الكلام في هذه المسألة من ثلاثة أوجه:
- أحدها: الكشف عن معاني العبارة في هذا الباب.
- والثاني: نقل المذاهب فيه.
- والثالث: سبب اختلاف المذاهب.
فأما الكشف عن العبارات في هذا فاعلم أن المستعمل في هذا الباب عبارات منها:
مفهوم الخطاب، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب. والظاهر أن معاني هذه الألفاظ متقاربة من جهة اللغة، وذلك أن الألفاظ كظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من ناحية النطق والتصريح، وتارة تستفاد من ناحية التعريض والتلويح.
فالمستفاد من ناحية النطق يسمى نصا، ومنه ما يسمى ظاهرا، وقد مضى الكلام عليهما، وعددنا هناك قسما ثالثا وهو المجمل ولم نعده هاهنا، لأجل أنا إنما نَعُد ما يفيد، والمجمل ما لا يفيد.
وأما المستفاد من التلويح وهو مسكوت عنه، فإنه لا شك في كونه فهم من الخطاب، واستدل عليه بالخطاب، فحسن تسميته مفهوم الخطاب، ودليل الخطاب، فهذا النحو يسلك في الفحوى واللحن، وقد قال تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول).
واختلف طرائق الأصوليين في الاصطلاح على العبارة عن أنواع ما يفهم من الكلام، فمنهم من يرى أن المفهوم اسم لجنس ما يفهم من الكلام من غير ناحية نطقه، ولكن هذا الجنس أنواع:
فمن المفهوم ما يدل على أن المسكوت عنه موافق لحكم النطق من جهة التنبيه بالنطق على ما هو أولى.
ومنه ما يدل على [أن] المسكوت عنه مخالف للمنطوق به في الحكم، فما كان من المسكوت عنه مواقا للمنطوق به سمى فحوى، وما كان مخالفا للمنطوق به سمى دليلا.
فالموافق كقوله تعالى: (ولا تقل لها أف)، فإن ضرب الوالدين وقتلهما مسكوت عنه، ولكن حكمه التحريم، وهو منهي عنه، واستفيد ذلك من النهي كما نطق به، وهو التأفيف.
[ ٣٣٣ ]
والمخالف مثل قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، دليله أن المعلوفة لا زكاة فيها، بخلاف المستفاد من النطق في السائمة من ثبوت الزكاة.
ومن الأصوليين من سلك مسلك هؤلاء في هذا الاصطلاح، وزاد قسما ثالثا فسماه لحنا وهو ما علم من المحذوفات المقدرة بلفظ كقوله تعالى: (اضرب بعصاك البحر فانفلق)، فمعلوم قطعا أن هاهنا حذفا وهو "فضرب".
وهكذا قوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسولا رب العالمين* أن أرسل معنا بني إسرائيل* قال أم نربك)، تقديره: "فأتياه، فقال: ألم نربك".
وقد عد في هذا المثل من هذا النوع قوله تعالى في الحالف: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)، تقديره: "فحثتم". وأنكر هذا آخرون، وقالوا: قد قال سعيد بن جبير: إن الحانث يكفر ولم لم يحنث، أخذا بهذا الظاهر من غير حذف، فلو كان المحذوف كالنص لما خالف فيه مثل هذا الرجل.
وهكذا أيضا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، قد تمثل به قوم وأنكره آخرون، لأجل أن من الناس من لم يقدر حذفا، وقال إن المسافر في رمضان يقضي الصوم، ولو صام في السفر، أخذا بهذا من غير حذف، وركب بعض الناس هذا في المريض أيضا، وقال: إنهم خرقوا الإجماع في المريض.
وهكذا قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) تمثل به قوم، وقال آخرون: لولا الإجماع لم يثبت الحذف.
وعندي أن الأولين، إنما لم يتشاغلوا بعد هذا قسما ثالثا كما صنع هؤلاء، لأجل أن الغرض في علم الأصول تعليم أصول مأخذ الأحكام، والأحكام متحققة فيما سميناه فحوى، وفيما سميناه دليلا، ألا ترى أن حكم التأفيف النهي عنه، وقد استقل هذا النهي المنطوق به بنفسه، فدعت الحاجة إلى أن يبين أن حكم المسكوت عنه موافق له، كما دعت الحاجة في القسم الآخر إلى أن يبين أن الحكم المسكوت عنه بعكس حكمه.
[ ٣٣٤ ]
وقوله تعالى: (أن اضرب بعصاك البحر) لا يتعلق به حكم، وما تعلق به من المثل الأخرى حكم. فما تقدم (ص ١٤٤) المحذوف لا يتصور فيه حكم فيقدر المحذوف موافقا أو مخالفا، ألا ترى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر)، فهذه جملة لو اقتصر عليها لم تفد حكما، وإنما هي شرط علق الحكم عليها قوله: فضرب، إنما هو لفظ محذوف مقدر الوجود، وهو تتمة الشرط، فلهذا أرى الآخرين لم يتعرضوا لعده قسما آخر.
ومن الأصوليين من يجري على لسانه تسمية هذا الموافق مفهوما، ولحنا، وفحوى، ويقتصر على الخطاب في المنطوق به على تسميته دليل الخطاب.
