الكلام فيه من وجهين:
- أحدهما: هل للأمر صيغة؟
- والثاني: ما مقتضى الصيغة إذا ثبتت؟
فأما الوجه الأول، فاعلم أن قولنا صيغة مأخوذ من الصياغة. فلما نظر الفقهاء إلى الأمر القائم بالنفس، ووجوده حقيقة ثابتة مثل سائر الحقائق، نظرت هل وضعت له العرب كلمة ركبت من حروف على نظام ما؟ فكان تركيبها كصياغة التبر حليا، فلهذا سموها صيغة.
وقد اختلف الناس في هذا، فالأكثرون منهم على أن للأمر صيغة وضعت للدلالة على ما في النفس، والأقل منهم على أن العرب لم تضع له صيغة معلومة تدل عليه، ولا آلة اختصاص، ويحتج هؤلاء بأن قصارى ما يدعي في ذلك لفظة واحدة، وهي القول: افعل،
[ ١٩٩ ]
أو ما بني مبناه، وقد علم أن هذه الصيغة، وهذا المبنى يرد أمرا.
ويرد تهديدا كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم).
وترد تعجيزا كقوله تعالى: (فإن كان لكم كيد فكيدون).
وترد تكوينا، كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين).
وترد إباحة كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا).
فإذا ثبت تصرفها في هذه المصارف وجب ألا يدعى وضعها لإحدى هذه الجهات إلا بدليل، ولم يقم دليل على ذلك.
وأما الآخرون فيستدلون على أن العرب ذكرت حقيقة الأمر على الجملة، وقسم أهل اللسان الكلام إلى أقسام منها الأمر، فاقتضى ذلك إثبات نوع من العبارة يختص بهذا القسم، كما ثبت نوع من العبارة يختص بالخبر، ونوع آخر يختص بالاستخبار.
والنظر في هذه المذاهب إنما يستند إلى إثبات كلام في النفس، ينظر هل وضعت العرب له صيغة أم لا؟ وأما من نفي كلام النفس فليس عنده هاهنا أمران يكون أحدهما صيغ للدلالة على الآخر فمتى قال هؤلاء: صيغة الأمر كذا، فالأمر هو نفس الصيغة، من غير مزيد. فبالإضافة إضافة الشيء لنفسه كقوله تعالى: (علم اليقين)، وقولهم: نفس الشيء، ونفس الذات.
وأما الوجه الثاني، وهو النظر في مقتضى هذه الصيغة إذا ثبتت، وهذا مما اختلف الناس فيه:
- فمنهم من ينكر اقتضاءها لمعنى معين من تلك المصارف التي عددناها، وذكرنا انصراف القول: افعل، إليها، وهؤلاء هم المعروفون بالواقفية، شيخهم الأشعري، وتبعه جماعة من أئمة المتكلمين، وذكر هذا المذهب عن الشافعي، وقال قال الشافعي في قوله تعالى: (وأنحكوا الأيمى منكم): لا يستدل به على اشتراط ولي المرأة، لتردد الأمر بين الإيجاب والندب.
[ ٢٠٠ ]
ولكن الواقفية مختلفون [في] الوقف:
فمنهم من يراه وقف جهالة بما عند العرب، والذي عندهم كون هذا اللفظ مشتركا بين المصارف التي عددناها، فيقول هؤلاء: قد ثبت استعمال هذا اللفظ فيما عددناه من المصارف، وقلدنا في ذلك (ص ٧٥) قرآنا، فحصل من هذا الاشتراك التردد بين معاني شتى فنقف، حتى نستبين المراد باللفظ، كما يفعل في اللفظ المحتمل، كقولنا: قرء، ولون، ولا يلزمنا هاهنا الاستدلال على صحة القول بالوقف، لأنا إنما أردنا به أن العرب استعملت هذا اللفظ في معان شتى، واستعمالها في معان شتى قد ثبت في القرآن، وزيادة على هذا لم نثبتها فنطالب بالدليل عليها، كما يطالب من أثبت زيادة على هذا فقال: إن العرب إنما وضعت اللفظة في الأصل لأحد هذه المعاني، وإنما يفهم عنها بقية المعاني التي عددناها بقرينة، لأن هؤلاء مدعون على العرب أمرا، فهم مطالبون بإثباته.
