فينبغي أن نقدم بين يدي القول في هذا الفصل الاعتذار عن إيراده في أصول الفقه مع العلم بأنه لا تمس الحاجة إليه، في النظر في الأصوليات، ولا يستعمل قانونا كليًا في شيء من الاستدلالات، فالعذر في إيراد الأصوليين له مع كونه لا ثمررة لهم في علمهم، أن أصول الفقه معظمها يستند إلى النظر في دلالة الصيغ كالعموم والخصوص، وأحكام الأمر والنهي، ودليل الخطاب ومفهومه، وإلى النظر في إشارات معانيها، وهو مبدأ القياس، والنظار في الفقه لا يكمل نظره دون أن يكون عارفا بجزء من أجزاء اللغة، وهو قوانين كلية، تعقد في أحكام بعض الألفاظ التي يكثر دورانها في الكتاب والسنة.
فحسن عندهم لما كانت أصول الفقه متعلقة بالإحاطة بفن من اللغة أن يذكروا مبدأ ذلك الفن، فيكون تكميلا في العلم المنظور فيه، وربما يشار في هذا إلى أن من فوائد الكلام عليه النظر في جواز اللغة.
فأما ما يتعلق بالأحكام الشرعية، ومستند الأحكام فيه ألفاظ ما، فمتى غيرت وقلبت اختلطت الأحكام، وفسد النظام، واندرست من الشريعة الأعلام، فإن هذا لا يختلف في تحريم قلبه وإفساده لا لأجل نفسه، لكن لأجل ما يؤدي إليه من إفساد الشرع.
وأما ما لا تعلق له بالشرع من الألفاظ فقد حكي عن بعض من يقول إن أصل اللغة توقيف، أن القلب لا يجوز، فلا يسوغ عندهم أن يسمى الثوب فرسا، والفرس دارا، وأما من يقول إن أصل اللغة الاصطلاح فلا مانع عنده يمنع من قلب هذا النوع من الأسماء، وأما من يجوز الأمرين جميعا، كونها اصطلاحا وتوفيقا، فاختلفت إشارة المتأخرين إلى ترجيح هذه المسألة على هذا المذهب.
[ ١٤٧ ]
فأما الأدري، فإنه يشير إلى تجويز ذلك، كما يجوز عند أصحاب الاصطلاح. وأما أبو القاسم عبد الجليل الصابوني فإنه يشير إلى منع هذا، ويعتل بأنا نجوز كون اللغة توقيفا، ونجوز كون هذا التوقيف واردا على أنه وجب على السامعين له ألا ينطقوا إلا به، وهذا الذي قاله بعد عن طريق الفقه.
وهذه المسألة فقية محضة، لا مدخل لها في الأصول، لأن النظر فيما لا يحل له إيقاعه من لفظه أو حركة، أو لحظة أو سكتة، أو غير ذلك من ضروب الأفعال إنما هو شغل الفقيه، وتعيني التحليل أو التحريم في مسألة بعينها لا يوجد في علم الأصول.
وقد علم أن الفقهاء المحققين لا يحرمون الشيء لجواز أن يكون قد ورد شرع بتحريمه، وإنما يحرمونه إذا حققوا ورود الشرع بتحريمه، فإذا لم يعلموا ورود حكم الشرع، فهاهنا يختلفون هل يحملون ذلك في العقل على الحظر، أو الإباحة، وهذا فن آخر غير ما نحن فيه. كيف؟ وهذا () يجوز مع القول بأن اللغة توقيف أن يرد التوقيف بمورد الإيجاب، أو مورد الإباحة، أو الندب، فالتصميم بالفتيا بأحد الجائزات من غير ترجيح جائز على جائز، لا سبيل إليه، ولو رجح بالاحتياط للتحريم لكان هذا نظرا في المسألة من جهة أخرى () الأشياء على الحظر عند عدم ورود الشرع.
