الكلام في هذه المسألة من أربعة أوجه:
- أحدهما: محلها.
- والثاني: العبارة عنها.
- والثالث: نقل المذاهب فيها.
- والرابع: سبب الخلاف فيها.
فأما محلها فإن الأمر بعبارة متكررة تستوعب سائر الأوقات كالإيمان بالله، لا يصح فيه تصور التراخي، لأن تقدير التراخي فيه يخرجه عن الاستيعاب، وأما إذا كان الأمر بعبارة واحدة، وأعداد محصورة، فلا يخلو من أن يرد مؤقتا، أو مطلقا:
فإن ورد مؤقتا، فوقته حاصر له، يستغني بتحديده عن تصوير التراخي أو الفور.
وأما إن ورد مطلقا، فهاهنا محل الخلاف، وهذا في الأوامر، وأما النواهي فالمعروف من مذاهب العلماء أنها ليست محل الخلاف، ولا يتصور فيها التراخي، لاستيعابها الأزمان، وقد قدمنا أن الأمر المستوعب للأزمان لا يتضور هذا فيه. وأشرنا في الباب الذي قبل هذا إلى ارتفاع الخلاف عند قوم من المصنفين في النواهي، وأنهم يزعمون أن الاتفاق حصل على حملها على الاستيعاب وذكرنا عن القاضي أنه لا يحملها على الاستيعاب كالأوامر.
وذكر أبو المعالي في تلخيصه أنه لا يعرف حقيقة مذهب القاضي في هذه المسألة، هلي حمل هذه المرة التي تضمنها النهي على الفور أو التراخي، وأشار إلى أن الأليق به أن ينسب إليه موافقة الجماعة في حمل النهي على الفور.
وأما الأذري فقد صرح بحمل النهي المقتضي إطلاقه مرة واحدة على الانتهاء واجتناب الفعل مقدما أو مؤخرا، وهذا بعيد تصوره على مجاري الشرع، واللسان، وسننبه عليه.
والوجه الثاني بتحرير العبارة عنها، فاعلم أن المصنفين والمتناظرين أولعوا بهذه
[ ٢١٠ ]
العبارة، وهي القول: الأمر المطلق هل يحمل على الفور أو على التراخي، فأما قولهم: على الفور فعبارة تطابق المعنى المراد، وتنبئ عنه، وأما قولهم: على التراخي فعبارة لا تطابق المراد، لأن مقتضاها أن البدار إلى الفعل لا يجوز، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما مرادهم إجازة التأخير، فإذا كان هذا هو المراد فالعبارة المنيبة عنه أن يقال: يقتضي الامتثال من غير تعيين وقت) أو يقال: يقتضي الامتثال مقدما أو مؤخرا (ص ٨٠) أو ما في معنى هذه العبارات.
وكان شيخي يعبر عن هذا بأن يقول له: التراخي يشير إلى المكلف، وهذا كله تحرير عبارة، وإلا فالمراد متفاهم بين أهل هذه الصناعة، وإن عبر عنه بما ألفوه.
والوجه الثالث نقل المذاهب، فاعلم أن للعلماء في هذه المسألة ثلاث مذاهب:
فمنهم من ذهب إلى حمل الأمر على الفور والبدار، وينسب هذه المذهب إلى أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك البغداديين. وأشار بعضهم إلى استنباط هذا من قول مالك إن تفرقة الوضوء عمدا لا يجوز، ويوجب استئناف الطهارة، وما ذاك عنده إلا بحمل الأمر على الفور.
- ومنهم من ذهب إلى حمله على التراخي، ينسب هذا إلى الشافعي، وبه قال بعض المتأخرين من المالكية المغربيين، واستنبطوا أيضا هذا مما وقع لمالك من أمر للزوجة باستئذان الزوج في الحج، عاما بعد عام، وما ذاك عنده إلا حمل الأمر على التراخي.
