قد تقرر أن مبادئ العلوم شيئان: العقل والشرع، وذاك هاهنا مجال كل واحد منهما مختصا أو مشتركا، فأما كل معلوم لا يصح العلم بالسمع إلا بعد تقدمه، فإنه لا مجال للسمع [فيه] و() كل معلوم لا يصح أن يعلم إلا بعد العلم بثبوت القول الصدق فلا مجال للعقل فيه.
أما كل معلوم يصح أن يعلم متقدما على [القول] الصدق، ولا يجب ذلك فيه فإنه يعلم بالعقل والشرع.
وبيان هذا بالمثال أن ثبوت القول الصدق وهو قول الله ورسوله () أن يعلم () والعلم بالله سبحانه وبصفته التي لا يصح العلم بصدق الرسول إلا بعد العلم بها كعلمه وقدرته إلى غير ذلك () العلم () يمكن العلم به استدلالا إلا بعد النظر في مخلوقاته، فكل من حاول علم شيء من هذه الأ [شياء] فقد حاول () أن يأخذ علم الأصول من الفرع، ومثال ما لا يعلم إلا بهما خاصة جملة الأحكام () إلى غير ذلك ر وأن رؤية البارئ () (ص ٣٤) ( ين) معناه، وذلك أنا يصح لنا العلم بحدث العالم، وإثبات خالقه تعالى، وصفاته التي لا يصح العلم بالمعجزة إلا بعد العلم بها، ومن صفاته هل يجوز أن يرى أو لا يجوز؟ فينظر فيه قبل أن ينظر في السمع، أو يؤخره إلى أن ينظر في السمع.
وقد حاول أبو المعالي البيان عن هذا بلفظ جامع فقال: أما ما لا يعرف إلا
[ ١١٣ ]
بالعقل كحقائق الموجودات، واستحالة المستحيلات، وجواز الجائزات. وهذا الإطلاق تسامح فيه، وقد يوجد من حقائق الموجودات، وجواز الجائزات ما لا ينفرد العقل به كما قال، بل يشترك فيه العقل والسمع، وقد مثل هو في المشترك جواز رؤية الله سبحانه كما مثل بها القاضي أبو بكر بن الطيب قبله.
فهذا واحد من الجائزات لم ينفرد العقل به، بل اشترك في ذلك هو والسمع، ولما أحس أبو المعالي بما تسامح به في إطلاقه ما حكيناه عنه، تلافى ذلك برمز خفي إليه حتى يمنع القادح من الاعتراض عليه، فقال: وأما القسم المشترك، وبذكره ينضبط ما تقدم.
فأنت تراه كيف أشار إلى أن القسم الأول وهو قوله: جواز الجائزات استدراك يستثنيه من الإطلاق، ومن وقف على عدة جواز الرؤية من قبيل المشترك. وأما تمثيله في السمعيات فإنه العلم بوقوع الجائزات أو انتفائها، فهذا الإطلاق صحيح لا يحتاج فيه إلى التفات إلى القسم الثالث المشترك، فالأحكام الشرعية كلها حظ العقل إجازة ورودها، أو انتفاء ورودها، وحظ اسمع ورود هذا الجائز ووقعه، وكذلك الإخبار عن المعاد، فإن الإنسان وجوده معلوم حسا، وحدثه معلوم عقلا، ثم العقل يجوز عدمه أو بقاءه إلى غير آخر، فبالسمع علم وقوع هذا الجائز من عدمه، ثم إذا وقع فالعقل يجوز أن يعاد أو لا يعاد، ثم الشرع أعلم أنه يعاد، ثم العقل يجوز في هذا المعاد أن يعاقب أو يثاب، أو لا يعاقب ولا يثاب، فأعلم الشرع أن لابد من أحدهما، هكذا إلى بقية الحشر والنشر، وغير ذلك مما لا ينحصر كثرة، وبالله التوفيق.