الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أنحاء:
- مخالفة الراوي ما رواه بالكلية.
- ومخالفته لظاهر ما رواه على جهة التخصيص.
- وتأويله لمحتمل أو مجمل رواه.
وكل هذه الأقسام فيها الخلاف.
فذكر أبو المعالي الاختلاف في عمله بخلاف ما رواه، ونسب إلى الشافعي أن مذهبه اتباع روايته لا عمله، ولأصحاب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، وهكذا ذكر جميع الأصوليين الخلاف في تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه.
وأما تخصيصه بمذهب صاحب آخر لم يروه عن النبي ﵇، فإنه عليه القولين بين الأصوليين في كون قول الصحابي حجة إذا ابتدأ إنشاء مذهب في الفروع، فإن قلنا: إنه ليس بحجة فلا شك في كونه لا يخصص به. وإن قلنا إنه حجة فهاهنا يضطرب هؤلاء في تقديم حجة العموم أو حجة قول الصاحب الراوي.
وكذلك حكى بعض المصنفين الاختلاف في تأويله لحديث محتمل المعاني وصرفه إلى أحد محتملاته، هل يصار إلى مذهبه في ذلك أم لا؟ وكان الأشهر في هذا القسم المصير
[ ٣٢٨ ]
إلى تأويله، ومثله أبو المعالي بقوله ﵇: "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء"، وأن عمر راويه ﵁ حمله على أن المراد به التقايض في المجلس، فوجب المصير إلى تأويله وصرف إلى أحد محتملاته.
وقد ذكر في هذا الباب رواية ابن عمر: "البيعان (ص ١٤١) بالخيار ما لم يفترقا"، وحمله ذلك على فرقة الأبدان. وهذا يحتاج إلى تحقيق وتفصيل، به يعرف في أي نوع يقع من التماثل، فإن قلنا: إن الافتراق ينطلق على افتراق الأبدان دون ما سوى ذلك، وما سوى فرقة الأبدان لا ينطلق عليه هذه التسمية لا حقيقة ولا مجازا، فإن هذا الحديث وتأويله لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يكون كحديث رواه راو وعمل به.
وإن قلنا: إن هذه التسمية تنطلق على فرقة الأبدان وفرقة الأقوال حقيقة، ولكن لا نقول بالعموم بل نقف، كان مذهب ابن عمر كالبيان للمحتمل.
وإن قلنا: إنه ينطلق على الفرقة بالأقوال مجازا، ولكن لا يعم اللفظ في حقيقته ومجازه بل يحمل على الحقيقة خاصة، كان هذا أيضا لا مدخل له في هذا الباب.
وإن قلنا إنه يحمل على العموم فيهما، أو قلنا بحمله على العموم فيهما لأجل كون التسمية حقيقة فيهما كان هذا كالتخصيص للعموم.
فهذا تحقيق القول في تجويز هذا التمثيل، أطلق القول فيه المصنفون، وقد تكلمنا نحن في كتابنا المترجم بالمعلم عن هذا الحديث ومعناه، وما يعارض به، وما تؤول عليه، بما فيه كفاية.
وقد اعتذر أبو المعالي عن مخالفة الفقهاء لأحاديث رووها بأنه قد يكون لهم أصول تقتضي ترك الحديث، قد علم ذلك منهم، فلا يستنكر مخالفتهم لما رووه، ولا يعود ذلك بالقدح في الراوية، كما علم من أصل مالك ﵁ في أنه يقدم عمل أهل المدينة على الحديث، فإذا لم يقل بفرقة الأبدان في البياعات فعذرة اتباع العمل المقدم عنده على الخبر.
كما قد علم أيضا أن من أصل أبي حنيفة أنه يقدم القياس على الخبر، إذا خالف خبرا رواه لقياس اقتضاه، فلا تستغرب مخالفته إياه ولا يعود بالقدح في روايته.
ومما عد في هذا الباب رواية أبي هريرة غسل الإناء من ولغ الكلب سبع مرات، وإباحته الاقتصار على الثلاث، وفتواه بالاقتصار على الثلاث مخالفة للعدد المحدود فيما رواه، وهو يعد في النوع الذي قدمناه من مخالفة الحديث التي هي بمعنى النسخ، لا بمعنى
[ ٣٢٩ ]
التخصيص، وقد قررنا المذاهب في هذا كله.
والنكتة التي لم يدر عليها هذا الخلاف، ومنها ينشأ النظر في المسألة أن لو تحققنا أن حديث النبي ﷺ خولف بطريق لا يجب اتباعها لم يختلف مسلم في طرق هذه المخالفة، وترك الالتفات إليها.
كما لا يختلف أحد في أن هذه المخالفة إذا علم أنها بوجه حق، وطريق يجب اتباعها كحديث آخر سمع من النبي ﵇ يجب أن يرجع إليه، فإن الرواية لا يعمل بها، بل يعمل بما صار إليه الراوي، وليس ذلك لأجل مذهب الراوي، بل لما أحلنا عليه من قول الرسول ﷺ، فإذا لم يتحقق أحد الأمرين، فهنا يحسن الخلاف، ويقع الإشكال في هذا الوسط إلى كل واحدة من الحاشيتين، فحسن عند قوم تحسين الظن بالرواة، وحمل مخالفتهم على أمر سمعوه من صاحب الشرع غير ما أبدوه ونقلوه، فصاروا إلى اتباع مذهب الراوي.
ورأى آخرون أن كلام صاحب الشرع قد دل الدليل على وجوب اتابعه، ونحن على يقين من صدقه وصحته، لا نترك قوله ﷺ لقول غيره.
وفصل أبو المعالي القول فرأى أننا إن تحققنا أن مخالفة الراوي كانت لنسيان الخبر، أو لأنه لم يفهم معناه، فلا شك أن الحق اتباع ما رواه، وكذلك إن فسق فسقا يظهر منه أنه اجترأ على مخالفة ما روى عصيانا وطغيانا، فإنه لا يعتبر بمذهبه في المخالفة، بل يجب اتباع الرواية إذا أوردها في وقت يجب فيه قبول روايته لعدالته. وكذلك إذا روى خبرا بالرخص والتحليل في أصوله، أما في التحريم ثم وقف متورعا فإنه لا يترك الخبر لوقوفه الذي دعاه إليه المبالغة في التورع والتمسك بالأفضل.
وإن خفي عنا سبب المخالفة، ولكنا علمنا أنه خالف ذلك عمدا وقصدا، فالمختار لا يعمل بما رواه، لأن الظاهر أنه لا يرتكب مثل هذه المخالفة إلا بمسموع آخر اقتضى مخالفة، من الأسباب التي قدمناها، وإن لم نحط علما بالداعي إلى المخالفة، ولا ظنناه، بل ترددنا في ذلك تردد شاك، فإن الواجب اتباع ما رواه، إذ ما رواه محقق، فلا يترك المحقق المتيقن إلا بأمر مجوز.
ولو ظننا أنه يعمل المخالفة ظنا من غير يقين، فإن هذا ربما أثر في دلالة العام وحطها عن منصبها (ص ١٤٢) في قوة الظهور، حتى يكون التأويل المخرج للفظ عن الاستيعاب المطابق لمذهب الراوي تساهل فيه ما لا يتساهل فيه، إذا لم تقع هذه المخالفة المظنونة
[ ٣٣٠ ]
من الراوي. وستقف على تحقيق هذه المرامي وإيضاح هذه المعاني في كتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.