- ومن الناس من ذهب إلى الوقف بين هذين المذهبين، فلم يقطع بأحدهما، ولأصحاب الشافعي هذه الثلاثة أقوال، وكذلك لأهل الظاهر.
فأما من قال بالفور فإنه يؤثم من أمكنه الفعل فأخره، ولكن اختلفوا على قولين بعد اتفاقهم على حصول التأثيم، هل يجب إيقاع الفعل بعد أن فاتت المبادرة إليه، ويكون ذلك من مقتضى الأمر الأول، وكان معناه: افعل عاجلا، فإن فاتك عاجلا فافعل فيما يليه، أولا يجب إيقاع الفعل بعد أن فات البدار إليه إلا بأمر آخر؟
وكذلك أصحاب التراخي اتفقوا على أن لا إثم في التأخير ما لم يغلب على الظن الفوات إن لم يفعل، ولكنه مع هذا اختلفوا إذا مات والتأخير له سائغ هل يأثم أم لا؟ فمن أصحاب مالك المتقدمين من آثمه، وهو الذي اختاره أبو المعالي، ومن الناس من لم يؤثمه، وهذا اختيار القاضي ابن الطيب.
[ ٢١١ ]
ومن قال من هؤلاء بالتأثيم اختلفوا على قولين، هل يتعلق التأثيم بآخر زمن من فعل الإمكان الذي تعقبه الموت، ولا يتعدى هذا الزمان أو يتعلق به، وينبسط على ما قبله من أزمنة الإمكان؟
وكذلك الواقفية اختلفوا أيضا، هل الوقف في سائر الأزمان حتى يشك في المبادر إلى الفعل هل هو ممتثل للأمر أم لا، إنما يشك فيمن أخره عن أول زمن الإمكان، هل يتعلق به الإثم أم لا؟ وأما من بادر إليه ففعله، فلا شك في كونه مطيعا ممتثلا، وهذا مذهب حذاق المالكية الواقفية، وهو الذي اختار أبو المعالي.
والوجه الرابع سبب اختلاف هذه المذاهب، والوجه فيه أن نفرد أهل كل مذهب بتعلقهم.
فأما أهل الفور فيتمسكون باستدلال عقلي ولغوي وقياسي، وظواهر شرعية.
فأما الاستدلال العقلي فإنهم يرون أن القول بتجويز التأخير، يوقع في إحالة، إما إحالة مترددة ما بينها وبين إحالة غيرها، وإما إحالة متحدة معينة، فأما إيقاعه في إحدى إحالات، فتصور في المكلف إذا مات، فيسالون عنه، هل مات مؤثما أو غير مؤثم؟ في وزان من قال من أصحابنا بأنه يموت غير مؤتم، يوقعهم في إحالة واحدة، وهي إبطال حقيقة الوجوب، وإخراج الواجب إلى حقيقة النفل، وذلك أن النفل من مات ولم يفعله، فلا إثم عليه. فإذا كان الحج مثلا لا يؤثم من مات ولم يفعله، وقد تمكن منه، فقد لحق الحج المفروض بالنوافل.
وأما من قال بالتأثيم من أصحاب هذا المذهب كما حكيناه عنهم، فإنه يقع في إحدى إحالتين، الجمع بين إباحة الشيء والتاثيم فيه، لأنا إذا جوزنا له التأخير، ثم آثمناه في التأخير، فكانا تناقضا، لأن الجواز يرفع المآثم، والمآثم ترفع الجواز، وإن قيل إن التأخير إنما جاز بشرط ألا يموت المكلف قبل أن يفعل فقد علق الإباحة على أمر مجهول، وتعلق الأحكام على أمر مجهول، كالخطاب والإلزام بأمر مجهول، وذلك محال.