فإذا أحطت علما بهذه المقاصد والأغراض بهذه العبارات، فاعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذا التنبيه المستفاد من قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف)، هل يقتصر في استفادته على مجرد اللفظ الوارد على النهي في التأفيف، أو إنما يستفاد من سياق الآية مبدئها ومختتمها المشتمل على الأمر بالبر، والتنبيه على ما تقدم من حقهما.
فمنهم من يرى أن مجرد النهي عن التأفيف لا يدل على النهي عما سواه من ضروب الأذى والتعنيف، ولولا نظام الآية، وما اشتملت عليه من أنواع المعاني المؤكدة للأمر بالا لما استفيد منها النهي عن ضرب الوالدين، فكأن هؤلاء يرون أن الأقل والأحقر لا يتضمن، فلابد [من] التنبيه على الأعلى والأكثر.
وطريقة هؤلاء تضاهي عندي ما اشتهر نقله في التصانيف عن بعض أهل الظاهر، فإنه كي عنه إنكار القول بمفهوم الخطاب على الإطلاق، كما حكي عن قوم من الأصوليين، أن المفهوم متى تطرق إليه أدنى احتمال فإنه لا يستدل به، ويرون أن الاحتمال في هذا يسقط، فسقط العمل به، بخلاف الظاهر اللفظي.
وقد قدمنا لك أن المعاني المستفادة من اللفظ مستفادة منه من جهتين: إحداهما من جهة لفظه، والأخرى من جهة معناه، فالمستفاد من جهة لفظه يسمى منه ما لا احتمال فيه نصا، وما فيه احتمال يسمى ظاهرا.
وما يستفاد من جهة إشعاره ولحنه فإنه على قسمين أيضا: ما لا احتمال فيه أصلا يستدل به، وما فيه احتمال، ولكنه ظاهر في أحد محتمليه فيه اختلاف، هل يعمل به أم لا؟ فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به من غير خلاف سواء دل عليه الخطاب
[ ٣٣٥ ]
تصريحا أو تلويحا، وما فيه احتمال مع الظهور فيعمل به إن كان لفظيا من غير خلاف، وإن كان مشعرا به ففيه الخلاف المذكور. وقد تقدم ذكر الأمثلة في النطقي، النص والظاهر.
وأما أمثال ما لا احتمال فيه من المفهوم، فكما قلناه في آية النهي عن التأفيف، وأما الظاهر من المفهوم فكقوله تعالى: (من قتل مؤمنًا فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ)، فإن هذا عند طائفة من العلماء يشعر بأن القاتل عمدا عليه تحرير رقبة، لأجل أن المخطئ إذا أمر بها كفارة، مع كون فعله لا إثم فيه، فالآثم الذي هو الغامد أولى بالتكفير، فهذا المفهوم الموافق من جهة التنبيه بالآدنى على الأعلى.
ولكن في هذه الآية احتمال، ويمكن أن يراد بها قصر الكفارة على المخطئ، لكون ذنب متعمد قتل النفس أعظم من أن يكفر، كما تأوله قوم من الأئمة في مواضع من الشريعة تشبه ما نحن فيه. وقد تكلم الناس على تجويز ضم نقيض هذا المفهوم إلى النطق من أن يقول: ولا تقل لهما أف، واقتلهما، ورأيت الأذري تردد فيه، فسلم أن قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة) لا يصح أن يقال ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وإن عمل قنطارا فلن يره، ورأى هذا من التناقض.
وقال في موضع من كتابه: إذا قال: ولا تقل لهما أف، واضربهما، فإن هذا خارج عن لسان العرب، وقد قال في موضع آخر من كتابه: إنما يستفاد المنع من قتلهما لأجل تجريد النهي عن التأفيف، وأشار إلى جواز مضامة هذين اللفظين بعضهما لبعض، وهذه إشارة إلى ما كنا قدمناه من كون النهي عن الضرب مستفادا من سياق الآية، لا من نفس اللفظ.
فإذا علمت أن الجمهور على القول بالمفهوم، وبعض أهل الظاهر ينكره على الإطلاق، فإن القائلين به مختلفون في وجه دلالته؛ هل هي من ناحية اللغة، أو من ناحية القياس الجلي؟ فجمهورهم على أنا من ناحية اللغة، وذهب الشافعي إلى أنه من ناحية القياس الجي. ورد عليه بأن سامع هذا الخطاب يفهم منه النهي عن الضرب، وإن لم ينظر في طرق القياس، ويؤمر بذلك، وإن [لم] يؤمر بالتعبد بالقياس، فهذا جميع (ص ١٤٥) ما يتعلق بالقول بالمفهوم، ولعلنا أن نرد على الظاهرية عند أخذنا في سبب اختلاف المذاهب.
[ ٣٣٦ ]
وأما مفهوم المخالفة وهو المسمى عند الأصوليين بدليل الخطاب فإنه يتنوع أنواعا:
فمنه تعليق الحكم بالغاية كقول تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، وكقوله: (حتى يعطوا الجزية)، وكقوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل).
ومنه تعلق الحكم بالحصر وقريب منه تعليقه بالحد أيضا، كقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، وعد في هذه: "الشفعة فيما لم يقسم"، حتى أشير إلى أنه من قبيل المفهوم الذي فرغنا من ذكره.
ومنه تعليق الحكم بالعدد كقوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم).
