالكذب، أو لا قبح فيه؟ بخلاف الوعد الجميل فإنه الوفاء به ممدوح، لأنه إنما يحمل على الخلف فيه الشح والحرص، وذلك معنى مذموم، والتجاوز عن جناية الجناة، إنما يحملنا عليه الحلم وكرم الطباع، والله وصف نفسه بالحلم، وهو جميل الصفح والعفو، فلا قبح في أن لا ينفذ وعيده في بعض العصاة، والقصد بالوعيد: التخويف والتحذير، ولم يقصد به الخبر القاطع عن وقوع الشيء أو عدم وقوعه.
وأشار أبو المعالي إلى أن المعنى بالوعيد لابد أن ينفذ فيه ويعاقب، ومن الواجبات ما يعفو الباري سبحانه عن تاركه فلا يعاقبه، ولو كان مقصودا بالوعيد لعاقبه. وهذا إنما يبسط في كتب علم الكلام.
وذكر أبو المعالي أنه قد قيل: الواجب ما يخاف العقاب على تركه، ونقض هذا بمن غلط فاعتقد وجوب ما ليس بواجب، وتخوف العقاب على تركه، فخوف العقاب قد حصل، والوجوب لم يحصل، وهؤلاء لم يتعرضوا للغلط في ثبوت الوجوب، وإنما تعرضوا لحقيقته، واعتقاد هذا الغالط أن حقيقته ثابتة صحت منه المخافة، ثم يبقى النظر في إصابته في اعتقاد الوجوب أو خطئه في ذلك، فإذا أخطأ في الوجوب أخطأ في المخافة، والمراد التعرض لمن أصاب فيهما، أو ثبوت التخوف على موجب الاعتقاد.
واختار أبو المعالي في حده: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا. فذكر المقتضى لتخلص الواجب من الحظر والكراهة والإباحة بأمر يعود إلى الفعل، كما خلصه أولئك بذكر استحقاق الثواب على الفعل، وبقي عليه ما بقي على أولئك من مشاركة المندوب، فتخلص منه بإثبات اللوم على الترك، وعارض نفسه بالغلط، كما اعترض به على غيره، فقال: من ترك ما لا يعلم وجوبه لا يلام، وإن كان
[ ٢٣٩ ]
المتروك واجبا عند الله سبحانه، وانفصل عن هذا بأن الناسي، والغافل لا تكليف عليه، والفعل غير واجب في حقه حتى يعلم، فإنما سقط اللوم لسقوط الوجوب، ولو ثبت الوجوب لثبت اللوم.