هذا باب أطال فيه أبو المعالي القول حتى خرج من فن إلى فن، ولباب ما أورده في هذا الباب سبع نكت:
- إحداها: كون العلوم كلها ضرورية.
- والثانية: حقيقة النظر والدليل.
- الثالث: كون النتائج كالمقدمات.
[ ١١٤ ]
- الرابعة: ما لا ينحصر من التقاسيم لا يوثق به.
- الخامسة: كون التقسيم المنحصر يعين العقل أحد قسيمة تارة، ولا يعين ذلك تارة.
السادسة: فرقان بين وقوعه على التعيين تبلدا منه، أو يكون المطلوب لا يعرف.
السابعة: الفرق بين الجواز حكما أو شكا، وتعلق بهذه النكتة السابعة طرف من الكلام في تعلق العلم بما لا يتناهى.
أما النكتة الأولى فقد مضى جوابها حيث تكلمنا على اختلاف أئمتنا في كون العلم النظري مقدورا للعبد أم لا.
وأما النكتة الثانية فإنه حصر النظر إلى التردد في أنحاء أساليب الضرورات، وأشار إلى أنه لا حاصل للدليل والنظر سوى تحديق العقل، وتجويد الفكر عن الغفلات نحو المطلوب مع صحة النحيزة. فأما حصره الفكرة بين تأمل أمرين، وتردد الفكر بين قسمين إما ثبوت المطلوب و[إما] انتفاؤه فصحيح ما قال، وقد قدمنا في الكلام على العقل الإشارة إلى أن أثبت أركانه العلم بكون المعلوم لا ينفك عن ثبوت أو انتفاء، فعلى هذا كل طالب معلوما ما فإنما يتطلب إن ثبوته أو انتفاءه.
وأما الاقتصار في النظر على تحديق البصيرة وتجريدها عن الغفلات، فإذا فعل ذلك أدرك المطلوب فأنت إنما تعرف بتحديق البصر نحوها، ومنعه من التقليب في الجهات، فليس هذا بالكاشف لحقيقة النظر، وكم من () ربط به عين فكرته، وهو غير قاصد للبحث عنه، وبطلت حقيقته، ولهذا يعبر عن النظر بأنه الفكر المطلوب به العلم، () فأنت ترى هذا الحد لم يقتصر فيه على الفكرة، حتى قيدت بكونها بحثا، والبحث والطلب زائد على التحديق والتجريد () لا مطمع في ضبط هذا البحث، ومباحث أهل العلوم مختلفة باختلاف أوضاعهم، وصور علومهم، وكل () البحث فيه ينضبط بل هو () لا يعرف صحة ما قلناه إلا المجربون، كره فيه من تركيب وتقدير () لا
[ ١١٥ ]
يحصر كثرة، ثم هذه، () علمين، نظرا () [أ] نتج له ذلك () إليه كون (ال ) (ص ٣٥) المجرد فإنه خلاف لما عليه جماعة الناس، والاستدلال والنظر عند العلماء غير الدليل، فإذا رأى الإنسان كتابة ففكر هل وقعت من كاتب أم لا؟ ففكرته هي النظر، والاستدلال، ووسيلة هذه الفكرة إلى العلم بالكاتب هي الكتابة، وهي التي تسمى دليلا.
وأما النكتة الثالثة وإشارته فيها إلى كون النتائج كالمقدمات، وأخذ يضرب مثالا في ذلك من كل علم فقال: إن المهندس إذا علم أن الشيء إذا ساوى شيئين، فكل واحد من هذين الشيئين مساو لصاحبه، وعلم هذا ضرورة وأضاف إلى هذا مقدمة ثانية فعلم أيضًا على الضرورة من غير فكرة، وهي كون الخطوط الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية، فإنه إذا أراد أن يعرف بعد هاتين المقدمتين كون قاعدة المثلث مساوية لكل واحد من ضلعيه، فإنه لا يمكنه أن يعرف ذلك بديهة كما عرف هاتين المقدمتين، ولكنه يعرض دائرة أخرى، ويركبها على هذه، ويعرف فيها هاتين المقدمتين فيعلم بتصريفهما فيما يشكل مطلوبة علما لا يمتري فيه، ولا يجد فرقا في وضوحه بينه وبين هاتين المقدمتين المذكورتين.
فكذلك الأصولي إذا شاهد تحرك جسم وسكونه فإنه حصل له معلوم ضروري ففكر بعده هل تحركه من مكانه واجب أو جائز ويحدق الفكر مترددا بين هذين القسمين فيتضح له أنه جائز، ثم يفكر في هذا الجائز هل وقع بمقتضى اقتضاء، أو بغير مقتض؟ ويردد الفكر أيضًا بين هذين القسمين المترددين بين النفي والإثبات، فيتضح له افتقاره إلى مقتض، ثم يفكر في المقتضى هل هو نفس الجسم، أو زائد عليه؟ وهذا الذي قاله وتمثل به غير مسلم له.
ولا أحد من المحققين ينكر فرقان ما بين العلوم الضرورية والنظرية، فإذا عرف العاقل أنه موجود فلا تجد في نفسه تلفتا إلى نقيض هذا الاعتقاد، ولا يجوز رجوعه عنه، واعتقاده ضده، ولا يصغي إلى مشكك له فيه بل يتخذ كلامه هزؤا، حتى إذا قال النظام: أنتم تعتقدون أن الجوهر لا يتجزأ، وها أنا أريكم خطأكم، كيف يصح انتظام الأجسام، وأن يحيط بجوهر فرد ستة جواهر، من جهات مختلفة، ولا يقدر مع اختلاف هذه
[ ١١٦ ]
الجهات الانقسام، أو يقول له: نحن نرى الجسم متناهيا بالطرفين، وكيف يكون ما لا يتناهى، له طرفان؟ أفترى عاقلا أن يقول إن الإصغاء لهذا كالإصغاء لمن قال للقاعد لست بقاعد.