ولما كان القاضي ابن الطيب وابن فورك يريان انتفاء المآثم، اعتذروا عن هذا الإلزام بأن أثبتوا العزم على إيقاع الفعل بدلا من تقديم إيقاعه، ورأوا أن التأخير لم يسقط وجوبه إلا بإثبات عوض [عنه] وهو العزم، فأشبه تخيير الحانث بين إطعام المساكين، أو كسوتهم، فإن الإطعام وإن لم يؤثمه في تركه إذا لم يفعله وعوض عنه الكسوة لم يخرج عن حقيقة الوجوب، لأنه إنما سقط إلى بدل، كأنه هو، والنفل يسقط ولا يؤتى عنه ببدل.
[ ٢١٢ ]
وأنكر أبو المعالي إثبات العزم هاهنا، ولم يره عذرا، وانفصالا عن الإلزام، لأنه تعجب من القاضي إذا أنكر إشعار الصيغة بالوجوب، مع زعم أكثر العلماء أنها تشعر بذلك في اللسان، وأثبتها مقتضية للعزم.
وقد ظن أبو المعالي بأصحاب هذا الانفصال، ولم يقولوه، وذلك أنهم صرحوا بأن (ص ٨١) العزم لم يثبتوه بدليل قام عليه، وطعن أيضا فيما قالوه بأن المسألة مفروضة في عبادة متحدة متعينة، وإثات العزم مخيرا بينه وبين العبادة يخرج العبادة عن التعليق والاتحاد في الأمر، وهذا أيضًا لا يلزمهم، لأنهم يجعلون العزم بدلا من العبادة، حتى يكون إيقاع العزم يسقطها كالحال في الإطعام، إذا سقط للكسوة، وإنما يرون العزم عوض التقدمة، فإذا أوقع العزم سقطت عنه التقدمة خاصة، وبقي مطالبا بالفعل على حسب ما كان يطالب به أولا، في التخيير بينه وبين العزم، فلم يزل الأمر عن تعلقه بالفعل، ولا يسقط الفعل أصلا بفعل غيره، وطعن عليهم أيضا بأن أشار إلى أن هذا خرق الإجماع، وما أحد يؤثم من مات وسط الوقت في الصلاة، ولم يخطر له العزم ببال، ولا أحد يوجب إخطار العزم بالبال.
وهذا لا يسلمه له القاضي، ولو سلم القاضي الإجماع لم يجسر على مخالفته.
وقد كان دار بيني وبين الشيخ أبي الحسن اللخمي ﵀ في هذا السؤال مقال طويل حين قراءة البخاري عليه، وذلك أني عرض له بمذهب القاضي في إيجابه العزم، فاشتد إنكاره لذلك، واستبعده، كما استبعده أبو المعالي هاهنا، واستعظم القول به، فلم يكن إلا قليلا حتى قرأ القارى: "إذا التقى المسلمان بسيفهما"، الحديث، وفيه تعليل النبي ﵇، كون المتقول في النار بكونه حريصا على قتل أخيه.
فقلت له: هذا يشير إلى ما قاله القاضي، لأن الحديث إنما اقتصر فيه التعليل بالحرص على المعصية التي هي القتل، ولم يتعرض إلى حمل السلاح لذلك، ولا إلى المكافحة، فلم يكن منه ﵀ جواب، عن هذا ينقل سوى التمادي على الإشارة إلى استبعاد هذا.
وقد وقع لأبي المعالي في هذا الباب إغفال وذلك أنه ذكر عن القاضي أنه يقول بالعزم، وتردد المكلف بين العزم والفعل، كل وقت إلى آخر زمن الإمكان، ثم قال بعد هذا في الباب بعينه: ولا يظن بهذا الرجل العظيم - يعني القاضي - أنه يوجب العزم مكررا، وإنما يراه يجب مرة [واحدة]، وينسحب حكم هذه المرة على هذه الأزمنة،
[ ٢١٣ ]
فيكون فيها كالعازم كالنية المنسحب حكمها من أول العبادة على أثناء العبادة.