ومنه تعليق الحكم [بالشرطي] كقوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا).
ومنه تعلقه بالصفة كقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا متعمدا).
ومنه تعليقه بالمكان كقوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام).
ومنه تعلقه بالزمان كقوله: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة).
ومنه تعليق الحكم بالاسم العلم كقوله تعالى: (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات).
وقد حصر الشافعي مفهوم المخالفة في خمس وجوه، فذكر الحد، والعدد، والصفة، والمكان، والزمان، وأشار أبو المعالي إلى أن العبارة عن جميعها بالصفة يعم هذا التفصيل الذي فصله، لأن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما، وظرف الزمان مقدر فيه الصفة، فإذا قلت: زيد في الدار، فالمراد: كائن في الدار. وإذا قلت: القتال يوم الجعة، فالمراد: واقع يوم الجمعة، والكون والوقوع صفات، فهذه أنواع مفهوم المخالفة.
[ ٣٣٧ ]
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في هذا الباب فقد قدمنا في مفهوم الموافقة جميع ما فيه من الخلاف، وذكرناه هناك لاتصاله بما كنا فيه من الكلام وتعلقه به، فذكرنا إنكار بعض أهل الظاهر، وعد الشافعي له قياسا جليا، واختلاف القوم في الاستفادة؛ هل هي من ناحية اللفظة المتضمنة للأدنى، أو من ناحية السياق، وذكرنا اختلافهم فيما كان منه ظاهرا يتطرق إليه الاحتمال، وهذا كله قد يحسن إيراده في هذا الوجه الذي نحن فيه، فلهذا أشرنا إليه.
وأما مفهوم المخالفة فالاختلاف فيه مشهور، وحكي عن جماعة من العلماء إثباته، وأضيف ذلك لبعض أصحاب مالك، وبه قال الشافعي.
وحكي عن قوم نفيه، وبه قال قوم من الشافعية والحنفية والقاضي ابن الطيب.
وقال ابن سريح بإثباته في الشرط.
وقال القاضي ابن الطيب في المذهب الذي رجع إليه واستقر أمره عليه بإثباته في حرف الغاية، وتردد قوله في حرف الحصر، ومال إلى أنه الأظهر إثباته.
وأنكره الأذري وغيره في حرف الغاية وما سواه.
وقال قوم بإثباته حتى في الاسم العلم، والجمهور من مثبتي دليل الخطاب على إنكاره في الاسم العلم، وابن خويز منداد من أصحابنا أثبته في الاسم العلم، وبه قال الدقاق.
وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه ينكره في تعليق الحكم بالصفة.
وأشير إلى أن مالكا ﵁ يثبته في الاسم العلم لأجل استدلاله في الدونة على أن الأضحية إذا ذبحت ليلا لا تجزئ بقوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، قال في المدونة: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي، وكذلك أشير أيضا إلى أنه من القائلين بدليل الخطاب لأجل استدلاله على أن الخيل لا تؤكل بقوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، فذكر منافعها من ركوب وزينة، ولم يذكر الأكل.
وفي هذا الاستقراء عندي نظر، لاحتمال أن يكون تعلق بالآية لأجل أنها وردت مورد الامتنان، فلو كان الأكل مباحا لامتن به، لأنه من أعظم النعم التي يمتن بها، فلا يكون هذا الاستدلال منه اقتصارا على أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، لكن لأجل هذه القرينة التي أشرنا إليها.
[ ٣٣٨ ]
وأما أبو الحسن الأشعري، فإنه ذكر أبو المعالي أن النقلة نقلت عنه نفي القول بالمفهوم، كما نقلت عنه نفي صيغ العموم، وقد أضيف إليه أيضا خلاف ذلك، وأنه قائل بدليل الخطاب، لأجل أنه استدل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بقوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، وببقوله: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) دليل الخطاب، لأن العدل لا (ص ١٤٦) يثبت في خبره، وبقوله: (فيه هدى للمتقين)، دل هدى على أن ليس فيه هدى لغير المتقين.
وذكر أبو المعالي أنه رأس الواقفية، وإنكار القول بالعموم يضاف إليه، ولكن أبا المعالي أشار إلى ضعف إضافة هذا المذهب إليه، ورأى أنه إنما أنكر لما فاوض القائلين بتنفيذ الوعيد، وهناك قد يحسن إنكار التعلق به، لأن المسألة المراد بها القطع والمبتغى منها العلم لا العمل. وأما العمليات والمسائل الفقهيات فلا ينكر التعلق بالعموم فيها، كما لا ينكر التعلق بغير العموم وأنواع الظواهر، وإن كان القاضي ابن الطيب صرح بإنكار التعلق بالعموم حتى في العمليات.
وقد استرسل أبو المعالي في لفظة وقعت له في هذا الباب، وذلك أنه حكى عن أبي حنيفة وجماعة من الأصوليين إنكار القول بالمفهوم مطلقا، والذين أشار إليهم لم ينكروا مفهوم الموافقة، وإنما أنكروا مفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطاب، وقد رجع أبو المعالي بعد كلام قليل إلى الإشارة إلى ما نقلناه، فذكر أن من أنكر المفهوم يسلم الفحوى، وإن اختلفوا في وجه الاستدلال بها على ما حكيناه نحن في جملة مذهبهم.
