المقالات في مأخذ العلوم سبع، قيل مأخذ جميعها الحس لا غير، وقيل الحس وخبر التواتر لا غير، وقيل النظر لا غير، وقيل العقل لا غير، وقيل الشرع لا غير، وقيل الاضطرار والنظر العقلي والسمع، فمن المصنفين من أشار إلى حذف () مأخذ العقل لا غير فإن هذا المذهب، ( سار) أئمتنا (» به العلوم () تارة بوساطة () (ص ٢٨) الحس، وتارة بوساطة العادة، وتارة بوساطة الشرع.
وهذا التأويل يحسن حمل كلامه عليه، إذا قيل إن العقل غريزة، وميز على صفة ما، حلاف ميز البهائم وهذا الميز يتوصل به إلى نيل العلوم، ولكن في عد العادة واسطة بخلاف ما ذكر معها من الوسائط نظر، لأن العادة مستندة إلى المشاهدات لأمر متكرر يحصل منه للعقل بالتجربة معنى كلي.
وكذلك أشار أبو المعالي إلى إسقاط قولين آخرين، وهما حصر العلم في الحسيات أو النظريات، ورأى أن هذين المذهبين، عبارة عن مضمون مذهبنا إذ قلنا إن العلوم المحدثة على قسمين ضرورية ونظرية، فقال: فإن الفلاسفة تسمي ما ارتسم في الخيال، وأخذه العقل بعد تشكله علما، وتسمي مالا يرتسم في الخيال، ولا يتشكل في الحس معقولا، فلما أطلقوا أن لا معقول إلا بالنظر، ظن بعض النقلة بهم أن مرادهم حصر العلوم.
ولما أطلقوا أن لا معلوم إلى حسي ظن بهم أيضًا حصر العلوم في الحسيات، وهكذا تأول بعضهم إسقاط مقالة أخرى وهي حصر العلوم في الإلهام، فقال يمكن أن يكون المراد
[ ١٠١ ]
بهذه المقالة أن العلوم كلها ضرورية، وإن كانت مما يفتقر بعضها إلى فكرة، فيعود ذلك إلى أخذ المقالات في كيفية الوقوع.
وقد اختلف الناس أيضًا في كيفية الوقوع:
فمنهم من صار إلى أن العلوم كلها ضرورية، واختلف هؤلاء على ثلاث مقالات، فمنهم من زعم أن لا فكرة في جميعها.
ومنهم من زعم أن بعضها يفتقر إلى فكرة، ولكنه وإن افتقر إليها فإن الواقع عقيب الفكرة ضروري، ومنهم من زعم أن علوم العقائد خاصة هي الضرورية، وما سواها نظري.
ومنهم من قال: بل كلها كسبية، ويحكى ذلك عن بعض الجهمية، وهذا يشير إلى خلاف ظن أبي المعالي، فإن القول إن العلوم كلها نظرية ليس على ظاهره.
وقال أهل الحق: العلوم المحدثة على قسمين ضروري، ونظري، وقال بعضهم: ما كان من العلوم الضرورية لا ضرر فيه يسمى بديهيا، إشارة إلى مراعاة مأخذ اللفظ من اللغة، وأن الاضطرار افتعال من الضرر. وإن قلنا: إن الضرر بمعنى القهر والإكراه فلا معنى لهذه التفرقة في علوم الضرورة، لأنها كلها موجودة بغير اختيار الإنسان.
فأما من قصر العلم على الشرع فظاهر البطلان، لأن صحة الشرع إنما يعرف بالعقل، وأما من قصر العلم على الحس، فإنه إن قطع بصحة قوله فقطعه بها ليس من الحس، فقد تناقض في قوله.
وأما من حصر العلوم في النظر فيرد عليه بالمعلوم ضرورة من استغنى بعضها عن فكر، كعلم الإنسان بنفسه، ولذته، وألمه، وعلمه بما يراه، وأيضًا فلابد عند المكابرة من الاستناد إلى ضرورة لا يخالف فيها، فإذا بقيت الضرورية، بطل هذا الاستناد.
وبقية المذاهب سوى ما ذهبنا إليه يعرف إبطاله من هذا الذي قدمناه، وإذا انحصر الحق فيما ذهبنا إليه من تقسيم العلوم فبين أئمتنا خلاف في العلوم النظرية هل هي مكتسبة تقع بعد النظرة، بقدرة الناظر عليها أم لا؟
فالمشهور من مذهب أئمتنا أنها مفتقرة إلى قدرة كافتقار سائر الأفعال الكسبية، كحركة المختار للتحرك، وذهب بعض أئمتنا إلى استغنائها عن القدرة، ورأى أنها تقع اضطرارًا كحركة المرتعش استدلالًا منه على أن المفكر وإن كان مكتسبا بفكرته، ومقتدرا
[ ١٠٢ ]
عليها، ويمكنه الانصراف عنها فإنها إذا اشتدت وتمكنت لا يمكنه دفع العلم عن نفسه، كما لا يمكن المرتعش دفع حركته.
وأجيب هؤلاء عن هذا بأن عدم القدرة على الفعل لا يقتضي كونه غير مكتسب، لأنا لجماعتنا نقول: إن القدرة الحادثة لا تتقدم المقدور بل تقارنه، وهي إذا قارنته ( جو) ولم يصح رفعه في حال وجوده، ولهذا قلنا: من اشتد في الجري، واستفرغ فيه وسعه، ثم حاول نظر جريه فلابد [من] حركات بعد إرادة القطع، يتدرج بها اقطع قليلا قليلا، فتلك الحركات مكتسبة، وإن كانت لا يمكنه رفعها () نفي الاقتدار على العلم، والانفصال عنها.
وأما من ذهب من أئمتنا إلى إثبات القدرة على العلم، وهو عندنا المذهب [الذي أخذ به] الجمهور منا، فإن نكتته أيضًا وجهان أحدهما إحساس التفرقة بين العلم الضروري ( لوم واحـ ) مثلان، وإن كان أحدهما ضروريا، والآخر نظريا، فإذا أثبتنا؟ () للقطع () وجود القدرة () (ص ٢٩) وعدمها في الآخر، وأجيب هؤلاء عن هذا بأن التفرقة المحسوسة إذا كان لابد من صرفها عن نفس العلمين إلى سواها، فلستم أحق منا إذا صرفنا التفرقة إلى وجود النظر في أحد العلمين ونفيه عن الآخر.
واعتذر الآخرون عن هذا بأن التفرقة محسوسة مع تقصي النظر، وعدمه، والعدم لا وجه لصرف التفرقة إليه، وهذا الفصل من لمشكلات، وإنما يصفو بعد الخوض في أحكام القدر ولليس هذا موضعه.
والوجه الثاني الاستدلال بأوامر الشرع، بمعرفة الله سبحانه، والضروري لا يؤمر به وأجيب هؤلاء عن هذا بصرف الأوامر الواردة في هذا إلى النظر المؤدي إلى المعارف، فإذا علمت حقيقة المذهبين، فالعلم الواقع نظريًا عند من نفي القدرة عليه، يختلف أصحاب هذا المذهب في صفة وقوعه، فالمعتزلي يثبت وقوعه على جهة التولد، ومذهبهم قد علم في صفة القدرة على المتولدات، وأما نحن فننكر التولد، ونثبت التضمن والتلازم، من غير إثبات كون النظر علة ومولدا، وإذا كشفنا كيفية وقوع العلوم، وأخبرنا بمبادئها على الجملة، فلنكشف عن مبادئ العلوم النظرية.
[ ١٠٣ ]