هذه المسألة الكلام فيها من ثلاثة أوجه:
- أحدهما: إيضاح مواقع الخلاف، فإنه يستبين بتقسيم اختلفت الأمة في العبارة عنه:
- فمن قائل: إن الموجِب والموجَب إذا اختلفا ارتفع الخلاف في هذه المسألة، ولم يرد مطلق إلى مقيد.
- وإن اتحاد الموجِب والموجَب وجب رد المطلق إلى المقيد، وارتفع الخلاف في ذلك.
- وإن اختلف الموجِب وتساوى الموجَب، فهاهنا وقع الخلاف بين الأصوليين، هل يجب رد المطلق إلى المقيد أم لا؟
ومن الناس من يعبر عن هذا المعنى بأن يقول: إن اختلف الحكمان اختلافا متباينا لم يختلف العلماء في أنه لا يرد مطلق أحدهما إلى تقييد الآخر، وإن اتحد الحكم فلا خلاف في رد مطلقة إلى مقيده، وإن تعدد ولكنه متناسب فهاهنا يختلف الأصوليون هل يرد المطلق إلى المقيد أم لا؟
[ ٣٢٢ ]
وأما الوجه الثاني وهو تمثيل محل الخلاف فإن مثال محل الخلاف العتق في كفارة الظهار، فإن الله ﷾ قال في المظاهر: (فتحرير رقبة) ولم يشترط كونها مؤمنة، ولا قيد ذكرها بذلك، بل أوردها إيرادا مطلقا، غير مقيد بنعت ولا صفة، وقال في كفارة القتل: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فلم يطلق الرقبة بل نعتها ووصفها، وقيدها بالإيمان.
فقال مالك والشافعي: لابد من مراعاة الإيمان في الرقبة في الظهار ردًا لمطلق آية الظهار إلى مقيد كفارة القتل. وقال أبو حنيفة: بل تجري في الظهار عتق رقبة كافرة، أخذا بإطلاق آية الظهار، ومنعا من ردها لآية القتل، وبهذه المسألة يمثل سائر الأصوليين محل الخلاف.
وقد مثله أيضا جماعة منهم باللفظ الوارد في التيمم، واللفظ الوارد في الوضوء، إذ يقول تعالى في الوضوء: (وأيديكم إلى المرافق)، فقيد ذكر اليد بالمرفق، وقال في التييمم: (وأيديكم منه) فأطلق ذكر اليد في التيمم، ولم يقيده بالمرفق.
فاختلف هل يجب على المتيمم أن يبلغ في مسح يده بالتراب إلى المرافق، ردًا إلى التقييد في غسل يديه بالماء إلى المرافق أو لا يجب ذلك عليه؟ لأجل أن الرد لا يجب.
وهذا المثال الثاني أنكره بعض الأصوليين، وأشار الشيخ أبو بكر الأبهري إلى إنكاره، ورأى أن التمثيل (ص ١٣٨) الصحيح إنما يتصور في المسألة الأولى، وهي اشتراط الإيمان في عتق المظاهر، لأن هذا إنما فيه زيادة صفة في الرقبة، وأما الرقبة ففي الكفارتين متساوية. وفي التيمم فيه زيادة عضو وهو الذراع، وزيادة الذوات والأجرام بخلاف زيادة الصفة والنعوت.
وهذا الذي أشار إليه يصير كمذهب ثالث في رد المتناسب، فقوم يطلقون القول برده، وقوم يطلقون القول بالمنع من رده، والأبهري لا يطلق القول، بل يسلم الرد إذا وقع بزيادة صفة، وينكره إذا وقع بزيادة ذات مستقلة بنفسها، وهاتان المسالتان تحققنا فيهما ما قلناه على إحدى العبارتين، وهي اختلاف الموجب وتساوي صنف الموجب، لأن الظهار غير القتل، ولكن العتق في الظهار من صنف العتق في القتل، والقتل والظهار موجِبان، والعتق فيهما موجَب.
[ ٣٢٣ ]
وهكذا على العبارة الأخرى وهي مراعاة التناسب والتلاقي، وذلك أن بين الرقبة في الظهار، والرقبة في القتل تناسب، لأنهما جميعا عتقان، كفارتان على معصيتين، وهذا تناسب لا شك فيه، وعلى هذه العبارة الثانية يصح التمثيل في التيمم والوضوء، لأنهما جميعا طهارتان واجبتان عن حدث، وتستباح بهما الصلاة.