واختار أبو المعالي في تعليق الحكم بالصفة أنه يدل على أن المسكوت [عنه] مخالف المنطوق به، إذا كانت الصفة مخيلة بالحكم مناسبة له، حتى تصلح تعليلا له، بخلاف أن يكون لا مناسبة بينهما وبين الحكم، واختار في الاسم العلم أنه يتضمن أن للمتكلم غرضا في الاقتصار على المسمى، ولكن لا يتعين ذلك الغرض بنفي الحكم عن غير المسمى، على ما سنبسط طريقته، إذا خضنا في محاجة أهل المذاهب.
وإذا علمت مذهب الصائرين إلى أن تعلق الحكم بالصفة يدل على أن ما عدا المنطوق به بخلاف، فاعلم أن بينهم اختلافا في صفة دلالتها أيضا، فمنهم من يرى أن الحكم إنما تنتفي الزكاة عن المعلوفة من الغنم، وقال بعضهم: بل ينتفي الحكم عن سائر الأجناس.
[ ٣٣٩ ]
وأما الوجه الثالث وهو سبب الخلاف فإن النافين لدليل الخطاب على الإطلاق يتمسكون في نفيه بأربع طرق، منها ما مضى في كتاب العموم وصيغ الأوامر، حيث أشرنا إلى أنهم يقولون: المعلوم إنما يثبت عقلا أو نقلا، ولا احتكام للعقليات الضروريات أو النظريات على المسميات، والنقل عن اللغة أو الشرع آحاد وتواتر، فالآحاد لا يعول عليها في مسائل القطع، والتواتر مفقود، إذ لو كان ثابتا لعلمناه.
والطريقة الثانية تقدمت الإشارة إليها، وهي حسن الاستفهام، فيصح أن يستفهم من قال: اضرب زيدا إن كان قائما، بأن يقال له: هل نضربه إن كان قاعدا. وكذلك يصح الاستفهام عن قوله: "في سائمة الغنم الزكاة"، بأن يقال: فهل المعلوفة زكاة؟ ولولا كون المسكوت عنه مما يحتمل أن يكون موافقا للمنطوق به، ويحتمل أن يكون مخالفا لما حسن الاستفهام.
والطريقة الثالثة أنه لو أشعر الخطاب بأن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، لما صح أن يضاف إلى الخطاب ما يفسد هذا الإشعار وينقض دلالة المنطوق، قد علم أنه يحسن أن يقول القائل: في سائمة الغنم وفي معلوفتها الزكاة، فلو كان ذكر السائمة ينفي الزكاة عن المعلوفة لكان ذكر المعلوفة كالمناقض لدلالة الكلام الأول.
والطريقة الرابعة أن النطق إذا وضع ليدل على أن ما عداه بخلافه، كان النطق الذي قام الدليل فيه على أن المسكوت عنه مساو، يصير الخطاب مجازا.
فهذه مسالك القوم، وأجاب الآخرون على جميعها.
أما الطريقة الأولى فأجابوا عنها بأنا سنريكم الأدلة على إثبات ما قلناه، وأنتم إنما أثبتم مذهبكم لزعمكم أنا عاجزون عن تصحيح مذهبنا وها نحن نصححه.
وأجابوا عن الطريقة الثانية بأن الاستفهام إنما يقبح في النصوص التي لا احتمال فيها، وأما ما يدخله أدنى احتمال فلا يقبح فيه الاستفهام، ألا ترى أن القول بالعموم ثابت عند الصائرين إليه، ويرون قولنا: اقتلوا المشركين يقتضي الاستيعاب، ولكن اقتضاؤه للاستيعاب اقتضاء الظواهر، ويحتمل أن يكون القائل: اقتلوا المشركين أراد الحربيين دون المعاهدين، فيحسن أن يقال له: هل تقتل المعاهدين أم لا؟ وكذلك دلالة النطق على أن ما عداه بخلافه إنما حسن الاستفهام فيه لأجل ما يقع في النفس من إمكان أن يكون المتكلم اقتصر على ما اقتصر عليه من الصفة المذكورة (ص ١٤٧) لغرض صحيح غير إشعاره بأن المسكوت عنه في الحكم بخلاف المنطوق به، فلهذا حسن الاستفهام.
وأجابوا عن الطريقة الثالثة بأن هذه الأمور إنما تدل عند تجريدها عن القرائن التي تنقلها عن أصلها، ولهذا قال الجمهور: إن صيغة القول: افعل، تدل على الوجوب عند
[ ٣٤٠ ]
التعري عن القرائن، فأما عند وجود القرائن فإنها تنقلها عن أصلها، وكذلك قالوا في العموم، فكذلك دليل الخطاب إنما نثبته عند الاقتصار على ذكر إحدى الصفتين. فأما إذا لم يتعر الخطاب من إضافة ذكر الصفة الأخرى، فإنه لا يدل بالتعري من القرينة الناقلة عن الأصول [على إحداهما دون الأخرى] وهذه طريقة معروفة عند أهل الفن.
وكذلك يقولون في العموم إنما يدل على الاستيعاب عند التعري من المخصص، ألا تراه إذا قال: اقتلوا المشركين إلا الرهبان، لكان ما أضاف إلى هذا الكلام من الاستثناء مجرد اللفظ، إلا نزل عن الدلالة على الاستيعاب، فكذلك إذا قال: من قتل الصيد متعمدا فعليه جزاؤه، ومن قتله مخطئا فعليه جزاؤه كان ما ذكره في المخطئ مقترنا بذكره للعامد يبطل دلالة الاقتصار على العامد، وهذا واضح.