وكم من عالم نحرير نصر مذهبا حقا أو باطلا أكثر أيام عمره وكان واثقا باستدلاله عليه، ثم انتقل عنه إلى نقيضه، وهل في الأرض عاقل يبدل اعتقاده في وجود نفسه؟ فهذه تفرقة لا يكابر فيها عاقل، ولا يمتري في تأتي تشكيكه نفسه في النظريات، وامتناع ذلك عليه في الضروريات، نعم حالة وقوع العلم لا يضامه الشك، لكونهما نقيضين.
وأخذ أبو المعالي بمثل ما علمنا، بمسألة ثبوت العرض، ولكنه لم يبعد النجعة، كأن يتمادى إلى آخر فصول حدث العالم، ويورد كل ما علينا من الأسولة، وكل ما لنا من الأجوبة، حتى يبصر كيف تدق الأمور، وتتفاوت مراتب العلوم في المعاني التي أشرنا إليها وهي في غيرها مما يبسط في مواضعه إن شاء الله ﷿.
فإن طلب الرجل نفسه، وجميع أبواب علم الكلام بأن يجري فيها على هذا الأسلوب الذي هو تردد بين أنحاء الضرورة خاصة فقد طلب معوزا () معجزا، وكثير من براهين أشكال المهندسين إنما هي علوم ضرورية مستورة عن العقل، فإذا زال ذلك الساتر عرف () الأول الضروري بعينه ونحن لا نطلب في علومنا هذا المطلب، ولهذا سمى أهل المنطق استدلالنا إقناعا (وه ) معنى الذي علينا أن نكلمهم على مسألة من الإلهيات ونظير حقيقة حجاجنا فيها، ونسامحهم بالمعاندة و() كل ما ورد حتى نضطرهم إلى الاستناد إلى مقدمة ضرورية، لا يمكن فيها عناد، ولا مكابرة، ثم ليسموا بعدها () في كثير من قوانينهم التي لا تخالف الشرائع، يتمسكون فيها بطرق من الجدال () الذي يصنعون في الإلهيات لولا المقصود من غرض هذا الكتاب لأوردت عليك () أو بطريقهم حتى ترى أنت ().
[ ١١٧ ]
وأما المسألة الرابعة () (ص ٣٦) بتقاسم لا يوثق بها، كالتقاسيم في علة صحة تعلق الرؤية وأوردنا فيه مقدار ما يليق بهذا الكتاب.
وأما النكتة الخامسة فإن أبا المعالي نوع التقسيم المنحصر الدائر بين الإثبات والنفي، إلى نوعين أحدهما يدركه العقل، ويعين مطلوبه في أحد القسمين، ومثل ذلك بأن تحرك الجسم المشاهد لا يخلو أن يكون عن مقتضٍ، فهذا يدرك العقل افتقاره إلى مقتض، والنوع الثاني لا يدركه العقل، ومثل ذلك بأن الإنسان يفكر في جوهر هل يصح تعرية عن اللون أم لا؟ فزعم أن العقل لا يدرك تعيين أحد القسمين، ولو امتد الفكر فيه أبد الآباد، ومن حاول قياسه على الأكوان فقد غلط، لا قياس في العقل، لكن إن كان الدليل الذي يصور في امتناع الخلو عن الأكوان يتصور في الألوان قضي به، وهذا الذي قاله شذ به عن الجماعة.
وسائر الأئمة مجمعون على خلاف ما قال، محيلون تعري الجواهر عن الألوان، نعم وعن غيرها من سائر الأعراض، وقد وافقتنا المعتزلة بصريهم وبغداديهم على هذه الإحالة بعد اتصاف الجوهر بالأعراض، وإنما خالفونا في جواز تعري الجوهر عن الاتصاف بالأعراض قبل أن يتصف بها، فقال جميعهم يجوز ذلك إلا في عرض واحد أبقوه، ليصح لهم الاستدلال على حدث الجوهر إذ المجيز لتعريها عن سائر الأعراض غير قادر على الاستدلال على حدث الأجسام لكنهم اختلفوا في هذا العرض فهل هو اللون، أو الكون؟
وقد كنا قدمنا قبل هذا مضايقة الأئمة في رد الغائب على الشاهد، وما ذكر معه من الأقسام حتى رددنا أبا المعالي إليهم فيما أظهره من الخلاف عليهم، وأشرنا إلى أن الدليل الذي قام على ارتباط حال العالمين بالعلم مطرد في القديم والحادث، كما أشار إليه أبو المعالي هاهنا، في طرد دليل الكون ولهذا نقول: إن الجوهر إنما قبل العرض لنفسه، فمحال أن توجد نفسه وهي غير قابلة للعرض، وهذا دليل مبسوط في كتب علم الكلام وهو مطرد في سائر الأعراض.
وأما النكتة السادسة فإن أبا المعالي أشار إلى غموض هذه التفرقة، وأكد في البحث عنها، وذكر أن الإنسان يحس من نفسه انقفال خاطره عن العلم المطلوب تبلدًا طبيعيًا، أو لعارض نفسي، أو غذائي، أو هوائي، أو لتحمله في التمادي في الفكرة فوق طاقته، وبين انقفاله لكون المطلوب منقفلا في نفسه، لا يتشوف فهم من الأفهام، وإن
[ ١١٨ ]
استنارت ولطفت واحتدت إلى فتح انقفاله، وربما وقع في النفس تردد في هذا الانقفال هل هو راجع إلى البصر أو إلى المبصر، وهذا في البصائر كهو في الأبصار.
ألا ترى أن الإنسان يفرق في نفسه بين كونه قاصرا عن إدراك ما وراء الجدورات، ويعلم أن ذلك غير راجع إلى ضعف البصر الطبيعي، وبين كونه قاصرا عن إدراك خطوط يقرأها غيره، ولكنه كل بصره، أو رمد وقد يشك بصره أيضًا في خطوط هل هي مما تقرأ أو مما لا يقرأها أحد، فكذلك حال العقل والمعقولات، ومثل فيما لا يدرك من قبل المطلوب لا من قل الطالب العلم بحقيقة الإله، وما هو عليه من صفات الجلال والكمال.
