أما صيغة الأمر والنهي فقد تقدم بيانهما، وأما (ص ٩٩) ما يسمى أمرا ونهيا فقد تقدم أيضا بيانه، وأن الجازم يسمى بهذا، وما لا جزم فيه من أمر أو نهي فعلى القولين، وأما ما
[ ٢٤٦ ]
ينصرف إليه هذه الصيغ فيكثر تعداده، وقد عد أبو المعالي منه وغيره من ذلك مصارف كثيرة.
فأما الأمر فهو ما ورد من هذه الصيغ على:
قصد الإيجاب كقوله: (وأقيموا الصلاة).
أو على الندب على طريق من قال: المندوب إليه مأمور به، مثل قوله: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا).
وقد ينضاف إلى الندب قصد آخر فتوصف الصيغة به كقوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، فهذا بمعنى الإرشاد إلى الأحوط.
وترد بمعنى الدعاء كقوله: (اهدنا الصراط المستقيم).
وترد بمعنى التهديد كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم).
وبمعنى التكوين كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين).
وبمعنى الإنذار كقوله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار).
وبمعنى الإكرام كقوله تعالى: (ادخلوها بسلام أمنين).
وبمعنى الإهانة كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)، وقد علم أن الآخرة ليست دار تكليف، ولا طلب، فالمراد بهذين ما قلناه من إكرام، أو إهانة.
وبمعنى الإنعام، كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم)، والظاهر أنه تذكير بالنعمة، وإن كان فيه معنى الإباحة.
وبمعنى التسوية كقوله تعالى: (اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم).
[ ٢٤٧ ]
وبمعنى الإباحة كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا).
وبمعنى التأديب والتمرين كقوله [عليه] السلام لابن عباس، وكان صغيرا: "كل مما يليك".
وبمعنى التمني، قال امرؤ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
وبمعنى التعجيز كقوله تعالى: (أتوا بسورة من مثله)، وقوله: (كونوا حجارة أو حديدا).
وبمعنى التحكيم والتفويض كقوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض).
فهذه خمسة عشر محملا المختصة بالصيغ المقيدة بالقرائن، وهي الندب وما بعده مما عددناه معه.
وأما الإيجاب فهو معنى يختص بالأمر المطلق على الرأي الذي قدمناه في ذلك، وهذه المحامل التوسع في زيادة البيان، وإفراد كل نوع عن نوع بأدنى عارض هو الذي دعا إلى عد هؤلاء، فربما قد أدخل بعضها [في بعض]، ألا تراه عد قوله تعالى: ادخلوها بسلام أمنين) قسما، وعد [قوله]: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) قسما آخر، ووصف هذا بأنه امتنان، وهذا بأنه إنعام، والامتنان إنما يكون بالنعم، ولكن عرض في الثاني معنى الإباحة، كما نبه عليه فأفرده بالذكر.
وكذلك عد قوله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) قسما القصد منه الإنذار، وعد قوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) قسما آخر القصد منه التهديد، وقد يتقارب المراد فيهما. وكذلك عد قوله تعالى: (فاقض ما أنت قاضٍ) قسما آخر، وقد
[ ٢٤٨ ]
يدخل أو يتقارب بعض ما تقدم.
وهذا التنبيه يرشدك إلى ما سواه، وإلى ما ذكرناه في النواهي، إن مطلقها للتحريم على الرأي الذي قدمناه، ومقيدها يرد للتنزيه، وللدعاء، وللإرشاد كقوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، ولبيان العقابة كقوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، وللتحقير والتقليل كقوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم)، ولإثبات اليأس كقوله تعالى: (لا تعتذروا اليوم). وهذه المصارف جارية على ما نبهناك.
[ ٢٤٩ ]