وأجابوا عن الطريقة الرابعة بأن النطق لا تجوز فيه فيما اقتضاه من التصريح، ولكن التلويح لم يجز فيه على الأصل إذا قام الدليل على أن المسكوت عنه بخلافه، وهذا يتنزل منزلة تخصيص العموم في نقله بالتخصيص عن الأصل. وقد تكلمنا على حقيقة المجاز والحقيقة فيه هنالك.
وأما المثبتون لدليل الخطاب فلهم أيضا أربعة مسالك:
- أحدها: الاستناد إلى النقل عن اللغة، فقالوا: أبو عبيدة ذهب إلى دلل الخطاب لأنه استدل في الرد على من قال: معنى قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعر" أن هذا في الأشعار التي هجي بها النبي ﵇، فقال: ما هجي النبي ﵇ به يحرم قليله وكثيرة، والحديث ذكر فيه امتلاء الجوف، فدل على أن القليل بخلافه، وإنما تأويل الحديث فيمن تفرغ لحفظ الشعر فراغا شغله عن العلوم المأمور بها، وكذلك استدل على أن المديان الفقير لا يحبس بقوله ﵇ في الواحد يحل عرضه وعقوبته، فدل على أن غير الواجد لا تحل عقوبته.
والشافعي صار إلى القول بدليل الخطاب، وهو من أئمة اللغة، وقد صحح عليه الأصمعي أشعار الهذليين.
والطريقة الثانية ما نقل من الأخبار الدالة على إثباته، كما نقل عنه ﵇ لما نزل
[ ٣٤١ ]
عليه: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة) فقال: لأزيدن على السبعين، وهذا يقضتي أنا ما زاد على السبعين بخلاف حكمها عنده في وضع اللسان، وهكذا قال يعلي بن أمية لعمر بن الخطاب في قصر المسافر الآمن، مع كونه القصر مشروطا في القرآن بالخفو، قال تعالى: (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) فقال له عمر: تعجبت مما تعجبت منه: فسالت النبي ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، فقد فهم يعلي أن اشتراط الخوف في القرآن يشعر بأن الأمن بخلافه، وأخبره عمر أن رأيه كرأيه، وآكد من هذا إقرار النبي ﵇ على هذا الاعتقاد ولم ينكره، بل أبان عن سبب القصر مع الأمن، ولو كان اعتقاده من أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنكره.
والمسلك الثالث التعلق بالآثار عن السلف، فمن ذلك أن ابن عباس قال لعثمان ﵄: كيف تحجب الأم إلى السدس بأخوين، وهما ليسا بإخوة؟ فقال له عثمان: إن قومك حجبوها [باثنين يا صبي]، وابن عباس إنما تعلق بدليل الخطاب، وهو أن الإخوة إذا قيل: إثنان، فإنهم يردونها إلى السدس، دل على أن من ليس بإخوة بخلافهم، ولم ينكر عليه عثمان هذا الاستدلال.
وكذلك صنع ابن عباس في حجب الأخت الشقيقة أو من الأب عن التوريث مع البنت بقوله تعالى: (إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك)، فدل على أنه إذا كان للمرء ولد فإن الأخت لا ترث، فهذا منقول كما ترى.
وقد احتج بعض الصحابة بقوله ﵇: "الماء من الماء"، والحجة من هذا من ناحية دليل الخطاب، وسلم الآخرون الحجة، واعتذروا بأن هذا منسوخ بقوله ﵇: "إذا جاوز الختان الختان" الحديث.
والمستقرأ عنهم يكثر، ألا تراهم يتمسكون في الفقهيات بدليل الخطاب، ولهذا كانت المطلقة قبل البناء يسقط نصف صداقها، وليس إلا قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم)، ففهموا أن النصف الآخر ساقط.
[ ٣٤٢ ]
وهكذا فهموا تحريم ما زاد على نكاح الأربع من قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) دليل الخطاب ألا تنكحوا الخامسة فما زاد على غير ذلك مما يكثر تعداده. والجواب عن جميعه واحد، فلهذا لم نستقصه.
والطريق الرابعة ما عول عليه الشافعي من أن العاقل الحكيم يحرر ألفاظه، ويقصد إليها، وإذا قصد فلابد من غرض، وإذا كان الغرض فلا يكون إلا صحيحا، ولا غرض صحيح في الشرعيات إلا تعليق الأحكام بها وبيان حقائقها، فإذا قال ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة"، فذكر السائمة لا يعد لغوا غير مقصود إليه، ولابد أن يكون قصد إليه لغرض صحيح، ولا غرض إلا التنبيه على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
وأجاب الآخرون عن هذه الأربع مسالك فقالوا:
أما الخبران فلا دليل فيهما، لأن ذلك من أخبار الآحاد، ومسائل القطع لا يعول فيها على أخبار الآخاد، على أن ما روي من أنه ﷺ [قال]: "لأزيدن على السبعين" لم يثبت عند أهل الصحيح، وأشار القاضي ابن الطيب إلى أنه مؤتفك، لأنه قال: لا يخفى عن عربي، ولا من شدا طرفا من اللسان أن مثل هذه الخطاب إنما يرد مورد قطع الطمع من الغفران لهم، وأن ذكر السبعين مبالغة في قطع الطمع، ولا يظن بأحد من أهل اللسان سمع هذا أنه يفهم منه أن قصد المتكلم أن ما زاد على السبعين يخالفها، والنبي ﵇ أفصح العرب، وأعلمهم بما يفهم عن الله سبحانه من كلامه، فلا يصح أن يضاف إليه أنه فهم من اللسان خلف ما يفهم منه.