وحاول هاهنا جمعا بين فئتين مختلفتين الإسلاميين والمتفلسفين، فزعم أن الإسلاميين يقولون في علة نفي الإحاطة بحقائق الإله أن ما يتصف به حادث موسم بحكم النهاية لا يدرك ما لا يتناهى، وأشار إلى أن الفلاسفة يحومون على هذا المعنى، ويعبرون عنه بعبارة مستنكرة عند الإسلاميين، لأنهم يقولون: هذا العالم الطبيعي، ويشيرون إلى هذه المركبات من الاستقصاءات، كالحيوان والمعادن والنبات، ويشيرون إلى عالم آخر وهو عالم الطبيعة كنفوس الأفلاك وغيرها من الروحانيات ويرون أن هذا العالم الطبيعي كالجزء، والعالم الذي وراءه عالم الكل، والعلم إحاطة بالمعلوم، فكما لا يحيط الأصغر بالأكبر، والجزء بالكل إحاطة مماسة، فكذلك لا يحيط إحاطة () إنما يحيط الأكبر بالأصغر، والكل بالجزء في الحس والمماسة، فكذلك في العقل، والإحاطة والاستحواذ سلطنة [كسلطنة] السلطان الأعلى على الأسفل، والأكبر على الأسفل والكل على الجزء، لا الأسفل على الأعلى ولا الأصغر على الأكبر، ويرون أن الجزئيات فاضت علينا من العقل الكلي، وإنما اختصصنا نحن بهذا الفيض دون غيرنا من الحيوان، (لكو انعت) ( ببا) لقبول هذا الفيض، ولكنه إنما يقبل من هذا الفيض بقدر ما يحتمل، والإحاطة () (ص ٣٧) هما لا يحتملها هذا المزاج الجزئي، فلا
[ ١١٩ ]
يصح أن يكون هذا الجزئي والمقدار من الفيض الذي يعلم به ما تحته، يعلم به ما هو فوقه () لو عقل به ما فوقه، بما انحل منه، وهو العقل الكلي، وأحاط بجميعه، لصار كليا مثله.
وهذا تناقض، وليست هذه العبارة بمجردها مستنكرة عند أهل الإسلام كما قال أبو المعالي بل هي مستنكرة عندهم لفظا ومعنى، وقد كشفنا لك مقاصدهم بهذه كشفا يعرف منه استنكار معانيها عند المسلمين، ونحن إنما نحيل ما أحالوه، وذلك أنا نقول: قد تقرر في كتب علم الكلام أن الإنسان لا يعلم معلومين غير متلازمين بعلم واحد، بل يفتقر في كل معلوم إلى علم به، فإذا علم مسألة، ومعها مسائل، فلكل مسألة علم، وإذا ثبت أنه لابد لكل معلوم من علم، فإنما نحيل أن يعلم الإنسان معلومات لا نهاية لها على التفصيل، لأن ذلك لو جوزناه اقتضى أن يخلق في قلبه علوم لا تتناهى في زمن متناه، وخلق ما لا يتناهى في زمن متناه، [محال] لأن وصفنا الزمن بالتناهي يتضمن جواز خلق شيء آخر بعده، وقد قلنا: إن المخلوقات لا تتناهى، فأثبتنا التناهي فيها بتناهي الزمن ثم نفيناه عنها، لما قلنا إنها لا تتناهى، وهذا الوجه خاصة هو الذي نحيل أن يعلمه الإنسان.
وأما معلومات لها نهايات، وإن كثرت حتى يعجز أن يعدها منا العادون، فإن خلقها في الإنسان جائز، سواء كانت معلومات لعدم، أو لوجود، وسواء كان الوجود نفسه، أو من سواه من مركب أو بسيط أو روحاني أو كثيف على ما يهتفون به في تقاسيمهم، ولا فرق بين معلوم ومعلوم في هذا، ومن قدر على العلم بجوهر، قدر على خلق العلم بجوهر آخر، ومن قدر على خلق العلم بعرض قدر على خلق العلم بعرض آخر، وحصر هذا بعد لا سبيل إليه، إذ ليس لقائل أن يتحكم بالوقوف عند عدد، إلا وللآخر أن يزيد عليه، أو ينقص منه، لكن إن خرج بالزيادة إلى ما لا يتناهى فهو المحال، خاصة، لما قدمناه، وهذا أوضح من فلق الصبح.
وقد عبر أبو المعالي عبارة عن هذا الدليل، وأخذ بعض ألفاظنا فيه فأشار إلى كون الإنسان متناهيًا، وتناهيه يمنعه أن يحيط بما لا يتناهى، ونحن إنما جعلنا العلة تناهي الزمن، لما أريناك من تضمنه للتناقض.
وأما تناهى جرم العالم فلا مدخل له هاهنا، ولا مناسبة بينه وبين ما أشرنا إليه من التناهي إلا من ناحية الألفاظ والعبارات، ولو جوزنا خلق ما لا يتناهى في الزمن المتناهي لجاز أن يعلم الإنسان معلومات لا تتناهى، ولو كان في نفسه متناهيا ولا التفات إلى ما
[ ١٢٠ ]
قالوه، وما تشير إليه عبارة أبي المعالي عنها من جزء وكل، وكثر وقل، وهم كثيرا ما يتمثلون بالحسيات، ويناسبون الأبصار بالبصائر، وهذه العين ومقدارها في التجزئة - كما قد علمتم - تدرك في لمحة واحدة من السماء مقدار ما علمتم على بعد مقدار ما بينها في نفسها في الجرم وبين أجرام الجبال، والبحار، والسماء، التي تدرك، فلا إحاطة في إدراك أصغر أكبر منه، وإنما الحق ما مهّدناه، وقررناه، بالدليل الواضح.
وكذلك أيضا الحق في تمثيل هذا القسم أبو المعالي الخاصية في المغناطيس التي يجذب بها الحديد، وحكى عن الأوائل أنه لا سبيل إلى أن يطلع العقل على سر هذا، فأشار إلى القدح في مذهبهم، على أصولهم بكونه هذا كله من حديد ومغناطيس وجاذب ومجذوب من جملة عالم الطبيعة، وعالم الطبيعة فليست عقولنا جزءا منه فيستحيل إحاطتها بشيء منه، وإنما استحال إحاطتها بالعقل الكلي لكونها جزءا منه، ولا يحيط الجزء بكله.