فأنت ترى كيف اتفقت عليه هذه الغفلة، هو بنفسه يحكى عن رجل مذهبا ثم يقول: لا يظن أنه يقول به، ولو أورد عنه لفظا محتملا، ونبه على احتماله، ثم قال: لا ينبغي أن يظن به المصير إلى أحد محتمليه الذي هو كذا، وكذا، لحسن هذا، وأما وقد حكى عنه لفظا يبعد عن الاحتمال، ولم يتعرض حاكيه إلى تنبيه على احتماله، ثم يقول: لا يظن به أنه يقول: بما حكيت عنه أنه يقوله، هذا إهمال، وإنما يقع من مثله بحكم الاسترسال.
وأما القاضي فإنه سلك في إثبات العزم في التبشيع أيضا بعكس مطلوب أبي المعالي، فيقول: إذا خطر ببال المسلم فريضة من الفرائض مؤخرة فلابد أن يكون قد قارن هذا الخاطر تصميم منه على فعلها في المستقبل، أو تصميم منه على أنه لا يفعلها سائر أيام عمره، فاعتقاده، وتوطين نفسه على ألا يفعل ما فرض الله سبحانه عليه، كالتهاون بأمر الله سبحانه، والاستخفاف بمعصيته ومثل هذا لا يسوغه أحد، ولا يستخفه مسلم، وإذا كان منهي عنه كان ضده مأمورا به، وضده هو العزم على فعل الطاعة، فيقابل استعباد أبي المعالي إيجاب المسلمين العزم باستبعاده هو أن يقول المسلمون بإسقاطه، وفيه ما قلناه من الشناعة.
وهذا أوردته على الشيخ أبي الحسن اللخمي ﵀، تماما، لما كنت حكيته عنه، فأشار إلى أن هذا يرده الحديث الصحيح في أن "من هم بالسيئة ولم يعملها لم تكتب"، فإذا قلنا مثلا إن الحج على الفور، فقال في نفسه: لا أحج أبدا، ثم بعد ذلك حج صار الخاطر المتقدم هما، والهم بالمعصية مغفور، ومنعني من التمادي معه في هذه المسألة تعلقها بعلم قوم آخرين وهو النظر في الإرادات، والأمنيات، والعزائم والشهوات، وغير ذلك من اعتقادات القلوب، وكلام النفس، وهذا من الرقائق الذي لا يحسن استقصاؤه إلا في كتب علم الكلام.
فهذا الكلام في المسألة على طريقة القاضي القائل بأن من مات، وقد أخر العبادات التي ورد الأمر بها مطلقا لا يأثم.
وأما على طريقة من قال إنه يأثم فإنه يرى أن هذا الخطاب لا إحالة فيه، وإلى هذا أشار أبو المعالي، وليس في هذا إيقاع في تكليف ما لا يطاق، ولا إلزام (ص ٨٢) أمر مجهول، وذلك أن الممتنع في هذا أحد أمرين، إماما يمنع منه فهم المخاطب، كمخاطبة الميت والنائم وإلزامه حال نومه فعل ما خوطب به، وإماما يمنع الامتثال كقوله: تصدق بدرهم من الكيس معين، ولا يدله على عينه، ويلزمه امتثال ما أراد الآمر بأمره، وما عينه في طي غيبه، وإما إلزام المكلف الخطاب بعبادة يفهم معناها، والمراد بها، كالحج مثلا،
[ ٢١٤ ]
ويجعل ميقات إيقاعها سائر أيام العمر فإن أوقع فيه برئ من الأمر، وإن مات قبل أن يوقع باء بالإثم، فإنه لا إحالة في هذا، لأن الخطاب يفهم والامتثال يمكن، وبيد المكلف ركوب الخطر في الإثم أو القطع على السلامة منه، وقد جاء الشرع بإيجاب الكفارات إيجابا متراخيا، ولم يوقع ذلك في تكليف ما لا يطاق.
وأجمعت الأمة في قضاء الصلوات الفائتة بأعذار، ثم العمر مدة لقضائها.