وقد قيل: إن الاستغفار لم يكن عليه حراما، بل خير فيه، فإنما أشار إن ثبت الحديث إلى أنه باق على الاستغفار لأجل التخيير فيه، وأنه يزيد على العدد المبالغ بذكره، والاعتماد على ما قدمناه من الجواب أولا.
وأما حديث عمر ﵁ في قصر المسافر الآمن، فيمكن أيضا لما رأى أن أصل الصلاة الذي استقر الشرع عليه الإتمام، وإنما جاء الشرع بالخروج عن الأصل في سفر الخوف، فيجب أن يكون سفر الآمن باقيا على الأصل، فلما رآه لم يبق على الأصل تعجب من هذا حتى سأل عنه النبي ﵇، فقال له ما قال. وإذا احتمل أن يكون تعجبه من مخالفة حكم الأصل، أو من مخالفة دليل الخطاب، فليس أحد الاحتمالين أولى من صاحبه. وأيضًا فإن هذا تعليق بالشرط، وجماعة من منكري دليل الخطاب تثبت المفهوم في الشرط.
[ ٣٤٣ ]
وأجابوا عن الآثار المروية الصحابة ﵃ بأن ابن عباس إنما استمسك بإثبات الثلث للأم مع الأخوين بمجرد قولن: (لأمك الثلث)، فلا ينقص من هذا إلا بوجود إخوة، الإخوة ثلاثة، ويستمسك بدليل الخطاب.
وكذلك صنع في إسقاط ميراث الأخت مع البنت، لأجل أن الأصل: لا ميراث لأحد إلا بأن يثبت الشرع له ميراثا، والأخت إنما أثبت الشرع لها الميراث بشرط عدم الولد، فإذا عدم الولد تعين ميراثها، رجوعها إلى الأصل الذي قررناه، لا إلى دليل الخطاب. هذا وفي الآية كلام يطول قد ذكرناه في الفرائض من كتابنا المترجم بالمعلم.
وأما تعلق بعض الصحابة في إسقاط الغسل عن المجامع ولم ينزل بقوله: "الماء من الماء" بدليل الخطاب لأن له ماء من غير الماء، فقد قيل فيه: إنه روي "إنما الماء من الماء" وهذا لفظ الحصر، وطائفة من منكري دليل الخطاب يثبته في مثل هذا اللفظ، فقد كان عندهم معلوم أن لا غسل في مجاوزة الختان الختان، وقد خرج البخاري وغيره حديث: "لعلنا أقحطناك" الحديث المشهور، وفيه أنه ﵇ أسقط عنه الغسل إذا لم ينزل، وفي البخاري أيضًا عن عثمان بن عفان عن النبي ﵇ مثل هذا المعنى أيضا. فلعل القوم إنما أشاروا بالنسخ إلى مثل هذه الأحاديث لا إلى حديث "الماء من الماء". ويمكن أن يكون أيضا رأوا هذا من ألفاظ الحصر على ما سننبه عليه بعد هذا إذا تكلمنا على قوله: "الشفعة فيما لم يقسم".
وأما ما استقرأوه استقراء من تفاويهم ومذاهبهم، فالجواب العام لجميعه على (ص ١٤٩) كثرة ما يوردونه منها أنهم لم يتمسكوا بدليل الخطاب، لكن بأصول تقررت عندهم في الأحكام فرجعوا () فقدان الشروط والصفات المخصصة بالذكر.
ولولا تخوف الإطالة لأوردنا كل ما أورده، وأرينا في كل مسألة لهم طريقا أو طرقا في الاستدلال خارجة عن النطق بدليل الخطاب، ولكن هذا يتطلع عليه من كتب الفقه المصنفة في مسائل الخلاف.
وأما الطريقة الرابعة وهي التمسك بأن صاحب الشرع لا يليق أن ينطق إلا عن قصد، وإذا ثبت القصد فلابد من غرض، وإذا ثبت الغرض فلا يكون إلا تأسيس الشرع وتعليم والأحكام، فإن أبا المعالي جنح إلى تسليم هذا الاستدلال، واشترط فيه ما سنذكره عنه.
[ ٣٤٤ ]
وأجاب غيره من منكري دليل الخطاب بأن الغرض والفائدة ثابتة، ولكن أنى لنا بتعينها؟ حتى زعم أن لا غرض سوى التنبيه على أن المسكوت عنه بخلاف حكم المنطوق به، وقد يكون الغرض الاهتمام بالصفة المخصصة حتى لا يحاول الفقيه إسقاط الحكم المرتبط بها بقياس ولا يضرب من التأويل. أو يكون ذكرها اتباعا للمعروف المألوف فيها على ما سنبينه، ولأن السؤال عنها وقع كما تأول قوم أنكروا التحديد بالقلتين في نجاسة الماء، والتحديد بما زاد على المصتين في تحريم الرضاع، بأن الحديثين خرجا على سؤال سائل عن قلتين فقال ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين "، وسأل آخر عن التحريم بالمصتين فقال: "لا تحرم المصة والمصتان"، إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد التي لا تكاد أن يحاط بها، ولا يلزمنا تعيينها.