ثم عطف عطفة أخرى، وأشار إلى كون الاختصاص بحكم فيض ما أفاض من النفس العلوية على المغناطيس، لكون المغناطيس متهيئًا أيضًا لقبول فيض هذه القوة كما تهيأ الدماغ من الإنسان لقبول فيض قوة العقل، وإذا () قوية علوية فغير مستنكر تقصير العقل على الإحاطة بها لما قدمناه من التعليل، وردد قوله في هذه المسألة، وأ [شار] إلى أنه لم يتهيأ محل العقل من الإنسان إلى أن يفيض عليه ما يعرف به، هذا الخفي من أسرار الطبيعيات، وإنما (ا ) قل الكلي ما يليق بهذا التمهيد، وهذا المقدار لا يبلغ أن يطلع به على هذه الأسرار.
وأشار أيضًا إلى [أنه لو كان ممكنا] أو يتأتى العلم [به] لعثر عليه عاثر، فلما انقضت الأعصار، ومرت الدهور والجس لا () (ص ٣٨) برا اقتضى ذلك أنه من قبيل ما يمكن معرفته، وعجبا له في هذا التردد، وهذا الاضطراب، ويطلب
[ ١٢١ ]
المعاذير عما قاله هؤلاء المبطلون.
والأصل الذي بنوا عليه كله فاسد، ومنهدم، وقد أوضحناه حتى صار كالشمس، وبينا أنه لا فرق بين معلوم ومعلوم في جواز العلم به، وأن الله سبحانه قادر على أن يخلق لنا العلم بهذا المعلوم بدلا من العلم بمعلوم آخر، وإنما المحال أن يعلم ما لا يتناهى على التفصيل لما بينّاه، فمن المقدور أن يعلمنا الباري حقيقة هذا الجذب، وكيفية ما في المغناطيس من خواص، أو غيرها، وهل قوة ما في المغناطيس إلا كقوة في الفلفل مغذ بها؟ ولكن جرت عادة هؤلاء الأوائل أن ينظروا في هذه الأجسام إذا تلاقت بانفعال بعضها عن بعض، فإن علموا للانفعال علة وسببا، واستند لهم إلى مقدمة ضرورية قالوا هذا أمر طبيعي، وسببه كذا، وإن لم يعلموا لهذا المشاهد من الانفعال سببا ولا علة قالوا هذه خاصية، فيعبرون عن جهلهم بعلة الحكم بالخاصية.
ألا تراهم لما نظروا إلى الصبر، وإلى السقمونيا فوجدوا كل واحد من هذين يسهل البلغم والصفراء، وكانت عندهم مقدمة أن الصفراء حارة يابسة، والبلغم بارد رطب، ومقدمة ثانية وهي أن الصبر حار يابس، والسقمونيا حارة يابسة، ومقدمة ثالثة وهي أن الضد ينفي ضده، أنتجت هذه المقدمات علة إسهال الصبر، والسقمونيا للبلغم، لكون المزاجين ضدين، فضادت حرارة الصبر والسقمونيا برودة البلغم، فنافته ومنعته من مجاورتها، فأما الصفراء فلا منافاة بينها وبين الصبر، بل هما متناسبان، في كونهما حارين يابسين، فلم يعلم لإسهال الصبر الصفراء علة، لارتفاع التنافي بينهما، فعبروا عن جهالتهم هذه الخاصية، والذي أحوجهم إلى تحسين العبارة عن أنفسهم لما جهلوا، أصولهم الفاسدة التي يبنون عليها.
وأما من أراح قلبه من هذه الترهان واعتقد أن الله سبحانه فاعل كل شيء، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئا، والجواهر متماثلة فليس بعضها أن يفعل في بعض بأولى من أن يفعل ذلك البعض في الفاعل الذي فعل فيه، فليس إلا فعل الله سبحانه الذي يخلقه عند مجاورة بعضها لبعض، ومقابلة بعضها لبعض، عادة أجراها وسنة في الخليقة أمضاها ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ونضايقهم في هذه الخاصية هل هي نفس جوهر المغناطيس؟ فإن قالوا: هي مجرد الذات من غير مزيد، قيل لهم: جوهر الحديد كجوهر المغناطيس، فلم اختص أحدهما بكونه جاذبا، والآخر مجذوبا؟
وإن قالوا: هو معنى يزيد على الجوهر، قيل لهم للجوهر صفات نفسية ومعنوية، فالمعنوية أعراضه المعقولة، كلونه، وطعمه ورائحته، وكونه، فأي هذه الأعراض هي
[ ١٢٢ ]
الخاصية؟ فلا يقولون في أحدها قولا إلا وقيل لهم خلافه، فلا يجدون مدفعا، وإن كانت صفاته النفسية فهي معقولة، كوجوده وتحيزه، وقبوله للأعراض، إلى غير ذلك من الصفات التي يشترك فيها سائر الجواهر، فلا يخصون منها صفة إلا وقيل لهم خلافها.
وأيضًا فهذه الصفات تشترك فيها سائر الجواهر، فلم اختص واحد منها بجذب الحديد دون الآخر؟ وهلا كان الحديد هو الجاذب، والمغناطيس هو المجذوب؟ فإن قالوا هي غير معلومة ولا معقولة، فإثبات صفة نفسية أو معنوية [خا] رجة عن الأجناس المعقولة مذكور أدلته في كتب علم الكلام.
وأيضًا فلو سلمناها مع الجهالة بها، لقيل لهم: [هل ذلك] يدل على علم فاعله وإرادته؟ وهذه الصفة تستحيل أن تكون مريدة عالمة، لأن الصفات لا تقوم بها الصفات، [ويحا] جون بما يحاج به الطبائعيون، وذلك مبسوط في كتب علم الكلام.