وانتبه لتحرز أبي المعالي بقوله هاهنا: ثم العمر، فإنه لما صدر كلامه بإجماع الأمة على قضاء الصلوات الفائتة بأعذار، وكان جماعة من العلماء يوجبون القضاء على الفوز، والبدار، استفتح القول بحرف ثم، مشيرا به إلى مذهبه، لا إلى مذهب جمع الأمة، وهكذا أيضًا تحرزه بقوله: بأعذار، لأن قضاء من تعمد ترك الصلاة فيه خلاف، على أنه مع تقييده وتحرزه في هذين الموضعين المنبه عليهما لا يصفو له ما حكاه من الإجماع مع الأعذار، لأن ما زاد على الخمس صلوات قد حكي فيه خلاف شاذ.
وأما استدلالهم الثاني بإحالة متحدة معينة، فهو أنهم قالوا إن الواجب لا يسوغ تأخيره، وإذا قلتم بحمل الأمر على التراخي أجزتم التأخير، وإنما يجوز التأخير في الندب، وإلا فما الفرق بين الندب والواجب، وهذا جواب القاضي عنه، ما تقدم من إثبات العزم بدلا، فيكون هذا البدل عوضا عن التأخير، فلو جمع بين ترك البدل والمبدل منه، لأثم عنده، وهذا قد قدمناه في صدر المسالة.
وأما أبو المعالي المنكر للعزم، وأن يكون الشرع تعبد به، فإنه هاهنا يصعب عليه الانفصال في العبادة المؤقتة، وأما الأمر المسترسل على سائر العمر فإنه قد حكينا عنه يثبت فيه التأثيم، والتأثيم إذا ثبت فارق الندب، فالمكلف إذا أمر بعبادة جعل سائر عمره وقتا، فكأنه قيل له: إن فعلتها بدارا، أو بعد تراخ فقد امتثلت، وأطلعت، وأخذت بالحزم، ولم تركب ظهر الغرر، ولم تسر على منهج الخطر، فإن لم تفعل حتى مت فقد حاق بك ما كنت مخاطرا فيه من استحقاق العقاب، فهو مخوف بسبب هذا التكليف، مروع أن يموت قبل الفعل فيستحق العذاب، والشرع محصوله في مثل هذه تهاويل، وتخاويف مفزعة للنفوس حتى تسهل على النفوس إذا لاحظتها مشاق العبادات.
وأما فلو ترك عبادة قد ضاق وقتها وتعينت كصلاة الصبح عند طلوع الشمس فإنه لا يوقن بعذابه عليها، بل يرجو عفو الله سبحانه، ولكنه مع رجائه خائف منه، فكذلك الحج إذا قلنا إنه على التراخي فإن الإنسان خائف من الله سبحانه أن يعذبه عليها إن مات ولم يحج.
إلى هذا أشار أبو المعالي، ولكن عندي بين الخوفين بون بعيد، هذا التارك لأمر مضيق، قد صار عرضه العذاب، واستحق النكال، وأن ما يرجو أن يرتفع عنه واقع،
[ ٢١٥ ]
وارتفاعه عند بيد غيره، وأما هو فلا قدرة له على رفعه، وهذا الذي يؤمل الحج لم يستحق عذابا، فيرجو اندفاعه، وهذه المخالفة أيضًا بيده لإزالتها بأن يحج فلا يخاف والآخر لا يمكنه إزالة خوفه، نعم تارك الحج إذا مات صار كالحي التارك لعبادة مضيقة، في كونهما جميعا استحقا العذاب، ولكن عفو الله سبحانه مجوز فيهما جميعا.
وأما العبادة المؤقتة فإن أبا المعالي لما أحس بلزوم المعارضة وأنه إذا فارق القاضي في إثبات العزم لا حيلة له فيها إلا أحد أمرين: إما إثبات التأثيم، كما قاله شذوذ من الفقهاء، وصرحوا بأن من مات وسط وقت الصلاة، ولم يصل فإنه آثم.