وأما العبارة الأخرى وهي اختلاف الموجِب وتساوي الموجَب فتصورها في هذا يبعد، إلا على تحيل، وذلك أن الحدث الناقص للطهارة هو الموجب لها، والموجَب عنها الطهارة، ونواقض طهارة الماء وطهارة التراب يستويان في الأكثر إلا في صورة نادرة كطريان الماء، أو دخول وقت صلاة ثانية، فهاهنا تتصور العبارة الأخرى، وهي اختلاف الموجِب وتساوي الموجَب.
وأما تمثيل ما أدى التقسيم إلى ذكره مما اتفق عليه، وهو ما يجب رد مطلقه إلى مقيده، فلا يكاد يوجد في القرآن، فلهذا مثله أهل الأصول بما لم يوجد، مثاله أن يأمر الله سبحانه في القرآن بعتق رقبة مطلقة في كفارة القتل، ويأمر بعتقها بشرط الإيمان في آية أخرى، فهذا حكم واحد أطلق وقيد، فيرد مطلقه إلى مقيده باتفاق، وهذا التمثيل لم يوجد، فلا معنى لذكره.
لكن قد يضرب بهذا القسم مثال ورد في القرآن، وهو قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك)، فأطلق الإحباط، وعلقه بنفس الردة، ولم يشترط المواقاة عليه، وقال في آية أخرى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم)، فقيد الردة في هذه الآية بالموت عليها والموافاة على الكفر، فوجب رد الآية المطلقة إليها، وألا يقضي بإحباط الأجور والأعمال إلا بشرط الموافاة عليها.
وهذا تمثيل صحيح من جهة أن الردة المذكورة في الآيتين معنى واحد، وكذلك الإحباط المذكور في الآيتين أيضا المراد به معنى واحد، لكن إنما يبقى النظر من جهة ثانية، وهو أن قوله تعالى: (لئن اشركت) خطاب خاص، وقوله: (من يرتدد منكم عن دينه) خطاب عام، فمن هذه الجهة يفترقان، إذا قلنا: إن الخاص عن العام. وأما إذا قلنا إن المراد بخطاب النبي ﵇ بهذا من سواه من أمته، ومعنى قوله: لئن أشركت أمتك، إنه يرتفع هذا الاعتراض ويتحقق التمثيل.
وإن شئت عدلت لأجل هذا الاعتراض عن هذه الآية إلى آية أخرى عامة، وهي قوله تعالى: (ومن يكفر الإيمان فقد حبط عمله)، وهذا عام ورد مطلقا، كما أن المقيد عام
[ ٣٢٤ ]
أيضا، وهو قوله: (من يرتدد منكم عن دينه)، والآيتان جميعا وردتا بحرف "من" المقتضية للاستيعاب، وقوله: (فقد حبط عمله) قد يشير إلى أن المراد كفر من آمن حتى يتحقق فيه حقيقة الإحباط.
وأما ما أدى إليه التقسيم أيضًا وهو القسم الثالث المتفق على أنه لا يرد مطلقه إلى مقيده، فإن الأصوليين مروا فيه على التمثيل باشتراط العدالة المذكورة في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فقالوا: لا يلزم اشتراط العدالة في عتق الرقبة الواردة في كفارة القتل، وإن كان شرط فيها الإيمان، لكون التعبد بالعتق غير مناسب للتعبد بالشهادة.
ومثل بعضهم هذا القسم بما ورد من اشتراط التتابع في صيام الشهرين المذكورين في كفارة الظهار، ولم يوجب هذا التقييد بالتتابع في الصيام التتابع في الإطعام في الظهار، بل يجب عليه إطعام ستين مسكينا وجوبا مطلقا، إن شاء تابع وإن شاء فرق، ويجب عليه صيام ستين يوما وجوبا متتابعا لأجل (ص ١٣٩) التقييد.
وهذا المثال الثاني قد يهجس في النفس إلحاقه بالقسم المختلف فيه، لأنا ذكرنا أن إحدى العبارتين عن هذا القسم اعتبار اختلاف الموجب وتساوي الموجب، وهذا بالعكس منه لأجل أن الموجَب وهو الإطعام والصيام مختلفان، والموجِب واحد وهو الظهار، وهذا وإن هجس في النفس أنه يعد من قبيل المختلف [فيه] فإن الدليل قد قام على أن التتابع غير واجب في الإطعام، وأيضًا فالإطعام والصيام لم يشتركا في لفظ حتى ينظر إلى عموم أحد اللفظين وخصوص الآخر، ويرد هذا إلى هذا، بخلاف الرقبة العامة في آية، الخاصة في آية أخرى.