وأما الآخرون الذين يصرفون الوقف إلى الجهالة بما عند العرب فإنهم يثبتون ما أثبت هؤلاء من تردد الفظ بين هذه المعاني. ويجوز أن يكون العرب وضعته في الأصل لأحد هذه المعاني، وإنما يصرفه عن هذا المعنى بدلالة، ولكنهم يجهلون هذا المعنى الذي يمكن أن تكون العرب وضعته له.
وقد رد أبو المعالي هذا المذهب بالاستبعاد المحض، فقال إن هذه اللفظة تكرر على الألسنة على مر الأعصار، وبعيد مع تكررها ألا يبحث عنها، وإذا بحث عنها فبعيد ألا يعرف ما عند العرب فيها.
وهذا الذي قاله لا يوثق [به] في رد هذا المذهب، لأنا لا نحيل إضراب العرب عن وضع عبارة بمعنى معقول، وإن تكرر، ولو أحلناه لم يشترط وضع عبارة بعينها نقترحها عليها، وقد وضعت للدلالة على الأمر، وعلى الوجوب ألفاظا تعرب عما في النفس من ذلك فتقول: أمرتك، وما في معناه، وأوجبت عليك، وألزمتك، وما في معناه، ولو قلنا بالاقتراح عليها أن نضع لفظة افعل، فما المانع أن يكون وضعتها، وعلم وضعها قوم، وجهله آخرون.
ولكن إذا قال من زعم هذا إنه يعلم مذهبها، طلب بالدليل عليه حتى يبينه، ولا، لعمري هذا يلزم منه الانتقال عن التردد إلى التعيين، ولكن تبقى المطالبة في التعيين.
وأما من نقل عن الأشعري الوقف، إن ظهرت القرائن فقد أغلى، وإن ثبت نقله،
[ ٢٠١ ]
فلعله توقف في الإفادة إذا حصلت، هل باللفظة أو بالقرينة، وهذا يحسن نقله في قرائن المقال التي يستند فيها إلى اللسان، وأما قرائن الحال فالمنازعة فيها مكابرة في الضروريات.
ومن الناس من يثبت لهذه الصيغة اقتضاء معينا، واختلف هؤلاء على ست مقالات:
- فمنهم من زعم أن مقتضاها إرادة الامتثال، ولكن إرادة الامتثال تتضمن كون الممتثل مطيعا، فهذا نهاية متضمنها، واستشعار الوجوب يفتقر إلى قرينة، إلى هذا صار عبد الجبار الهمذاني في شرح العمد.
- ومن الناس من ذهب إلى حملها على الإباحة، ومنهم من ذهب إلى حملها على الندب، ذكر ذلك عن الشافعي، ومن أصحابنا عن أبي الحسن بن المنتاب، وأبي الفرج، وبه قال كثيرون من المعتزلة.
- ومن الناس من ذهب إلى حملها على الوجوب، وعليه جل الفقهاء، يضاف هذا المذهب إلى مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وصرح به من أصحابنا القاضي إسماعيل، وابن بكير، وبكر بن العلاء، وابن القصار، وابن خويز منداد، وأبو جعفر الأبهري.
وذهب أبو بكر الأبهري إلى التفصيل في هذا، فحمل أوامره سبحانه على الوجوب، وأوامر رسوله ﷺ على الندب، إلا أن يكون بيانا لمجمل، أو ما في معناه، وإن كان قد اختلف النقل عنه فروي عنه موافقة من قال بالندب على الإطلاق، وروي عنه موافقة من قال بالوجوب على الإطلاق.
