الكلام في المسألة من وجهين:
- أحدهما: النظر فيما كان ﷺ [يتعبد به] قبل أن يوحى إليه، وهذه المسألة قليلة الفائدة في حق الفقيه ولا تمس الحاجة إلى نظره فيها، ولا حظ لها في علم الأصول أيضا لا تعلقها بالرد على المعتزلة في بنائها على التحسين والتقبيح العقلي، ولكن نذكر ما قيل فيها:
- فمن الناس من صار إلى أنه ﷺ لم يكن عاملا بشريعة أحد قبله.
- ومنهم من صار إلى أنه كان عاملا بشريعة من قبله.
- ومنهم من وقف وجوز أن يكون الأمر على كل واحد من المذهبين.
فالقائلون بأنه لم يكن عاملا بشريعة نبي قبله اختلفوا، فمنهم من منع ذلك عقلا، وهي المعتزلة، ومنهم من منع ذلك نقلا وهو القاضي ابن الطيب ومن وافقه.
والقائلون بأنه كان يعمل بشرع من قبله اختلفوا على طريقتين أيضا، فقال: بعضهم: لا ندري أي النبيين كان يتبع، ويقفون في ذلك، وقال آخرون: بل ندري من كان يتبع، واختلف هؤلاء، فقيل: كان يتبع نوحا، وقيل: كان يتبع إبراهيم: وقيل: كان يتبع عيسى صلوات الله عليهم أجمعين.
فأما المعتزلة فمسلكهم أن قالوا: كونه قبل أن يبعث متبعا لنبي غيره يحط من قدره، وينفر عنه، لأنه يبعد أن يكون متبوعا من كان تابعا. وهذا الذي قالوه باطل، وقد قدمنا بطلان مرارا، وبسطنا بطلان مذهبهم في التقبيح والتحسين العقلي فيما تقدم. وأيضا لو
[ ٣٦٩ ]
سلمناه لم نسلم أن في هذا حطا للقدر ولا تنفييرا، وأمور الآخرة والأحكام والنبوات لا تقاس على أحوال أهل الرياسات الدنيوية.
وأما المانعون لذلك سمعا فمعتمدهم على أنه لو كان على شريعة لنقل ذلك، إذ لا يمكن في العادة كتمان ذلك ولا إخفاؤه، بل العادة أن يتحدث بما كان ﷺ يتقرب به، وينتمي إليه من الشرائع، ولو لم يكن إلا أن يتحدث بذلك ويفتخر به أهل الملة التي دعاهم إلى الرجوع إليها وترك ما هم عليه، وهذه عمدة القاضي التي يعول عليها.
واختار أبو المعالي مذهب الواقفية الذي حكيناه، ورأى أن ما تمسك به القاضي قد يقلب عليه، فيقال: لو كان غير متبع لشرع لنقل أيضا، ولو سلم أن ذلك لا ينقلب، وأن العادة ما ذكره القاضي، لأمكن أن تكون هذه العادة انخرقت كما انخرقت له عوائد كثيرة ﷺ.
وأما الذاهبون إلى أنه كان متمسكا بشريعة على الجملة دون معرفة عن الشريعة التي تمسك بها فإنهم يقولون: قد كان يذبح الذبائح، ويتصرف في الملابس والمراكب والمطاعم والوطء تصرفا على مسلك ما، وما ذاك إلا لشريعة اتبعها. وأيضا فقد كان يفعل القُرَب والمناسك، ويصل الرحم، إلى غير ذلك مما يشعر بكونه متمسكا بشريعة. وهذا الذي قالوه لا حجة لهم فيه، لأجل أن بعض هذه الأمور ربما آثرها لما في الطباع والنفوس إيثارها، وقد يؤثر من لا يتشرع أصلا أمر ما بحكم الطبع أو المنشأ والإلف.
وقد قالت المعتزلة: إنه لم يكن على شريعة، ولكنه كان على شريعة العقل، يجتنب ما يقبحه العقل، ويفعل ما يحسنه. ونحن نصرف ما صرفوه إلى العقل ما ذكرناه من مقتضى الطبع والإلف والعادة.
وأما الصائرون إلى تعيين رسول (ص ١٦٣):
فمن عين منهم عيسى ﷺ اعتمد على كون شريعته آخر الشرائع التي قبل شريعتنا، والآخِر أحق أن يتبع في مثل هذا، وأشار هؤلاء إلى أن عيسى كان شريعته عامة، فالنبي ﵇ يدخل في عموم من دعاء عيسى.
وهؤلاء خولفهم في تعميم شريعة عيسى، وقيل لهم: يجوز أن تكون غير عامة، ولو قلنا: إنها عامة فإنها يسقط اتباعها لاندراسها، وأصل شريعة النصارى عن أربعة: لوقا، ومرقص، ومتى، ويحنا، والعلم لا يقع بخبر أربعة.
وأما من قال هو إبراهيم، ومن قال: هو نوح فيتعلقون بقوله تعالى: (أن اتبع ملة
[ ٣٧٠ ]
إبراهيم)، وبقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وسنذكر الجواب عن هذا.