وهذا الذي قالوه لا يلتفت إليه، لأنه مذهب مستنكر عند المسلمين، فهؤلاء لا تلزمهم المعارضة، لأن إثباتهم التأثيم يلحق هذا الفعل بحقائق الواجبات، وإما تسليم المعارضة وإنكار حقيقة الوجوب.
وقد زاحم أبو المعالي نفسه حتى اضطر إلى ركوب هذا، والخروج عن مذهب أصحابه إلى مذهب أبي حنيفة القائل بأن الصلاة إنما يتحقق وجوبها آخر الوقت المضيق، وأما قبل ذلك فإنها نائبة مناب الواجب وكان أول الوقت، ووسطه ظرفا ليعلم المكلف أن الإيقاع فيهما يغنيه عن الواجب الحق، وأما الواجب الحق فالإيقاع (ص ٨٣) آخر الوقت.
ولما كان أبو المعالي من المطلعين على أسرار الفقه والطرق الفقهية، باح بأنه خالف طريقهم في هذا، لأنهم يقولون إن العبادة إنما تقدم قبل وجوبها فتجزئ إذا كانت عبادة مالية، مثل الزكاة، وأما البدنية مثل الصلاة فلا. فقال أبو المعالي البدنية كالمالية في هذا على أنه إن تفطن متفطن إلى انتفاء المآثم في حق من مات وسط الوقت، ولم يصل فهذا لم يأت بالفعل الذي هو الصلاة، ولا بالبدل الذي هو العزم، ولا إثم، فكيف يتصور وجوب الصلاة هاهنا؟ فأشار إلى أن لا حيلة في هذا إلا الرجوع إلى أصل أبي حنيفة في أن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت. فهذه طرق الاستدلال العقلية، ذكرنا ما لهم فيها، وما عليهم.
وأما اللغوية فإنهم يقولون: من تواني عن امتثال أمر الآمر حسن لومه، وتوبيخه، لاسيما في الأمر إذا صدر ممن له حق ويخاف سطوته، ويعظم جلاله، فإن هذا يطابق أهل اللسان، والعقلاء على البدار إلى أوامره، من أن يعد المتواني مستخفا بالأمر أو مجتريا عليه، وهذا يقتضي حمل الأوامر على الفور، وهذا لا يسلمه لهم الآخرون، ويزعمون أن ما يبادر إليه من هذا فبحكم قرينة حال اقتضت البدار، أو احتياطا واستظهارا، أو حذارا من سطوة الملك المرهوب.
[ ٢١٦ ]
وأما الظواهر الشرعية فقوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات)، وقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم).
ولأهل التراخي أن يقولوا: المغفرة لا نسارع إليها، لأن ذلك مما لا يكتسب، والمراد المسارعة إلى فعل ما يتضمنها، كالتوبة، والتوبة على الفور باتفاق، أو يحملوه على ما يقرب من هذا المعنى، لا سيما والقاضي ينكر حمل الأمر على الوجوب بمطلقه، فيطالبهم بإيجاب المسارعة والاستباق، ويقول لهم قد يكون هذا ندبا، ولا ينكر حصول الفضل في المسابقة إلى الخيرات للسلامة من الخطر، أو الخروج من الخلاف الذي قدمناه في حمل الأوامر على الفور.
وأما القياس فإنهم يقبسون الأوامر على النواهي، وهذا قد تقدم كلامنا عليه مذهبا وفرقا، أما المذهب فقد حكينا ما قاله الأذري، فالأذري غير مسلم للأصل المقيس عليه، وأما من سواه فقد ذكرنا أن النهي نفي، والنفي يشعر بالاستيعاب، والاستيعاب يشعر بالمنع من التراخي، وذكرنا فروعا كثيرة، أنت قد تصرف منها ما تصرفه من هنالك إلى هنا، وقاسوا أيضا الفعل على الاعتقاد، فقالوا كما يجب المبادرة إلى اعتقاد الوجوب، وإلى العزم على الفعل، فكذلك نفس الفعل تجب المبادرة إليه.