وأشار أبو المعالي إلى انفراده بمذهب أداة البحث إلى اختياره، وهو حمل الأمر على الاقتضاء، والطلب.
ولكن قصارى ما استفاد من جهة اللسان الاقتضاء الجازم، ولكن الوجوب إنما يعقل إذا ثبت في هذا الأمر الجازم، الوعيد على الترك. والوعيد على تروك أوامر الشرع الجازمة ثبت بالإجماع، فالوجوب مستفاد بهذا التركيب بين اللغة والشرع، فقد وافق القائلين بالوجوب، وإن كان خالفهم في هذا الترتيب، وقد صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.
ولكن أبا حامد الإسفراييني صرح بما صرح به أبو المعالي، وسبقه إلى ما اختاره،
[ ٢٠٢ ]
فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل، واقتضاءه منه اقتضاء جزما، ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد.
وأشار أبو المعالي إلى أن طريقة عبد الجبار تجري على أسلوب طريقته وإن [كان] القصد مختلفا، والمرمى متقاربا، وذلك أن عبد الجبار استفاد من اللفظ إرادة الامتثال لا غير، وتضمن الامتثال كون الممتثل مطيعا، وبمقارنة الوعيد يثبت الوجوب.
والذي أعتقده في هذه المسألة أن الأمر فيها ليس على ما قاله أئمتنا من التردد المتساوي ولا (ص ٧٦) على ما يشير إليه الجمهور في التصميم على الوجوب، والقطع على أنها موضوعة له، حتى يصير الخروج عن الوجوب كالخروج عن الأصل، ولكنها عندي تنزل في الدلالة على الوجوب منزلة الظواهر التي هي مترددة بين معنيين، ولكنها في أحدها أظهر، وأنا أنزل متى نظرت في الفقهيات مستدلا عليها بما يلوح من معارضة الأوامر عن الوجوب، على حسب ما يخرج النظار عن الظواهر إذا قابلها نزلة عنها.
والرأي في هذا خلاف رأي من يقطع على أن الأصل فيها الوجوب، وهي في إخراجها عنه خارجة عن الأصل، لأن هؤلاء يشتدون في التمسك بها، ولا ينزلون عنها نزول من اعتقد كونها كالظواهر، وذلك أني أعلم يقينا، أن المستمر من أحوال أهل العصر، ومن قبلهم على مقتضى نقل الآخر عن الأول، أن الأوامر إذا صدرت، والقائل إذا قال: افعل، لمن دونه، ولا يخطر ببال السامعين الالتفات إلى كونه مهددا، أو غير ذلك من الأقسام التي عددناها إلا عند استشعار أحوال تلوح بما استشعروه، وهذا مما نعلمه قطعا، ثم كذلك نعلم أنهم لا يلتفتون إلا الإباحة إلا عند عوارض، قد يستشعر منها قصد الإباحة وإمكان إرادتها.
وأما المضيق في التردد بين الواجب والندب وهما المذهبان المشهوران، وهاهنا أقول: إن استعمالها في الوجوب أكثر وأشهر، ولهذا كانت عندي ظاهرا فيه، ولو لم يؤيد ما قلناه، إلا أن المطلع على ما نقل عن الصحابة صث، وأئمة من بعدهم من أهل الأعصار، يستلوح من المقنول عنهم من مناظرة، أو فتوى، أو بنية على استدلال، ابتدارهم إلى التمسك بظواهر الأوامر المجردة، وقد نقل عن الصحابة ﵃ الاستدلال بمجرد أوامر، ونواه يكثر تعدادها، مما نقل عنهم البدار إلى امتثال ما أمر به النبي ﷺ، من غير توقف، ولا استفسار، وهذا إن لم يفد القطع بما قاله أصحاب الوجوب، فاقل مراتبة أن يفيد الظن، وكون هذا كالظاهر في إفادة الوجوب.