والعجب من أبي المعالي إذا علم بالدليل القاطع [فساد] القول بالطابع الفاعلة، وأقر بأن الله سبحانه خالق كل شيء، ما حاجته إلى تسطير هذا الهتف، وأخذه المعاذير (.. عه) في المعاذير حتى يتردد فيها، هذا على أن المعنى الذي أشار إليه، وإلى انقداحه في نفسه مسطور في كتبهم () ابن سينا، وهو معاصر لأبي المعالي، ويذكر أنه كان يذاكره، وهو أمام مات (جمل ة) عليهم ذكر الأفيون و() للجسم تبريدا قويا، فوق تبريد () (ص ٣٩) مركبا من العناصر الأربعة، وكالجزء منها، ولا يمكن أن يكون الجزء أقوى فعلا من الكل، فأشار إلى قوة فلكية أثرت فيه، حتى جعلته مؤثرا هذا التأثير، وهذا هو نفس هذا الذي أشار إليه أبو المعالي في المغناطيس، وأظنه منصوصا لهم عليه، لكن لم يثبت في حفظي الآن، إلا ما حكيته في الأفيون.
وعجبا لهم هؤلاء قوم يؤمنون بأنه لا يكون شيء من هذه إلا عن فاعل، فهلا جعلوا هذا الفاعل هو الله سبحانه الذي هو معلوم، دل عليه الدليل؟، ولم انصرفت عقولهم عنه إلى تطلب فاعل آخر لا يعقل معناه، ولا يثبت عليه دليل؟ وقد أشار هاهنا إلى الاعتماد على
[ ١٢٣ ]
الاستقراء، وذكر أنه لو كان هذا لأمكن أن يعثر عليه على عاثر، مع تكرير البحث عنه على مر الدهور.
وقد قدمت عنه أنه منع الاعتماد على الأقسام الغير منحصرة، كالتقاسم المستعملة في المصحح للرؤية، وقد قال يمكن أن يكون هناك قسم لم يعثر عليه المقسم، وإن طال الفكر فيه، وعميت عنه بصائر سائل المقسمين، فيقال هاهنا: هلا نقلت من هنا إلى هنالك، وقلت لو أمكن أن يكون هناك قسم آخر لعثر عليه عاثر، على مر الدهور؟ إلا أن يقول معتذر عن هذا أنا أمنع أن يكون هاهنا قسم يعلم في تقاسيم الرؤية، ولكن نفي العلم به، لا ينفيه، فينتقل الكلام إلى الفصل المتقدم، وهو النظر فيما يمكن أن يعلم أو لا يعلم.
وأما النكتة السابعة فقد تقرر أن كل عاقل يجد في نفسه فرقا بين تجويزه لأمر تجويزا يرجع إلى نفس الأمر المجوز، وتجويزا يرجع إلى جهالة المجوز، وحيرة المتردد، فمن قطع بجواز رؤية الله سبحانه أحس في نفسه فرقا بين هذا القطع بالتجويز وبين تحيره وتردده بين المذهبين: مذهب الأشعرية في جواز الرؤية، ومذهب القدرية في إحالة الرؤية.
وضرب أبو المعالي لهذا مثلا آخر، وهو ما قد اشتهر من الخلاف في تجويز خلق جنس من الألوان غير الألوان المعلومة، فمن صائر إلى إحالة ذلك، ومن صائر إلى القطع بجوازه، ومن تردد بين المذهبين شاك في جوازه وإحالته.
وهذا مبلغ القول في النكت التي عددناها على الجملة، وبسط القول في هذه المذاهب في الألوان مذكور في كتب الأصول، ولكن أبا المعالي أشار هاهنا إلى اختياره القطع بالإحالة، ونفي الجواز، وعلق بذلك مسألة عظيمة يجل فيها الخطب، وهي الكلام على تعلق علم الله سبحانه بما لا يتناهى على التفصيل لآحاده، وكون كل واحد مميزا عن صاحبه، فقال إني لو أجزت خلق أجناس من الألوان لاستحال الوقوف عند عدد لا يتعدى، وإذا استحال الوقوف عند عدد لا يتعدى لم يبق إلا القطع بنفي التناهي، وإذا قطع بنفي التناهي تضمن ذلك تعلق العلم بآحاد ما لا يتناهى على التفصيل، لكون كل جنس مشار إليه يختص بحقيقة يخالف بها جنس صاحبه، وهذا الاختصاص، وتميز واحد عن واحد، يتضمن إثبات التقدير، والتناهي، وقد فرضنا عدم التناهي، وهذا جمع بين النقيضين.
وأشار إلى تجهيل من قدح في هذا باعتقاد المسلمين أن الله سبحانه يعلم ما لا يتناهى، ولم يتضمن ذلك تناقضا، واعتذر عن هذا بأن المعلوم الذي لا يتناهى متناسب الآحاد، ليس بأجناس مختلفة فيضطر اختلافها في قضية العلم بها إلى تميز بعضها عن بعض، فإنما يتعلق العلم به، تعلق استرسال عليه من غير تفصيل لبعضه عن بعض،
[ ١٢٤ ]
واستشهد على صحة هذا بأنه لا يتناهى [وما لا يتناهى]، قد تقرر استحالة خروجه إلى الوجود، وما ذاك إلا لما تضمنه من التناقض بين إثبات التقدير والنهاية للموجود المفروغ من خلقه وإيجاده مع نفي النهاية عنه، ووصفه بأنه لا يتناهى، وذكر أن هذه حقائق إذا لاحت فليقل الأخرق ما شاء.
وأول ما أقدم بين يدي الكلام على هذه المسألة تحذير الواقف على كتابه هذا أن يصغي إلى هذا المذهب الذي قال، أو يتساهل في خطوره بباله، فضلا عن التشكك في محاله، فإنه أحد أركان الدين و(مع ) يؤدي التساهل فيه إلى مطاعن الزندقة والملحدين، وبودي لو محوت هذا من هذا الكتاب بماء بصري، لأن هذا الرجل له سابقة قديمة وآثار كريمة في عقائد الإسلام، والذب عنها، وتشييدها، وحسن العبارة عن حقائقها، وإظهار ما أخفاه العلماء من أسرار، ولكنه في آخر أمره ذكر أنه خاض في فنون من علم الفلسفة، وذاكر أحد أئمتها، فإن ثبت هذا القول (ص ٤٠) عليه، وقطع بإضافة هذا المذهب في هذه المسألة إليه، فإنما سهل عليه ركوب هذه المسالك إدمانه للنظر في مذاهب أولئك.
ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله سبحانه يخفى عنه خافية ولو دقت، حتى لا يحيط بها العقول، ولا تتوهمها الأوهام، والمسلمون لو سمعوا أحد يبوح بخلاف هذا لتبرأوا منه، وأخرجوه عن جملتهم، ونحن لو قنعنا في رد هذا المذهب بهذا المقدار، لكنا عوّلنا على ما يعول عليه في مثل هذا، لأنا إذا كان خطابنا مع موحد مسلم، كنا نخاطبه بلسان سائر المسلمين، ونقول له إن زعمت أن الله سبحانه يخفى عليه خافية، أو يتصور العقل معنى، أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف، أو عرض أو جوهر، أو حقائق نفسية أو معنوية، وهو تعالى غير عالم به فقد فارقت الإسلام، وإن كان كلامنا مع ملحد فنرد عليه بالأدلة.
ولابد من مقدمات نقدمها قبل أن نخوض في العقليات المختصة بهذه المسألة، فمن ذلك اختلاف أهل الأصول في وجوب اتحاد معلوم العلم الحادث، فأما ظاهر مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فإنه يوجب اتحاد معلوم العلم الحادث، ويمنع من تعلقه بأكثر من معنى واحد، وتابعه على هذا المذهب القاضي أبو بكر بن الطيب لكنه قبل ذلك بما لا يتلازم من المعلومات، وأجاز تعلق العلم الحادث بمعلومين متلازمين يستحيل أن يعلم
[ ١٢٥ ]
أحدهما ويجهل الآخر، وهي معلومات النسب، والتضمين، كالعلم بفوق، فإنه يستحيل أن يعلم فوق من يجهل تحت، وكذلك يمين وشمال، وخلف وقدام، وكذلك إذا قلنا هذا غير هذا، وهذا مثل هذا، وهذا خلاف هذا، فمن المحال أن يعلم التماثل بين اثنين أو التغاير بينهما من لا يعلم إلا واحدا منهما.
وأما ما لا يتلازم كزيد وعمرو، فلابد من اتحاد المعلوم، ولا يصح عنده أن يعلم هذان بعلم واحد، لأنا لو فرضنا أنهما يعلمان بعلم واحد لأدى ذلك إلى الجمع بين النقيضين، لأنه معلوم بالضرورة أنه من الممكن أن يعلم زيد، ويجهل عمرو، ويعلم عمرو، ويجهل زيد، فإذا قررنا تعلق علم واحد بهما أدى إلى أحد محالين، إما إحالة جائز أوجمع بين النقيضين، لأن العلم الواحد إذا تعلق بهما، فإن قلنا لا يصح أن يجهل أحدهما أحلنا ما كنا قدمنا القطع بجوازه وإن قلنا يصح الجهل بأحدهما مع بقاء العلم بالآخر فقد صار هذا الذي فرضنا الجهل به معلوما، من حيث فرضنا بقاء العلم المتعلق بصاحبه مجهولا من حيث فرضنا طريان الجهل به، وإذا كانت هذه العلة في منع تعلق علم حادث بمعلومين، فلا شك في فقدانهما في المتلازمين لما بيناه من استحالة العلم بأحدهما دون الآخر، وإذا وجب تقارنهما في العلم، لم يقتض تعلق علم واحد كما بيناه.
وأما أبو الحسن الباهلي أستاذ القاضي ابن الطيب، فإنه أجاز تعلق علم ضروري بمعلومات، ومنع ذلك في النظريات، لأن كل مسألة تختص بنظرها، ونظر ما يضاد نظر صاحبتها، لأن كل نظرين ضدان، والضدان لا يجتمعان، فتجويز تعلق علم نظري بمعلومين يتضمن إثبات نظرين، وإثبات نظرين معا محال، ولو جاز إثبات ذكرين لنظرين معا، فإنا نمنع تعلق علم ذكري بمعلومين، لأنه إذا ثبت ذلك في مهتديه ثبت في ذكره، إذ لا يصح أن نحيل أمرا في العلم الواقع عقيب النظر، ونجيز في العلم الواقع عند تذكار ذلك النظر مع كون ( رى) العلم متعلقا بما تعلق به الأول، وإذا كانت العلة عند هذه فلا شك أيضًا في فقدانها في الضروريات.
وحكى عن () وأصحابنا جواز تعلق العلم الحادث، بمعلومات متناهية، أو غير متناهية، وعبر هؤلاء كون علم الباري سبحانه متعلقا بما لا يتناهي، ومن حق العلل أن تطرد على سياق واحد شاهدا وغائبا، وهذا مذهب ضعيف لا يرتكبه محقق،
[ ١٢٦ ]
ووجود التفرقة بين علم الله سبحانه، وعلمنا، مذكور في كتب الكلام.
والدليل القاطع على أننا لا نعلم ما لا يتناهى، وأن ذلك مخال منا مبني [على] القاعدة، وهي إحالتنا تعلق علم حادث بمعلومين، ولو فرضنا أن الإنسان يعلم ما لا يتناهى من المعلومات لاقتضى () لا تتناهى وخلق علوم لا تتناهى في زمن متناه محال، فهذه مقدمة لما نحن بصدده.
وأما المعتزلة ( ني) القول بأن العلم يتعلق بالأمر على () مسألة اختلف الناس والمعتزلة على (ص ٤١) تجويز ذلك، إلا ابن الجبائي فإنه منعه في أحد قوليه، وأكثر أئمتنا على تجويز ذلك أيضا، وإذا قلنا بتجويز ذلك فبين أبي الحسن الأشعري والقاضي اختلاف: هل لابد أن يضام العلم على الجملة بالتفصيل أم لا؟ فرآه القاضي مضاما لها، ولم يره أبو الحسن الأشعري.
وقد اعتمد من قال إن العلم يتعلق على الجملة، كما يتعلق على التفصيل بأنا نعلم أن معلومات الله سبحانه لا تتناهى، وهذا علم منا على الجملة، وأجاب الآخرون بأنا إنما علمنا هاهنا بأن لله سبحانه علما يتعلق بما لا يتناهى فمعلومنا علم الله سبحانه، لا ما لا يتناهى، وهذا جواب ضعيف، ونحن نعلم حقيقة ما لا يتناهى على الجملة، وإن لم يستند ذلك إلى علم الله سبحانه به.
