قسم أبو المعالي هذه المدارك على ثلاثة أقسام تقسيما كليا:
- العقل المحض.
- ومدرك مشترك بين العقل والعرف.
[ ١٣١ ]
- ومدرك سمعي محض.
ثم حصر مدرك العقل المحض في أربعة أنحاء:
- العلم بالجواز.
- ومحض أحد الجائزين بالوقوع.
- ووجوب مخالفته للجائزات.
- والصفات التي لا تكون مخصصا إلا بعد حصولها.
وهذا الذي قاله فيه نقصان ومداخلة، أما النقصان فإن العلوم التي أشار إليها هي التي لا يصح العلم بصدق الرسول إلا بعد العلم بها كالعلم بحدث العالم، وإثبات صانعه، وقدمه، ووحدانيته، واقتداره، وعلمه، وإرادته، وجواز بعثته الرسل. وقد علم أن هذه العلوم ينبني بعضها على بعض على الجملة، وحدث العالم مقدم فيها، وقد علم أن من مقدماته التي لا يتم العلم بحدثه إلا بعد العلم بها: استحالة حوادث لا أول لها، والاستحالة نقيض الجواز، فلا معنى لحصر العلوم الدينية في الجائزات خاصة، ومما يفتقر إليه في العلم بحدث العلم استحالة قيام الصفات بالصفات إلى غير ذلك من ضروب الإحالات، مثل استحالة تعري الجوهر عن الأعراض، وغيرها.
فاتضح أن الذي قاله قاصر عن استيعاب المطلوب هاهنا، وأما المداخلة، فإنه ذكر في القسم الثالث العلم بمخالفة المخصص للمخصصات وذكر في الرابع العلم بالصفات التي لا يصح كونه مخصصا إلا بها، ووجوب مخالفته للمخصصات داخل في هذا، إذا كان المراد المخالفة التي لا يتم كونه فاعلًا إلا بها وهي المقصود في هذا الباب، لما أشرنا إليه من الحاجة إلى علم صدق الرسل.
واعتمد أبو المعالي في هذا الفصل في إثبات كلام الله سبحانه على التضمن العقلي فقال: العالم لابد أن يقارن علمه إخبار عن المعلوم مطابق للعلم، وإذا طابق الخبر العلم، كان صدقا، لأن حقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو به، وحقيقة الصدق الإخبار عن الأمر على ما هو به، وأشار إلى أن العلم يتضمن هذا الخبر، كما يتضمن الحياة، فكما لا يصح علم دون حياة، فلا يصح علم دون الخبر والطريقة المشهورة في الاستدلال أن الباري سبحانه ثبت كونه حيا، والحي يصح منه أن يكون متكلما، فالحياة مصححة لقبول المحل للكلام، وضده الذي هو الخرس، فلو لم يكن الباري سبحانه متكلما لكان أخرس تعالى عن ذلك، ولو ثبت الخرس له، قائما به، لم يقدر إلا قديما، إذ القديم لا تحل به الحادثات،
[ ١٣٢ ]
وإذا قدر قديما استحال تصور الكلام منه، والخرس نقص، وآفة، والنقائض والآفات يتعالى الله سبحانه عنها.
واختلفت طرق الأئمة في تعاليه عنها، هل ذلك عقلا أو سمعا، فقيل: العقول تقتضي أن الإله لا يكون ناقصا، ويكون العبد المربوب أكمل منه، وقد قال النبي ﵇ في الصحيح في الدجال أنه أعور، وأن الله ليس بأعور، الحديث، فنبه على أن من الحجة على كذبه في دعوى الألوهية نقصه بالعور، والإله لا يكون ناقصا، وقيل بل تنفى أمثال هذه النقائص عن الباري بالسمع، وإجماع الموحدين على نفيها، وقد ذكر في كتب الكلام الاعتراض على هذه الطريقة، فإنها تتضمن إثبات الكلام بالكلام، لأن نفي النقص () والسمع هو كلام الله، فكأنا أثبتنا كلامه بكلامه.
وأجيب عن هذا بأن المعجزة تدل على صدق الرسول، () وكون المرسل متكلما، وفي حق من لم ينص ()، فلو وقفت دلالتها على ثبوت الكلام لام (ص ٤٤) الإله وصفاته فيستعمل فهيا البرهان المستقيم، سوى نفي الألوهية عن الإله، وهل نفي الألوهية عن الإله إلا من جملة صفات الإله، وهو أشار هاهنا إلى إخراجها عن هذا النوع، ولأن [نفي] الانقسام عن الجوهر الفرد يتضح تصوير برهان الخلف فيه لمن طالع أدلة القوم عليه وأقر بها أنه لو كان ينقسم إلى غير نهاية لم يكن الفيل أكبر من الذرة، فلما كان الفيل أكبر منها دل على أنه يقف في القسمة عند حد، بمحصول أنه لما ثبت استحالة كونه لا يتناهى ثبت كونه متناهيًا، وأنت إذا تدبرت ما قلناه عنهم، من المثال يكون العالم متناهيا، وضعت في هذه المسألة مثل ما وضعك في تلك، فتأخذ من مذهب الخصم في أنه لا يتناهى تجعله مقدمة كالشكوك فيها فتقول: الجسم لا يتناهى، وتضيف إليه، كل شيئين لا يتناهيان فلا يكون أحدهما أكبر من الآخر، فالنتيجة أن جسما لا يكون أكبر من جسم، وقد علمنا بطلان هذه النتيجة بالحس والمشاهدة، فما كانت كاذبة باطلة إلا لبطلان إحدى مقدمتها، فلا سبيل إلى صرف الكذب إلى قولنا: لكل جسمين لا يتناهيان فلا
[ ١٣٣ ]
يكون أحدهما أكبر من الآخر، فاضطرت إلى صرفه إلى المقدمة الأخرى وهي قولك الجسم لا يتناهى، فإذا كانت هذه المقدمة كاذبة، فنقيضها هو الصدق، ونقيضها أن الجسم متناه.
فهذا هو معنى قول المتكلمين، لو كان الجسم لا يتناهى لم يكن الفيل أكبر من الذرة، فاختصروا هذا كله، واقتصروا على ما قلناه، لأن ما سواه معلوم واضح، لا يفتقر إلى عبارة عنه، وإثبات مقدمة أو مؤخرة. وفي هذا كفاية.