[ ٢٠٣ ]
وهذا القاضي أبو بكر بن الطيب رأس الواقفية استدل على صحة القول بالقياس بهذا النوع من الاستدلال، وقال: من تتبع أقوال الصحابة ألفاها دالة على استعمالهم القياس، وهم بين مستعمل له، ومسلم لاستعماله، وهذا هكذا الذي نحن فيه، ولا معنى لقوله في كل ما نقل، لعلهم صاروا إلى ما صاروا إليه بقرائن، لأن هذا وإن أمكن فهو بعيد، مع كثرة المنقول عنهم، واختلاف الأقوال والأزمان، والأحوال، فالظاهر في هذا خلاف ما قال، وتأول.
وهذا الجواب لمن قال إن الأقيسة التي وقعت منهم، لم يعلموا بمجردها، بل لأمور ضامتها، لأن هذا مما أنكره القاضي أبو بكر على متأوله، لا سيما وقد اعتمد أصحاب الوجوب على آي، وأخبار من ذلك قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) إلى توبيخه لإبليس، وقوله: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) فوبخه على مخالفة الأمر، ولم يقل إذ أمرتك واجبا، بل ذكر أنه سبحانه قال لهم: (اسجدوا) وسمى هذا أمرا، وفيه إثبات الصيغة ثم وبخ إبليس على مخالفة الأمر، وفيه إثبات الوجوب، وذكر تعالى عن الملائكة بدارهم امتثال السجود، من غير توقف، وكل هذا يدل عندهم على الوجوب.
وكذلك قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) فحذر، وتوعد من مخالفة الأمر ولم يقل الأمر الواجب، إلى غير ذلك من أي، يكثر تعدادها، استدل بها هؤلاء، وهي متفاوتة في القوة والضعف، وأقواها عندي ما تلوته.
وكذلك استدلوا بحديث بريرة، وقد قالت فيها: "أبأمر منك؟ " والظاهر أنها اعتقدت أنه لو أمر لوجب عليها، لأن سؤالك، وشفاعته مندوب إلى قبولها.
وكذلك قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك "، فمعنى أمرتهم: أوجبت عليهم، لأن الوجوب تتصور المشقة [فيه] إلى غير ذلك مما تعلقوا به، وأظهره ما أوردناه.
ولو اطلعت على كثرة ما استدلوا به، من ظواهر القرآن، والسنن، والآثار كما اطلعنا عليه، لبعد في نفسك تأويل جميع ذلك، على كثرته، ولو رأيت التأويل بجميعه
[ ٢٠٤ ]
تعسفا، حتى يكاد يحسن معه القطع على الوجوب، فإن نزل عن هذا قليلا، فلا أقل من إيجاد هذه الأوامر ظواهر.
ومن قال بالندب، يرى أن تحريم الترك لم يتضمنه الأمر، فاقتضى ذلك الندب. فيقال له: ولا تضمن الإباحة الترك، وكذلك إن تمسك بأن الندب متيقن، الوجوب مشكوك فيه، فيتمسك باليقين، لأن الشك في الترك تشوف إلى الوقف، وعمدة الواقفية أنهم ليس عليهم مطالبة بالدليل، كما صورناه أولا، ويجعلون الدليل في جانب مخالفهم، وينكرون وجود دليل (ص ٧٧) ينقلهم عما هم عليه، من لغة، لعدم التواتر في النقل عن أهلها في هذا، وعدم الاستقرار من قولهم ومن شرع، لأن ما أوردناه، وأضربنا عن إيراده، من القرائن والأخبار متأول عندهم، محمول على أوامر علم وجوبها بقرينة حالية، أو مقالية، وما ذكرناه نحن في هذه الظواهر، ونبهنا عليه في تأويلاتهم فيه جواب عن هذا، يبين الحق في المسألة إن شاء الله ﷿.