وكذلك نعلم من فارقناه عن قريب أنه بالمدينة معنا على الجملة، وإن كنا لا نعلم عين مكانه على التفصيل. وكذلك الدرهم المختلط مع دراهم نعلمه كائنا مع جملة الدراهم على الجملة، ولا نعين كونه ومكانه.
وأما طريقة من منع تعلق العلم على الجملة فسنشير إليها في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وأما اختلاف القاضي وأبي الحسن في كون العلم الجملي لابد أن يضامه الجهل بالتفصيل، فإنما يتضح معنى خلافهما إذا كشفت لك حقيقة منها ترقي إلى صرف خلافهما إلى عبارة، وذلك أن الذات قد تقرر أن لها صفات عامة حتى لا يوجد فوق تلك الصفة ما هو أعم منها، وخاصة حتى لا يوجد تحت تلك الصفة ما هو أخص منها، وبين هاتين صفات تكون بالمقايسة إلى ما فوقها خاصة، وإلى ما تحتها عامة، وبيان ذلك بالمثال: أن
[ ١٢٧ ]
السواد من أوصافه أنه معلوم، ولكن ليس فوق هذا الوصف ما هو أعم منه، لأنه وصف ينطلق على المعلوم والموجود، فإذا علم وصف آخر يميزه به عن المعدوم علمه موجودا، لكن الموجود الله سبحانه ومخلوقاته، فإذا علم وصف آخر وهو حدوثه، انفصل هذا المعلوم انفصالا آخر، لكن إذا علم كون هذا المحدث عرضا انفصل المعلوم انفصالًا آخر، لكونه قد تميز عن الجواهر، فإذا علم أن هذا العرض لون انفصل هذا المعلوم أيضًا عن بقية الأعراض، وإذا علمه سوادا انفصل هذا المعلوم عن بقية الألوان فمن علم سواد جوهر بعينه، فليس تحت هذا المعلوم ما هو أخص منه.
وهذه الأوصاف المشار بالجملة منها إلى التعميم، وبالتفصيل إلى التخصيص، فكونه لونا، خاص بالنسبة إلى كونه عرضا، عام بالنسبة إلى كونه سوادا، وليس من شرط من علم الوصف العام أن يجهل الخاص، وهذا يتضمن فلابد صحة ما قاله الأشعري من أن العلم على الجملة لا يقارنه الجهل بالتفصيل ضربة لازم، لأنا نعلم كون هذا العرض عرضا، ونجهل كونه سوادا، وتارة نعلم كونه عرضا ونعلم كونه سوادا، فقد اتضح أنه ليس من ضرورة العلم بالوصف العام، الجهل بالوصف الخاص.
فالذي قاله القاضي لا وجه له، لما بيناه، إلا أن يكون قصد المشاحة في العبارة، وذلك أنه يقول لا يسمى العالم بالوصف العام عالما بالجملة، إلا إذا جهل الوصف الخاص، وأما إذا علمه مع علمه بالوصف العام فلا أسميه عالمًا على الجملة، وامنع أن يقال إن الله سبحانه عالم على الجملة لما أشعر به هذا الإطلاق من الجهل بالتفصيل، فيعود ذلك بينه وبين الشيخ أبي الحسن اختلافا في عبارة.
وإذا وضحت هذه الحقائق، واستبان معنى العلم بالجملة والتفصيل، استبان منه القطع على فساد ما أشار إليه أبو المعالي من أن الله سبحانه يسترسل علمه على ما لا يتناهى من غير تعلق بتفاصيل آحاده، وذلك أنا إذا قلنا الله سبحانه يعلم نعيم أهل الجنة، وذلك لا آخر له، ولا نهاية، فإذا فرضناه عالما بشرب رجل من أهل الجنة كأس رحيق، وبشربه كأسا آخر، بعد ذلك، هكذا لغير آخر، فلابد أن نقول إن الكأس الأول متميز عن الثاني بجميع أوصافه الخاصة والعامة، والله سبحانه يعلم منه جميع هذه الأوصاف الخاصة والعامة، أو لا يعلم ذلك؟
فإن قال: إنه لا يتميز شرب كأس عن شرب كأس فقد كابر، () وإن قال: يتميز شرب بأوصاف [اختلف] بها عن صاحبه، والباري سبحانه عالم بجميع، قيل له فما
[ ١٢٨ ]
معنى الامتناع من القول إن الله تعالى [يعلم] التفصيل؟ وهذا هو غاية التفصيل، وإن قال إن الله سبحانه لا يعلم ذلك.
قيل له: فهذا معلوم أثبته، والله سبحانه جاهل به، [فإذا صح] جهله بهذا المعلوم صح جهله بمعلوم آخر، وما الفرق بين معلوم، ومعلوم؟
وأيضًا فيقال له أليس (ال ) على ما هي عليه من الصفات، وهو خالق هذا الذلا () واحد (عل تع) وأنت تستدل على () (ص ٤٢) للذات، وعلى كونه عالما بأحكامها، وعلى كونه مريدا بتخصيصها بما اختصت به من الأوصاف.
فإذا كان لا يعلم سبحانه هذه الأوصاف التي بها انفصلت الذوات بعضها من بعض، فيستحيل أن يريدها، لأنه محال عند كل عاقل أن يريد الشيء من لا يعلمه وإذا كان غير عالم بها، ولا مريدا لها، وهو صانعها تعالى، فبما أنكرت أن يدل خلق السموات والأرض على كونه عالمًا بها، مريدًا لها، وإن كان صانعها وكيف لا يعلم من خلق؟.
وهكذا اضطره هذا إلى أنه سبحانه عالم بها، فلا شك في أنه علم ذلك على التفصيل، وإن ركب أنه غير عالم بها، ولا مريد، فسد دلالة هذا العلم على كون سبحانه عالمًا مريدًا، وإذا ثبت صحة تعلق القدرة عنده بهذه الآحاد وإن كانت لا تتناهى، فكيف يتصور عاقل منع تعلق العلم بذلك؟ وهل القدرة والعلم لا تتساويان في مثل هذا؟ والمعنى الذي استبعد منه تعلق العلم يوجب القدرة، وإثبات المقادير يرفع نفي التناهي تناقض، وتدير عليه تقسيما منحصرا بين نفي وإثبات.