وقد قدمنا نحن الجواب عن سبب الاعتقاد، وأن ذلك ينتجه التصديق بالله ورسله، وهذا لا يصح التأخير فيه، بخلاف الفعل.
وأما العزم فإنما يتصور إثباته معجلا مع تسليم تأخير الفعل، وتأخير الفعل هو مطلوبنا، وأما إذا وجب الفور استحال تصور العزم، فلا يستدل على صحة مذهب بأمر ينافي ذلك المذهب، وقاسوا أيضا على أحكام شرعية وهي الطلاق والبياعات، فإن الطلاق يتعجل حكمه، وكذلك البيع، وهذا يقابلون فيه بعكسه، من الأحكام الشرعية، فإن الكفارات يجوز تأخيرها، فليس القياس على البيع أولى من القياس على الكفارة. هذا والقياس في مثل هذا لا مدخل له، لأنا إنما نتكلم على حقائق لغوية، وهذه حقائق شرعية.
وأما أصحاب التراخي فإن النكتة التي يعولون عليها أن الأمر الذي يقتضي امتثال الفعل، وإيقاعه لا أكثر من ذلك، فإثبات زمن معين للإيقاع لا يتضمنه الأمر، ولا يشعر به، وإنما يشعر بالزمان من غير جهة اللفظ، وهو العلم بافتقارنا إلى محال زمانية ومكانية، فإنما يثبت ما تمس الحاجة إليه في الفعل وهو زمان ما، ومكان ما وإذا أثبتنا هذه المحال على هذه الصفة ثبت أن إيقاع الفعل في سائر الأزمنة مبادرة إليها، ومؤخرا مطابق للأمر،
[ ٢١٧ ]
وقد اتفق على هذا في المكان، وأنه لا يتعين، فليكن الزمن كذلك، ولا معنى لقولهم إن المكان يتعين إذا قلنا بوجوب البدار، لأن التأخير عن المكان الذي سمع فيه الخطاب إلى مكان [آخر] تأخير للزمن، وقد فرضنا أن الزمان لا يصح تأخيره، فقد تحقق أن المكان إنما يتعين تبعا لتعين الزمن عندهم، لامتناع خروجه عن المكان الذي سمع فيه الخطاب إلى مكان آخر من غير قطع زمان ثان.
ومما يؤكد تساوي الأوقات في كونها محلا للإيقاع، أن الفعل يلزمه لوازم لا تنحصر كالصحو، والغيم، والريح القوية أو الضعيفة، والمكان المشرف أو المنخفض، ثم لا أحد يقول يجب استفسار الآمر عن حال من هذه الأحوال دون حال، فكذلك الزمن.
وقد أجيب عن هذا بأن هذه أمور يعلم قطعا أن لا (ص ٨٤) غرض فيها لأحد من الآمرين، ولا يلتفت إليها أحد من المخاطبين، ولا تمر على بال آمر، أو مأمور وتعجل الفعل المأمور به أو تأخيره من الأغراض الصحيحة التي قع فيها الآمرون منا، فيحسن الالتفات إليها، وسؤال الآمر عنها.
وهذا منه نشأ مذهب أصحاب الوقف، لأنهم يرون أن من الأوامر ما ينبغي فيها الآمر التعجيل، ومنها ما ينبغي فيهما التأخير، حتى يحسن استفهامه عن قصده، وإذا حسن استفهامه اقتضى ذلك احتمال الأمر للمعنيين، وإذا احتمل، اقتضى احتماله الوقف، إذا لا سبيل إلى القطع على أحد المحتملين دون الآخر إلا بدليل.
وكان هذا يشير إلى طريقة أصحاب الوقف حتى في الزمن الأول، والآخرون من الواقفية لا ينفون في الزمن الأول، بل يقطعون على كون الفعل الموقع فيه امتثالا مجزيا، ومخرجا من عهدة الأمر، وإنما يقفون في اللوم والتاثيم إذا أخر الفعل إلى الزمن الثاني، فما بعده، حذارا أن يكون الآمر أراد التعجيل فخولف.