وهذا أحد الأجوبة، فمن اعترض فقال: هلا وجب الإطعام في كفارة القتل، كما وجب ذلك في كفارة الظهار رد مطلق هذه الآية وهي كفارة القتل إلى مقيد آية الظهار التي قيدت بذكر الإطعام؟
وعن هذه ثلاثة أجوبة:
- أحدها: ما قلناه، وهو أن الرقبة ذكرت في الآيتين فحسن النظر في رد العام إلى الخاص فيهما، والطعام لم يذكر إلا في إحدى الآيتين، فلم يجب إثباته في الأخرى.
- والجواب الثاني: أن هذا فيه إثبات زيادة ذوات مستقلة بأنفسها، فكان بخلاف الزيادة في الصفات، وقد تقدم ذكر هذا عن الأبهري.
- والجواب الثالث: ذكره بعض الناس وهو أن هذا الاعتراض لازم، ولكن دل الدليل
[ ٣٢٥ ]
على أن لا إطعام في كفارة القتل، فخرجنا عن الأصل من رد المطلق في مثل هذا إلى المقيد بالدليل. وهو جواب من لم يتفطن إلى الفروق التي قدمناها في أجوبة غيره، أو قدرها فروقا ضعيفة، وهذه معان إنما يحسن بسطها في كتب الفقه.
وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن المعتمد فيه على النظر في الزيادة على النص، هل يكون نسخا أم لا؟ كما سيرد بيانه في كتاب النسخ إن شاء الله. فمن قدر التقييد هاهنا زيادة على الآية المطلقة، والزيادة لها حقيقة النسخ لم يرد المطلق إلى المقيد، لأن الرد عند جمهور المحققين القائلين به إنما وجب لأجل قياس معنوي، والنسخ لا يكون بالأقيسة ولا بأمثالها مما يقتضي الظنون كأخبار الآحاد. ومن لم ير الزيادة على الإطلاق نسخا، ورآها بيانا وتخصيصا حسن عنده رد المطلق إلى المقيد، لأجل أن التخصيص يكون بما يقتضي الظن على ما قدمناه في بابه، إذ تكلمنا على التخصيص بخبر واحد والتخصيص بالقياس، أو الوقف بين القياس وما قابله من العموم.
فقدر أبو حنيفة الزيادة نسخا، إذا كان لها ارتباط بالمزيد عليه، وتأثير في مقتضى إطلاقه، كالحال في الرقبة في كفارة القتل، فإنها قيدت بالإيمان، وإذا اشترطنا في رقبة الظهار الإيمان، وقد اقتضى الإطلاق سقوط اعتبار الإيمان صار بذلك كالنسخ للإطلاق، فلا يقبل فيه إلا القواطع.
ورأى الآخرون أن دلالة الإطلاق على الأجزاء دلالة الظواهر على متضمناتها، وليست كدلالة النصوص، إذ لا يمكن أحد أن يدعي أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة من قبل أن يتماسا) نص في إجزاء الكفارة، بل يحتمل أن يراد به الرقبة المؤمنة، فإذا لم يكن نصا، وإنما اقتضى الإجزاء اقتضاء الظواهر صح تخصيصه بالقياس، والتخصيص يكون على نوعين، إما بالقصر على بعض المسميات من غير تمييز لما قصر اللفظ عليه من غيره، كما يقول الشافعي في أن الزكاة لا تجزي حتى يعطاها أقل الجمع من الفقراء والمساكين، مع بقية الأصناف، على ما عرف من مذهبه في كتاب الزكاة، ولكن الثلاثة المساكين الذين هم أقل الجمع غير متميزين عن سائر المساكين.
وإما أن يكون التخصيص بتمييز المقتصر عليه على ما سواه بصفة، كتخصيص الرهبان من قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين)، والرهبان متميزون بصفة عن غيرهم من المشركين، فلا مستنكر في تخصيص إطلاق آية الظهار بصفة استفيدت من آية القتل، وهذا واضح.