هذا، والشرع لم يستوف النص على كل النوازل، بل ذكر شيئا ووكل للعلماء إلى الاستنباط منه، كما فعل في النص على تحريم التفاضل في النسيئة، وفي الممكن أن يورد لفظا مستوعبا لجميع الربويات حتى لا يتصور فيها اختلاف بين العلماء، ولكنه لم يفعل توسعة على الأمة بالاجتهاد في المسكوت عنه، وليرفع الله درجة الذين أوتوا العلم بالاستنباط من كلامه في الأمور الدالة على مراداته وأحكامه، فقد يجري التخصيص بالصفة هذا المجرى، ويقصد فيه هذا المعنى.
ولما أحس أبو المعالي بما على الاستدلال من هذه الاعتراضات التي أوردناها اشترط في كون الصفة مشعرة بأن ما عداها بخلافها، أن تكون الصفة مخيلة بالحكم مناسبة له مناسبة التعاليل للأحكام، فحينئذ يدل مقتضى اللسان على أن ما عدا المذكور بخلافه، لأن التعليل يقتضي الارتباط، ولكن لا يعطي هذا التعليل المقرر في هذه الصفة أحكام التعليل بالعلل المستنبطة الشرعية، فإن العلل الشرعية لا توجب انتفاء الحكم عند انتفائها، بل يجوز أن يثبت الحكم عند انتفائها بعلة أخرى، على ما سنبسطه في كتاب القياس إن شاء الله، ولكن هذه الصفة المنطوق بها إذا قدرناها مخيلة مشعرة بالحكم فإنا إنما أوجبنا انعكاسها، وأن يبقى الحكم عند انتفاء الصفة، لكون هذا وضع اللسان ومقتضاه في مثل هذه الحال، وما كان من مقتضيات اللسان بخلاف العلل المستنبطة، والتقدير في مثل هذا أن صاحب الشرع قال: هذا الحكم يحصل عند حصول هذه الصفة وينتفي عند انتفائها.
وإنما استدللنا بالإخالة والمناسبة على أن هذا معنى قوله ومراده بالتقييد الذي
[ ٣٤٥ ]
قدره، فإذا كانت الصفة غير مخيلة ولا مشعرة بما علق عليها من الحكم جرت مجرى اسم اللقب في تعليق الأحكام عليه، فإن اسم اللقب قد قال الدقاق وابن خويز منداد من أصحابنا: إنه يجري مجرى تعليق الحكم بالصفة في أن ما عداه بخلافه، وأفرط الناس في إنكار هذا المذهب.
وسلم أبو المعالي أن الاختصاص بالاسم اللقب لا يكون إلا لغرض، ولكن ذلك الغرض لا يوقف عليه، ولا يعين بل يعتقد غرض مبهم في حق من نقل إليه هذا الكلام المخصص باللقب.
وأما من شاهد الكلام فإنه قد يستشعر قصد المتكلم بالتخصيص إذا رأى جماعة فيهم زيد، فقال: رأيت زيدا، وخصه دون من رآه لعلة فطن بها من شاهده وسمع كلامه، وعرف أغراضه، حتى لو أراد نفي ما علق باللقب عما سواه لكانت العبارة عنه بصيغة أخرى، فيقول: لم أر إلا زيدا، وإنما رأيت زيدا فمن مثل هذه (ص ١٥٠) العبارة يفهم انتفاء الرؤية عن غير زيد، وأما قوله: رأيت زيدا، فإنه إنما يفيد غرضا ما في تعليق رؤيته بزيد دون غيره من الناس، ولا يكون من جملة هذه الأغراض المبهمة قصده إلى نفي الرؤية عن غير زيد لأجل ما ذكرناه، إن العبارة عن نفي رؤيته لغير زيد إنما يكون بما صورناه من قولك: ما رأيت إلى زيدا، وإنما [رأيت] زيدا، ولا يقول: من أراد أن يخبر عن نفسه بأنه لم ير أحدا إلا زيدا، رأيت زيدا. والصفة إذا لم تكن مخيلة جرت مجرى الاسم العلم في هذا الذي قلناه، فلا يتعين الغرض فيها أيضا بأن يعتبر أن قصد المتكلم نفي حكمها عما عداها، حتى إذا كانت مشعرة مخيلة تعينت الإفادة، ودلت الإخالة على أن قصد المتكلم تعليق الحكم بها، ونفيه عما سواها، وجرت مجرى التعليل.
ولكنا لا نشترط في التعاليل المستنبطة الانعكاس كما قررناه، ولا يقدح في هذه الصفة المنطوق بها الجارية مجرى التعليل بمعنى مستنبط مخيل بما يقدح به في العلل المستنبطة، لأن هذه كلفظ أصله صاحب الشرع في الأحكام فيتصرف فيه كما شاء، بخلاف ما نظنه نحن ونستنبطه، فإن القوادح إذا تطرقت إليه أشعرت بتخطئتنا فيما استنبطناه، والذي يتفق من صاحب الشرع من التخصيص بالصفات من هذا النوع المفيد المخيل.