ولعل من قال: شريعة موسى هي التي كان يتبع رأي أن الآخر هاهنا هو المتبع، وشريعة عيسى وإن كانت الآخر فلم تثبت فيها أحكام بنقل متواتر إلى ما قبلها، وهي شريعة موسى.
وأما الوجه الثاني وهو تعبدنا بعد أن بعث نبينا ﷺ بشريعة من كان قبله، فاختلف الناس أيضا في ذلك: فقيل: نحن متعبدون بذلك، وقيل: لسنا متعبدين.
والقائلون بأنا متعبدون اختلفوا في عين من تعبدنا بالرجوع إليه، فقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى. وكنا ذكرنا في الوجه الأول، أنه قد ذكر في جملة المذاهب أنه ﵇ كان قبل مبعثه متبعا شريعة نوح، هكذا نقل أبو المعالي هاهنا.
وظنى أن المذهب الذي نقله هناك في هذا الوجه ينبغي أن ينقل، ولكني لست الآن على ثقة ويقين بهذا، والظاهر أن أصحاب هذا المذهب اعتمدوا على قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا)، وهذا الخطاب ظاهره تعبدنا نحن بهذا بعد بعثة نبينا ﷺ.
وقال قوم بالوقف، وجوزوا أن يكونوا متعبدين بشرع من قبلنا، وأن يكونوا غير متعبدين.
فأما الصائرون إلى أن غير متعبدين فمنهم من أنكر ذلك عقلا، وهم المعتزلة، ومسلكهم ما حكيناه عنهم من التحسين والتقبيح، وقد أفسدناه، ومنهم من قال: إنه منع ذلك سمعا، واعتماد هؤلاء على قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
ويجاب عن هذا بأنه لا يمتنع أن يكون هذا وصفا لغالب ما عليه كل رسول. وأيضا فكل رسول له منهاج يضاف إليه، سواء كان ذلك المنهاج موافقا لما قبله أو مخالفا، واعتمد أيضا على أن النبي ﵇ قال لعمر ﵁ إذا كان يسأل بني إسرائيل عن قصصهم: "لو كان ابن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وهذا يشير إلى المنع من اتباع شريعة من سواه.
[ ٣٧١ ]
وكذلك يحتج أيضا بحديث معاذ لما قال للنبي ﵇: "أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي" الحديث المشهور، ولم يذكر فيه في طرق ما يرجع إليه في الأحكام النظر في شرع من كان قبلنا.
واعتمد هؤلاء أيضًا أن الصحابة كانت تكثر البحث عن أحكام مشكلة ملتبسة، ويتطلب المعرفة بها من كل جهة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه بحث عما في الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، ولو كان أمرا متبعا لنقل ذلك عن بعضهم. ولا معنى لقول من أجاب عن هذا بأن المانع لهم من الرجوع إلى شرع من كان قبلنا [ما وقع فيها من التحريف، فهم موافقون له في المذهب مع] مخالفة له في العلة، مع أنه لو كان ذلك حقا لوجب أن يبين النبي ﵇ مواضع التحريف [لـ]ـيجتنبوها إذا رجعوا إلى هذه الكتب.
وأيضا فقد كان عبد الله بن سلام، وهو المشار إليه بقوله: (ومن عنده علم الكتب) بين أظهرهم، ولم يسألوه عن أحكام التوراة، ولا عن موضع التحريف، وكذلك فعلوا مع كعب الأحبار.
وأما الذاهبون إلى أنا يجب علينا اتباع شرع من كان قبلنا من الرسل فيعتمدون على قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدة). وأجيب عن هذا بأن المراد به الاقتداء في سلوك طرق التوحيد والإيمان بالله. ويؤكد هذا أن في المذكورين من ليس له شريعة كيوسف، ولكنه كان موحدا، فإذا صرفنا القدوة إلى طرائق التوحيد عممنا الجميع.
وأما عن عين إبراهيم فإنه أخذ بقوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم)، ومن عين نوحا إن كان قيل ذلك كما ظننته ولم أتيقنه الآن، فيعتمد على قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وهذه الآي وأمثالها لما نذكره محمولة على القدرة في التوحيد والإيمان بالله سبحانه، وربما كان في بعض سياق هذه (ص ١٦٤) الآيات ما يشهد على صحة التأويل.
ولما نجز القول في تعليم كيفية تلقي الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، ومضى بيان ذلك في كتاب الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، وما يتعلق بهذين الكتابين، رتب سائر المصنفين بعد هذا تعليم فصول أخر من أصول الفقه، إما كتاب الأخبار أو غيره من
[ ٣٧٢ ]
الكتب، لكن أبا المعالي شرع بعد هذا في فن آخر وهو التأويل للظواهر، لما كان يمكن وضع قوانين كلية في تعليم كيفية تأويل الظواهر، وما يقبل من ذلك وما لا يقبل، وأسقط ذلك أكثر المصنفين لما رأوه مما يشتغل الفقهاء بالإكثار من تفاصيله والمناظرة عليه فكان الأولى الإحالة عليهم عند هؤلاء.
ورأى أبو المعالي أنه من تعليم كيفية مأخذ الأحكام من ألفاظ صاحب الشرع، فألحقه هاهنا وترجمه:
[ ٣٧٣ ]