وقد نوقض أبو حنيفة في الأصل الذي ركبه، بأنه اشترط في إعطاء ذوي القربى أن
[ ٣٢٦ ]
يكونوا فقراء، والقرآن ورد بإعطائهم مطلقا من غير تقييد، وقد قيد أبو حنيفة هذا المطلق بغير دليل قاطع، وخرج به عما أصل في أحكام النسخ.
ونوقض أيضا في المسألة بعينها التي مثلنا بها، وذلك أنه يجزئ عنده عتق الأقطع، ولا يجزئ عتق الأخرس، فإن كان الأخرس لا يجزئ لأجل أنه لا يسمى رقبة، لأجل عيبه، فيجب أن لا يجزئ الأقطع لأجل عيبه أيضا، على أنه لا يصح بالدعوى أن المعيب لا يسمى رقبة، فما بال الأخرس لا يجزئ عنده؟ (ص ١٤٠) مع كونه يسمى رقبة، ومع كون إطلاق الآية يقتضي جوازه، فبماذا إذا أثبت هذه الزيادة على الآية؟ وقد يحاج عليها بما أمليناه في الفقهيات.
وأشار أبو المعالي في رد المطلق على المقيد إلى طريقه المعهودة، وهو اختيارنا في مواضع أمليناها في هذا الكتاب، وهي الموازنة بين التقييد والإطلاق، فأيهما رجح في مسالك الظنون قضى به وغلب على صاحبه، فقد تضعف دلالة الإطلاق، وتقوى دلالة التقييد على الإشعار باشتراط الصفة التي قيد بها.
وقد يكون الأمر بالعكس، ألا ترى أن إشعار آية الظهار بإجزاء عتق الكفارة ضعيف، لأجل أن الآية إنما سيقت مساق البيان لأجناس الكفارة، لا بيان تفاصيلها وأحكامها، فتفاصيل أحكامها غير مقصودة فيها، وما ليس بمقصود في الخطاب لا يرتبط به الخاطر ارتباطه بمقصود المخاطب. وسيأتي بسط هذا وأمثاله في كتاب التأويلات إن شاء الله.
وتنبه هاهنا إلى عبارة تقع للأصوليين من هذا الباب، وهي قولهم: الزيادة على النص لا تكون نسخا، فإن هذه العبارة إنما يستحق معناها إذا سمينا الظواهر نصوصا كما حكيناه في بابها عمن ذهب إلى ذلك، فتحسن العبارة على رأي هؤلاء. وأما إن قلنا: إن الظواهر لا تسمى نصا، فهذه العبارة فيها درك، لأن تعتبر النصوص التي لا احتمال فيها نسخا على ما سيرد بسطه، وبيانه في كتاب النسخ إن شاء الله.
وقد ذكر أن جمهور رادي المطلق إلى المقيد يذهبون إلى أن الرد بقياس معنوي [ممكن]، وقد ذهب إلى أنه بحكم اللغة ومقتضى الألفاظ، وزعم هؤلاء أن العرب إذا قيدت، فإنها تستخف الإطلاق اكتفاء بالتقييد، وطلبا للإيجاز والاختصار على ما عرف من عاداتها في لسانها، وقد قال تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد)، والمراد عن اليمين قعيد، ولكن حذف بدلالة الثاني عليه، وهكذا قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)
[ ٣٢٧ ]
فحذف ذكر إرضاء الرسول ﵇. وهذا يكثر وجوده في اللسان وأنشد في هذا:
يا من رأى عارضا يسر به بين ذراعي وجبهة الأسد
والمراد ذراعي الأسد، فحذفه لدلالة الثاني عليه، وهكذا أنشد الآخر:
فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يلبني
فحذف الشر لدلالة الكلام عليه.
وزعم بعضهم أن القرآن كالكلمة الواحدة، لأن كلام الله واحد، فلا بعد في أن يكون المطلق كأنه المقيد، وهذا غلط فاحش، لأن الموصوف بالاتحاد الصفة القديمة المختصة بالذات، وأما هذه الألفاظ والعبارات فمحسوس تعددها وتغايرها، وفيه الشيء ونقيضه كالإثبات والنفي، إلى غير ذلك من أنواع الكلام المتضادة التي لا يوصف القديم الأزلي بأنه في نفسه حاصل عليها، وهذا أوضح من أن يطنب في نقضه، والله ولي التوفيق.