وهو قد سلم أنه أصح دليل في سائر العقليات، فنقول: هذا الذي استرسل عليه علم الله سبحانه هل يخرج منه شيء إلى الوجود أو لا يخرج؟ فإن قال لا يخرج أثبت تناهي نعيم أهل الجنة، وقد أخبر الشرع بخلافه، وإن قال لابد أن يخرج، قيل له فإن خرج منها عددان أو ثلاثة، فهل البارئ سبحانه عالم بها على التفصيل أو يعلمها على غير التفصيل؟
[ ١٢٩ ]
فإن قال لا يعلمها على التفصيل، قيل معلومان أو ثلاثة لا إحالة في علمها على التفصيل، ويمكن من المخلوق أن يعلم معلومين أو ثلاثة، وأكثر من ذلك على التفصيل، فكيف بمن هو بكل شيء عليم؟
وهذا يؤدي إلى جهله بكل شيء تعالى [عن] ذلك، وإن قال يعلمه على التفصيل، قيل له لا يخلو أن يعلمها بعلمه القديم الواحد، أو بعلم يتجدد له، فإن قال بعلم يتجدد له، فهذا مذهب الجهمية القائلين بأن الله سبحانه يعلم المعلومات بعلوم محدثات، وهذا باطل، وقد بسط الرد عليه في كتب علم الكلام، فلم يبق مع هذا التفسير الحاصر إلا إثبات كونه عالما بها بعلمه القديم على التفصيل، ونفرض ذلك في كل ما خرج منها إلى الوجود، حتى يؤدي إلى إثبات علمه بالتفصيل فيما لا يتناهى، كما قاله المسلمون.
وعجبا له من استشهاده علينا بما اتفقنا عليه من استحالة خروج ما لا يتناهى إلى الوجود، وواضح لكل متأمل فرقان بين كون ما لا يتناهى موجودا، وبين كونه معلوما، وذلك أنا إذا أثبتنا الفراغ من الموجودات فمعلوم قطعا أن يمكن بعد الفراغ إيقاع موجود آخر غيرها، ويزيد عليها فاعلها موجودات أخر، وإثبات زيادة عليها يقتضي كون الموجود قد تناهى، لأن الزيادة إنما تكون على متناه وما لا يتناهى ولا آخر له تستحيل الزيادة عليه. فإذا قلنا بعد هذا إنه لا يتناهى فقد ناقضنا، لأن ذكرنا الفراغ منه، يقتضي تناهيه، على ما بيناه، وقولنا لا يتناهى مناقض لقولنا إنه قد تناهى بالفراغ.
وأما إذا قدرنا ما لا يتناهى معلوما فليس هذه هنا إشارة إلى أمر أتى الفراغ عليه، لأن المعلوم لا يكتسب من العلم شيئا، وإنما يتعلق به على ما هو عليه، فإذا كان لا يتناهى، وعلم غير متناه، لم يتضمن تعلق العلم به إثبات نهاية له، كما تضمن ذلك من الفراغ إلى الوجود، وإذا لم يتضمن ذلك، فلا تناقض فيه، يؤدي إلى المنع، وهذا أوضح من فلق الصبح، لمن تدبره، وفي مثله ينبغي أن يقول المحصل: إذا لاحت الحقائق فليقل الآخر ما شاء.
وعجبا له، هو يعلم أن ابن الجبائي على صدقه عنده، ومن وافقه إنما صاروا إلى أن العلم يتعلق بأمر على الجملة، لأنهم لو قالوا بذلك لأبقوا لله سبحانه علما بالجملة، وذلك يتضمن الجهل على التفصيل، والله سبحانه يتقدس عن الجهالة.
وإن قالوا: إن الله سبحانه لا يعلم علم الجملة فقد أثبتوا أن للعبد معلومًا والله
[ ١٣٠ ]
سبحانه لا يعلمه، ومن الشنيع في أمر الدين أن يقال إن للعبد معلوما لا يعلمه الله سبحانه وهذا مستنكر من جميع المسلمين، وإن كان القاضي لما نفي تعلق علم الله سبحانه بالمعلومات على الجملة لم يلتفت إلى هذا التشنيع، ورأى () يجب أن تتبع، وهذا أمر نفي عن البارئ سبحانه الجهالة، وإضافتها إليه.
فأنت ترى هذه المذاهب كيف [جعلهم] الحال يحاذرون من الوقوع في مذهب [يؤدي] إلى إضافة جهالة إلى الله سبحانه، وإن كانت على هذا الأسلوب () (ص ٤٣) نفي جهالة أخرى عنه، فكيف بإضافة جهالات للباري سبحانه لا تنحصر ولا تعد؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وهذه النكتة التي منعت ابن الجبائي من القول بتعلق العلم بالمعلوم على الجملة أخرنا ذكرها هناك، لنوردها، هاهنا، على هذه الصفة، تبشيعا للمذهب الذي أشار إليه، وأنت إذا حققت معنى تعلق العلم بالأمر في الجملة، أو التفصيل هان عليك الجواب عن تعلق ابن الجبائي بهذا الذي تعلق به من استبعاد إثبات معلوم للعبد لا يعلمه الله سبحانه، وقد استبان من هناك صفة تعلق العلم بهذه المعلومات، وأن تعلق العلم بالجملة لا يتضمن الجهل بالتفصيل إلا على جهة المشاحة في عبارة.
ولعل أبا المعالي لا يخالف في شيء من هذه الحقائق، وإنما يريد الإشارة إلى معنى آخر، وإن كان مما لا يحتمله قوله إلا على استكراه وتعسف، وبالجملة فإنه مقال شنيع، ولفظ لا يقبل التأويل، فنسلك فيه ما سلكناه من الجمع بينه وبين الأئمة، على حسب ما قدمناه، في كلامنا على مخالفته إياهم في رد الغائب إلى الشاهد، وفي هذا كفاية.