وأما إرادته التأخير حتى يكون التعجيل عنده منعوتا مخالفا لغرضه وأمره، فيرون ذلك خروجا عن المتعارف عند أهل اللسان، وعن المعتاد عند سائر الآمرين. وكأن الآمر منا إما أن يكون محتفلا بما أمر به، مهتما به، متشوقا إليه، ينتفع بتعجيله، ويتضرر بتأخيره، فهذا لا يشك في أن التعجيل موافق له وإما إن يكون الأمر مما [لا] يهمه، ولا يحتفل به، ولا يتضرر بتأخيره، فهذا يعلم أن تعجيله ليس بمخالفة له، ولا عصيان لأمره، فقد حصل كون
[ ٢١٨ ]
التقدمة غير مخالفة لقصد الآمر في الحالين جميعا، وإنما يقع الشك في التأخير.
وقد استدل أصحاب التراخي بالقياس على الخبر، في كونه لا يفيد تعجيلا، إذا قلت: سيقوم زيد فإن هذا اللفظ، محتمل لقيام زيد معجلا، ومؤخرا، وهذا غير صحيح، لأنه قياس على اللغة، وقد منعناه. وأيضا فإن هذا خبر، والخبر لا يتضمن الإنجاز والأمر طلب، والاقتضاء يتطلب الإنجاز، وينافيه التأخير.
وأيضًا فإن فعل الحال يخبر عنه، ولا يؤمر به، وهذا يشعر باختلاف أحكام الأخبار والأوامر وأن وضعهما مختلف، واستدلوا أيضًا بالقياس على البر، كمن قال: والله لأدخلن الدار، فإنه لا يحنث بتأخير الدخول، وهذا أيضًا من نحو الأول، لأن قياس، ونحن منعنا من قياس لغة على لغة، فكيف بقياس لغة على حكم شرعي.
واستدلوا أيضًا بحجج النبي ﷺ، وقد أوقعه ﷺ مؤخرا عن الأمر به، لأن الأمر به ورد في سنة ست من الهجرة، وحجة ﷺ كان في سنة عشر، فقد أخر الحج عن فور الأمر أربعة أعوام، وما ذلك إلا لكون الأمر المطلق على التراخي.
وقد نازع الآخرون في هذا وقالوا لم يفرض الحج عليه صلوات الله عليه إلا في سنة تسع، وبسط القول في التعلق بهذا الأمر مبسوط في كتب الفقه.
ومما يلحق بهذا الفصل إيضاح معنى مشكل تصويره على بعض هذه المذاهب، وذلك أنا حكينا عن طائفة أنها تحمل الأمر المطلق على الفور، وتؤثم المؤخر، وبعض هؤلاء يرى أن الفعل إنما يجب إيقاعه في الزمن الثاني إذا لم يوقع في الأول بأمر آخر غير الأمر الأول، وهذا يقتضي كون الفعل قضاء حتى يوصف من أخر الحج سنة بلوغه فحج بعد ذلك بسنين تكون حجته قضاء، وهذا لم يطلقه أحد من الفقهاء.
وقد رأيت بعض أصحابنا يشير إلى تسليم المعنى، ويذكر أن العبارة هي المجتنبة خاصة ليشعر الفقهاء الفرق بين ما لم يفعل من العبادات المؤقتة، وبين المؤخر من العبادات المطلقة، وأشار أبو المعالي إلى فرق معنوي، فذكر أن الآمر بالأمر المطلق يقدر كأن أمره اشتمل على غرضين، إيقاع الفعل مطلقا، وتعجيل الفعل، فكأنه قال: حج في هذا العام، فإن لم تفعل ففي الذي يليه، فإذا حج في الذي يليه فهو مطابق للأمر الوارد، ولكنه مخالف لغرض آخر اشتمل الأمر عليه، وهو التعجيل في العام الأول، فوصفه بالامتثال من ناحية البدار للامتثال.
[ ٢١٩ ]