تقدم من أن الأحكام كلها على اختلاف أنواعها راجعة إلى قول الله سبحانه وهذا () وتفاصيله من إثبات مذهبنا في الحسن والقبيح، وقد مضى، وإيجاب شكر المنعم () الفعل قبل ورود الشرائع، وبعد ورودها وقد بحث العارفون بها () لا على الإطلاق، أنا نقف في هذا الفعل، وحكم هذا الفعل () سبحانه فيه في حقنا.
وأما المخالفون لنا فإنهم لا يطلقون () كشكر النعم والمعرفة بالله سبحانه (والف ) فيها قبائح محرمات كالكذب () والأقسام وهو التصرف فيما لابد
[ ٥٧ ]
() هذه الأقسام قال المخالفون فيها بمذهب () وبه قال الأبهري من أصحابنا ( وازيه) إشارة إلى هذا المذهب () بنفي الإباحة وذهبت () (ص ١٤) () على أحد القولين أن المباح حسن، وأما الواجب قد يعبر عنه () جهة تحقيق هذه العبارة في الواجب ينظر في الحد (وال ) به كونه حسنا، وذلك مقصور على الواجب والندب، وما تعلق العقاب () في كونه قبيحا وذلك ( م).
وأما المباح فلا أراه حسنا في مقتضى مفهومات الشرع، وأما المكروه فظاهر قول الأيمة () وحدودهم يشير إلى تطابقهم على كونه قبيحا، وهذا مما لا نستسهله، وبعد من مضمونات الشرع تسميته قبيحا () إن قلنا بانطلاق تسميته المكروه على هذا المعنى، وسيرد تحقيق القول في المكروه، فمنه ينكشف ( نا) إليه ولو صح القطع بأن المكروه لا حسن ولا قبيح، والمباح كذلك لكان أحسن حد حد به الحسن أنه ما ()، وأن القبيح ما تعلق به العقاب، فهذا كشف حقيقة المذاهب كلها في معنى هاتين اللفظتين لكنا ذكرنا () على أصلنا فلنذكر تفصيل مدركها على أصل المعتزلة.
فاعلم أنهم يرون انقسام هذا المدرك () المصلحة فيه غاية الأيضاح فيجعلون هذا القسم معلوما بالعلم الضروري () الظلم أو الكذب لغير ضرر أصلا، فهذا النوع عندهم مما يعلم بالضرورة، لأنه () ما انحطت رتبته عن هذا الإيضاح حتى احتيج
[ ٥٨ ]
فيه إلى قياسه على ما علم () لفائدته، عرض فيه إشكال حتى احتيج في رفع هذا الإشكال إلى ضرب () بلغ العفو وكنه معرفته ولو بحثت وفكرت، وقاست واستنبطت ( ن) أحكام الصلوات والزكاة، وغير ذلك من العبادات، وإنما (ال ) إلى ما تدعو إليه من فعل ما اتضح للعقل حسنه أو (ير ) وجاء به الشرع.
فإذا لحظت تفسيرها () تعلم بعد هذا الرد على من (حا ) غير معقول فيبطل لأن () بالعوائد، فأما الطريقة الأولى () حتى يدعو () (ص ١٥) () هو قبيح مخالف لقتل القصاص الذي هو حسن، ونحن نعلم حسا ( حد) منهما أو أ؛ دهما فصفة نفس كما قد مناه من مذاهبهم () أسلفناه من المذاهب الثلاثة عنهم، لا على ما أنكره أبو المعالي من قول () الحسن والقبيح من () حكيناه عنه، ذلك فيما قبل، وأما المناقضة المذهبية فإنهم يرون () يحسن إذا عوضت عن ذلك عوضا فيجب على هذا أن يحسن الكذبة إذا اضطر إليها في تخليص زمرة قد () من هلاك حاول ظالم إيقاعه بهم، وقد التزم بعضهم طرد هذا القياس، وتحسين الكذب هاهنا سبيله () لهم أخر، لأنهم يرون الكذب من صفات الأفعال فيجب عليه أن يجوز أن يخلق البارئ سبحانه كذبا مفيدا ().
