حكى أبو المعالي عن الأئمة أنها مرتبة عشر مراتب، العلم بالنفس وما فيها من لذة أو ألم، ثم العلم بما يستحيل كاجتماع الضدين، ثم العلم بالمدركات، المرئيات وغيرها. وبين هؤلاء اختلاف في المدركات على أربعة أقوال:
[ ١٠٩ ]
- هل متساوية في المرتبة؟.
- أو البصر مقدم لعموم تعلقه؟
- أو السمع مقدم، لأن الله تعالى قدمه، إذ يقول: (أفأنت تُسمع الصم)، ثم ذكر بعده (أو تهدى العمى)؟
- وقيل البصر، والسمع سيان، ولكنهما مقدمان على غيرهما.
ثم العلم بالأخبار المتواترة لكونه يفتقر إلى فكرة ما، ثم العلم بالصنائع والحرف، ثم العلم بقرائن الأحوال كخجل الخجل، ووجل الوجل، ثم العلم بالنظريات العقلية، ثم العلم بجواز انبعاث الرسل، ثم العلم بالمعجزات، ثم العلم بالسمعيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وهذه التقاسيم التي حكاها فيها اختلال، واعتل أصحابنا بأضعف اعتلال، ولا وجه لتأخيرهم المدركات، لأجل غلظ يقع فيها، كما يرى من اعتل بصره [فرأى] بعض المرئيات على غير ما هي به، لأن هذا لو التفت إليه لكان قادحا في العلوم الضرورية، وبهذا اعتل السوفسطائية لإنكارهم جميع الضروريات، فإذا لم يلتفت سائر العقلاء إليه لما احتج السوفسطائية فكذلك هاهنا، وإنما نتكلم على السليم الحواس.
ولا وجه أيضًا لتأخيرهم العلم بامتناع اجتماع الضدين لكون العلم بذلك يفتقر إلى فكرة في ذات الضدين لأنا إنما نشير هاهنا إلى العلم باستحالة الحالتين النقيضين، فعلم الإنسان بأنه لا يصح أن يكون حيا ميتا، ولا قائما قاعدا كعلمه بنفسه ولذاته وألمه، وأما ذات الضدين فقد قال قوم من أئمتنا إنما يعلم استحالة اجتماعهما بالدليل، ولهذا غلط فيه أصحاب الكمون والظهور، وأما الحالان المحسوستان فلم يجوز اجتماعهما أهل الكمون هذا التقسيم [العلم] بالحرف والصناعات على العلم بقرائن الأحوال، وأنى لهم بذلك؟
وبين الأئمة خلاف [في العلم] بالحرف والصناعات، هل هي مكتسبات أو ضروريات؟
فمنهم من قال إنها نظريات، لأن متعلم الصنعة لا يهجم عليها حتى يستعمل فكرة،
[ ١١٠ ]
ويتأمل حركات معلمه، ويدبر كيفية ما يقول في التعليم، وربما مر عليه في ذلك الأعوام وهذه هي العلوم النظرية.
ومنهم من قال: بل هي ضرورية، لأنه لا يمكن الشك فيها، لأن من يعلم الخياطة وتمرن على عملها لا يطرأ عليه () منها علما، وقد قيل لهذا الإشكال إن أول موقعها نظري لافتقارها لتقدم الفكرة، والنظر تتوالى () وتعلم () ضروريا وأيضًا فإن (العا ) وإلى الحس والمشاهدة (فيلت ) وركات () الأحوال جوابه ما () بي (ال ) لكن عنده (ص ٣٣) النظر العقلي في المرتبة السابعة، وعدهم النظر في انبعاث الرسل مرتبة ثامنة، وهل يعرف جواز انبعاث الرسل إلا بالنظر العقلي؟
وهم قد جعلوا النظر العقلي كله في المرتبة السابعة، فما بالهم أخذوا بعضه فجعلوه مرتبة ثامنة؟ ويلزمهم على هذا إذا أخذوا في تعيين مسائل النظر العقلي أن يرتبوا مراتب لا تنحصر، ولم يصرحوا في هذا التقسيم بالعلم بوجوب العادات، ولعلهم اكتفوا بكون بعض الأقسام التي ذكروا يشير إليه.