وإذا وضح القول عن العذر عن إدخال هذه المسألة في (ص ٥١) أصول الفقه، ووضح ما قلناه من هذه الفائدة، وأنها بعد بيانها ملتحقة بالفقيهات لا بالأصوليات فلنعد إلى مقصود الباب فنقول:
اختلف الناس في مبادئ اللغات كلها:
فمنهم من قطع بأن مبدأها التوقيف، ولم يجوز سواه، ويحكى عن الشيخ أبي الحسن الأشعري ئة أن أصلها توقيف كما قال هؤلاء، ولكن لست أدري هل يمنع سواه كما منع هؤلاء، أو يجوز سواه، وإنما قطع بما قال سمعا.
ومن الناس من قال بعضها توقيف، وبعضها اصطلاح، والقاضي أن الطيب ﵁ في جماعة من المحققين يجوز وقوع اللغات على جميع هذه الجهات.
وهذه المذاهب المنقولات، وتلخيص النكتة التي يعتمد عليها في تصحح مذهبه، والرد على من سواه من المذاهب، أن سماع اللغة من قبل الباري سبحانه ممكن في العقول،
[ ١٤٨ ]
وخلق علم ضروري في قلوب السامعين بالمراد بالكلام المسموع غير مستحيل، بل جائز في العقول جوازا لا إشكال فيه، فإذا أمكن أن يرد كلام من قبل الله، ويعلم مراده به، ويأمر بالنطق به، أو نتيجة لم يكن لمنع تصور التوقيف معنى كما اعتقده من قال بمنع التوقيف من حيث أغفل ما صورناه من خلق العلوم الضرورية بالمراد بالكلام، ولما أغفل هذا، وقدر أن المراد بالكلام إن افتقر إلى بيان بكلام آخر، افتقر الآخر إلى آخر إلى ما لا يتناهى، هرب عن القول بالتوقيف إلى الاصطلاح لأجل هذا.
وأما تصوير وقوعها اصطلاحا فواضح أيضًا لأنا نرى الخرس يفهمون عنا بالإشارة، ونفهم عنهم بها كثيرا من المعاني، فلا نكر في العقول في أن يشير قوم إلى وضع نوع من النعم دلالة على أشخاص حاضرة، والطفل على هذا النحو يتعلم اللغة من أمه وأبيه ولا وجه لمنع هذا مع تصوره، كما ظن المانعون له إذ تخيلوا أن الاصطلاح والتواضع يفتقر إلى تقدم عبارة يدعو بها بعضهم لبعض إلى الاصطلاح، لأنا قد بينا حلول الإشارة محل العبارة.
وإذا كانت هذه هي النكتة عندهم في المنع دعا النظر فيها قوما آخرين إلى المذهب الثالث، وهو كون بعض اللغة توقيفا، لأن بهذا البعض يتم الدعاء إلى الاصطلاح، فلا وجه عند هؤلاء إلى تعميم القول في كونها كلها اصطلاحا، مع عدم الحاجة إلى ذلك في بعضها.
فإذا وضح أن الحق تجويز هذا كله من ناحية العقول، فكيف كان الأمر فيها، هذا لا حظ للعقول فيه، وهو من جملة الغيب الذي إنما يتلقى من أخبار الصادق.
وقد زعم بعضهم أن قوله تعالى: (وعلم أدم الأسماء كلها) الآية يقتضي القطع بأن أصل اللغة توقيف، لإخباره تعالى معلمة من لدنه لآم، وأنكر الحذاق أن يكون في الآية دليل قاطع، ومن الممكن أن تكون الملائكة اصطلحت على لغة، وأنساها الباري سبحانه ثم علم ما أنساه الملائكة لآدم، وأحضر أصحاب الأسماء، وعرضهم على الملائكة لقوله تعالى: (ثم عرضهم على الملائكة)، وهذا الضمير الذي هو الهاء ولميم لا يحسن عوده على التسميات، بل على المسميات، فلما عرضهم على الملائكة: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا).
وقد أخبر الباري سبحانه عن كلام وقع من الملائكة ﵈، قبل خلق آدم ﷺ، إذ قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وهذا يقتضي أنه إثبات كلام، ولغة
[ ١٤٩ ]
قبل خلق آدم، وتعليمه الأسماء، فلا بعد مع هذا في موافقة ما علمه آدم ما كان الملائكة عليه من لغة، وهذا التقدير يبطل كون الآية نصا.
والغرض في هذه المسألة القطع، والقطع لا يكون إلا بالنصوص وبالله التوفيق.