[ ٥٩ ]
وأما الوجه الرابع وهو الاستشهاد بالعوائد فإنا نقول قد تقرر إطراد العادة بأن ما علم بالضرورة لا () فيه فلو كان البح مما يعلم بالضرورة لم نخالفكم فيه مع كثرة عددنا، وقد أشار أبو المعالي هاهنا إلى () فقال: ما علم بالضرورة لا يختلف العقلاء فيه، وما علم بالاستدلال لم تتفق آراء العقلاء فيه على () قرائحهم وإفهامهم، وأشار في غير هذا الكتاب إلى جواز تطابق العقلاء () القاضي ابن الطيب، وقد انفصلوا عن هذا الاستدلال بأنا نعلم قبح ما قبحوه (وا ) علم بالسمع، وهو معلوم بالعقل، والفرق بين علم وعلم، طريقة الاستدلال، وإلا () أنتم علمتموه بالسمع، وظننتم أنكم علمتموه بالعقل هذا () لمكر نفس () وهم يأبون ذلك، ونقول لا صفة في الحسن ذاتية، وهم يثبتون ذلك (و) بالمألوف المعروف، فيقولون العاذل إذا عذلها () المألوف المعروف إيثار الصدق عند سائر العقلاء () المشرع، ولا في حق من أنكر الشرائع لا () إذا عرف بالكذب ()، لأن في النفس النفوس () الشرائع (مج ) (ص ١٦) والقائلون بالإباحة يقولون، العوائد تشهد بأن منع الملك الواسع الغني (ال ) بذلك ونزرا ما ( بقاه) وفيه منفعة للراغب إليه فيه قبيح، فأنت ترى كيف تقابل الفئتان في الاستشهاد بالعوائد، فاعترض بعضهم ببعض حتى يتضح غلط الجميع، ولعل لأجل هذا التعارض في الاستشهاد قال بعضهم أقول بالوقف، لا على معنى وقفنا الذي قلنا، لكن على
[ ٦٠ ]
معنى أن في العقل حكما لهذا الفعل يجوز إتيان شرع بأن يحظره ويبيحه، وقد استدل أصحاب الإباحة بأن الله خلق الطعوم في الجواهر، وخلقها ليس من اللازم عقلا، فلم يخلقها والحال هذه إلا لينتفع (بها).
وهذه إشارة من العقل إلى الإباحة، وهذا باطل، لأنا نمنع خلق الجواهر خالية من الطعوم، وهذا قد عرف مذهبنا ومذهبهم في كتب الكلام، ولو سلمنا هذه المقدمة لم نسلم الأخرى، وهي إثبات الغرض في فعله تعالى، بل يجوز أن يخلق البارئ تعالى شيئا لا لينتفع به أحد، ولا لينظر، ولو سلمنا هذه المقدمة الثانية أيضًا لم نسلم الثالثة وهي كون المنفعة بخلق () صح خلقه لمنفعة أخرى غير ذلك من الاعتبار، أو ما في معنى ذلك من المنافع.
واعلم أن هذا الباب مقصور () حكم العقل في هذه الأمور ما هو، وأما الخوض في حكم السمع في هذه الأمور إذا نظر الفقيه المفتي في تحريم؟ () هل يقضي فيه بحكم تحريم لكون ظاهر السمع يقضي بذلك عند عدم التعيين لهذا الحكم أو لا يقضي بالتحريم () ولأنه حكم يتطلب من الشرع كسائر الأحكام، وإنما كلامنا فيها لا حكم للشرع فيه، وهذا هو العذر المانع من () هاهنا فما خاض فيه بعض الفقهاء من التمسك بقوله تعالى: (يسئلونك ماذا أحل لهم).
وهذه إشارة عنده إلى إقرار ما نحن () على التحريم عند فقدان وارد التحليل، أو التمسك أيضًا بضد هذا المذهب لأجل قوله سبحانه: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) الآية (هذا) كله خوض في دلالة سمعية تفتقر إلى استقصاء حكم هذه الظواهر وغيرها مما يطول تتبعه.
[ ٦١ ]