وأضرب أبو المعالي عن التنبيه على هذه الوجوه المختلفة صفحا، ورأى هذا المسلك نازحًا عن الحق، وعنده أن العلوم كلها ضرورية، فلا تفاوت فيها، والأمر كما قال في أن العلوم لا تفاوت فيها، والضروري والنظري إذا تعلقا بمعلوم واحد، فهما مثلان، على ما بين في علم الكلام، كيف؟ وإنما يعرض التفاوت بينها، لخفاء وظهور، والخفاء نقيض العلم، لأن العلم نستبان به الأمور وتتضح، فإذا فرضنا علمين تعلقا بمعلوم واحد، على ما
[ ١١١ ]
هو به، فكيف تصور التفاضل؟ وإن كان أحدهما تعلق بالأمر على غير ما هو به، فهو جهل وإن تعلقا به على ما هو به، فلا خفاء يقدَّر.
ويقع في كلام نقلة الشرع من فقهاء ومحدثين الإشارة إلى خلاف هذا الذي قررناه، فيقولون بزيادة إيمان على إيمان، وهؤلاء من أشار منهم، إلى () العلم بالله، فهذا الذي يحتج بما قدمناه، ونحن وإن قلنا بما قررناه من تساوي العلوم، فإننا نمنع القول بأن إيمان أحد كإيمان النبيين صلوات الله عليهم، لأن هذا من سوء الأدب معهم في الشرع، والتسامي إلى مراتبهم، كيف وبعض أئمتنا يقول فيهم إنهم يعرفون الله سبحانه ضرورة؟ ومن قال: بل يعرفونه بالاستدلال، فلا شك في توالي المعرفة على قلوبهم، وأن قلوبهم لا تفتر من ذكر الله سبحانه، واعتقاد جلالته، وسعة ملكوته، واستشعار الخوف منه، والحياء، وإخبات القلب، وانتفاء الشكوك، وكثرة الأدلة، والطرائق الموصلة إلى المعارف، وشتان بين من أحس برد اليقين، وبين من يصارع وخز الشكوك، ومن عصم من نزغة الشيطان، وآخر يجول في ميدان قلبه الشيطان، والعلم بالله يقارنه تصديق به، وهذا التصديق به، وبكل ما جاء به رسله يتبعه توابع من الخير، من حياء بالله سبحانه ومخافة، ومسكنة، وغير ذلك من أحوال الذين اتقوا وهم محسنون.
وأما النظر في نفسه فقد اختلف فيه الأئمة فمنهم من أطلق عليه الجلي والخفي، وهذا أبو إسحاق الإسفراييني قد صنف ديوانه الكبير، وترجمه بهذا المعنى: النظر الجلي الدقيق، ومنع بعضهم إطلاق هذه التسمية على النظر، لأن الاتضاح والانجلاء لا مناسبة بينه وبين نفس الفكرة، والنظر المؤدي إلى المعارف، وإنما الجلاء والاتضاح في نفس المعارف كما تقدم. لكن من النظر ما يستند إلى مقدمة ضرورية، لا واسطة بينه وبينها، فلا ينتهض العقل إلا أدنى نهضة، ولا يجرد الفكر) إلا أدنى تجريد وقد حصل الناظر على مطلوبه، ومنها ما يكون بينه وبين المقدمة الضرورية وسائط كثيرة بيني بعضها على بعض فلا يتوصل إلى الآخر إلا بعد قطع الفكر مسافة تلك الوسائط كلها، فيكد الذهن، وتتسع الفكرة، ويبعد عن الحسيات بعدا كثيرًا، فإن أشير إلى الجلاء واعيا في النظر إلى هذا المعنى، فهو معنى صحيح، وإنما تبقى المناقشة في العبارة.
[ ١١٢ ]