وأما ما لا إخالة فيه ولا إشعار بالحكم ولا فائدة لذكره في تأصيل الأحكام وبنائها، فلم يقع في الشرع. ولو قال قائل: زيد إذا مشى حرك رجليه، وإن أكل حرك فكيه، لعد هذا التخصيص بزيد من الهزء واللعب، لأن غيره مثله في هذا، حتى إذا أضاف إليه معنى خالف به من سواه، كان هذا معنى مفيدا، وهو التمثيل بما يعمل عليه القائلون بإثبات دليل
[ ٣٤٦ ]
الخطاب، وأن ذكر الصفة لم ترد في الشرع إلا للإشعار بأن ما عداها في الحكم بخلافها، ولكن أطلق هؤلاء هذا الجواب في الصفة لعلة ما ذكرناه.
وقيد أبو المعالي بالإخالة، وأشار إلى أنه لا يقع في الشرع من ذكر الصفات ما لا يفيد فائدة، وأشار أبو المعالي إلى أن هذه الصفة إن كانت مخيلة مشعرة بالحكم فإنها أدل على نفي الحكم عما سواها من الشرط، ومن قال: أنا أكرم زيدا لأجل زيارته لي، كان أدل على ارتباط إكرام زيد بالزيارة، من قوله: من زارني أكرمته.
وقد ذكر أيضا أن منكري دليل الخطاب في الشروط أسرفوا وأفرطوا، ومن العناد والمكابرة أن يقال: إذا قال القائل: من أكرمني أكرمته، فإن هذا لا يفهم منه أنه لا يكرم من لم يكرمه، ومن زعم أن الشرط لم يعلق إجراؤه به، فقد أفسد حقيقة اللسان وعاند في مقتضاه.
وهذا الذي تمثل به أبو المعالي يلحق بالقسم الذي ذكرناه مما فيه إخالة وإشعار بالحكم يحسن معه ارتباط الصفة بالحكم وانتفاؤه مع انتفائها، لأن الإكرام يتخيل باقتضاء الإكرام، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. لكن لو فرضنا هذا فيما لا إخالة فيه، فإنه لا يظهر الأمر فيه ظهوره فيما تمثل به أبو المعالي، فلو قال: اضرب زيدا إن وجدته بمكان كذا، فإن هذا قد يحسن الاستفهام فيه بأن يقال: أأضربه إن وجدته بغير ذلك المكان؟ لأن هذا إن لم يعرف فيه علة مختصة بالمكان خرج عن المعنى المخيل.
وهذا الذي قيده أبو المعالي في اشتراط الإخالة في الصفة، وإن كان أطلقها من سواه، وقد أشار إليه بعض [ما] تقدم، وذلك أنا قدمنا أن مِن عُمَدِ القائلين بدليل الخطاب أن اختصاص الصفة بالذكر إذا لم يفد أن ما عداها بخلافها كان ذكرها لغوا، ولا يليق اللغو بكلام النبي ﵇.
وناقضهم جماعة من الأصوليين في هذا الاستدلال بأنهم يلزمهم عليه مذهب الدقاق وابن خويز منداد في أن التخصيص بالاسم العلم يدل على أن ما عداه بخلافه، وإذا صح أن لا دليل له في المسكوت عنه مع اختصاصه بالذكر صح ذلك في الصفة مع اختصاصها بالذكر.
وأشار أبو المعالي إلى صحة الإلزام، وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن الفرق بينهما أن الاسم العلم لا يصلح أن يعلل به، والصفات والمعاني يعلل بها، فإذا صلحت تعليلا كانت على المسكوت عنه دليلا.
فأنت ترى القاضي أبو محمد عبد الوهاب كيف أشار إلى طريق التعليل الذي
[ ٣٤٧ ]
(ص ١٥١) سلكه أبو المعالي واشترطه، ولكنه لم يقيد الصفة بإحالة، لأن رأية ورأي غيره في العلل المستنبطة () رأي أبي المعالي على ما سنذكره في كتاب القياس إن شاء الله، ونتكلم هناك عن التعليل بأسامي الأعلام، وعلى ما يصلح أن يعلل به من الصفات.
وهكذا قال من تقدم: إن الاسم المشتق إذا علق به حكم، دل على أن معنى الاشتقاق هو علة الحكم، كقوله تعالى: (والسارق والسارقة)، و(الزانية والزاني)، فإن هذه أسماء مشتقة من الزنا والسرقة، والزنا والسرقة علة هذه الحدود.
وذكر أبو المعالي أن هذا إنما يتصور في الزنا والسرقة، لكون هاتين الصفتين مخيلتين بالحكم الذي علق بهما، وأشار إلى الكلام على قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" الحديث، وأحال بسط القول فيه على كتاب المترجم بالأساليب، وهذا الكتاب الذي أشرنا إليه ذكر فيه عن قوم أن الطعم علة في الربا، وهي مخيلة، لكون الطعم به طعام الأبدان، وبسط ما في هذا القول بما لعلنا نحن نبسطه إذا وصلنا إليه فيما نمليه في الفقيهيات إن شاء الله.