دعت الضرورة في هذا الكتاب إلى الخروج عن رسم ما يقتضيه التأليف في هذا العلم، وذلك أن أبا المعالي رمز فيه إلى مذاهب الفلاسفة في القوة الفكرية والعقلية، وخرج عن عادته القديمة في إكبار أئمة الأشعرية، وتحسين المخارج لهم، فيما قد يظن ظان بهم، أنه يتوجه عليهم فيهم قدح، وأشار إليهم بأنهم طاشت منهم الأحلام في أمرهم في استهانتهم إياه كالنيام استركاكا واستهجانا، ووصفهم أنهم جهلوا من علم الفلسفة أمرا فاختبطوا لأجله.
وحاشى أهل الاعتقاد الصحيح أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبن الطيب، وابن فورك، وابن مجاهد، وغيرهم من أئمة الدين أن يختبطوا، والمذهب الذي ذكر أن أهله اختبطوا هم هؤلاء، والمعتزلة على أصله اختبطوا أيضا.
هذا وقد وقع له في هذا الكتاب الإشارة إلى الثناء على ابن الجبائي المعتزلي في مواضع، وتحسين الظن به، وتخريج المخارج الجميلة لكلامه في موضع آخر، وأئمته أحق بهذا منه من ابن الجبائي، وهول هذا الفصل حتى نظر إلى الريح الرخاء بعين الزعازع، وذكر أنه لا مطمع في معالجة ما رمى إليه، فضلا عن استقصائه.
فرأيت أن الواجب الذب عن هؤلاء الأئمة، وإبانة أنهم لم تطش أحلامهم، بل هو الذي طاش به حلمه (ص ١٠٠)، إذ كان في القديم من كتبه في هذا الفصل الذي نحن فيه على رأيهم، ثم انتقل عنهم لتخييلات كتخييلات الشعراء، واستعرابات الصوفية، مجانبة لحقائق المتكلمين، نام المتكلمون فيما قالوه ملي جفونهم، وسهر هو ومن خالفهم واختصموا.
[ ٢٥٠ ]
وأعان أيضا على بسط هذا وأكده، أن جماعة التلاميذ المجتمعين لإملاء كتابنا هذا عليهم سألوا في الكشف عما أخفى، والإجهار بما أسر فرأينا من الصواب أن نبسط مذاهب الفلاسفة في هذا الفن بسطا يتجلى منه لقارئ كتابنا صورة ما ذهبوا إليه، ونشير في أثناء ذلك لبطلان ما هم عليه، بأن نقرر جملة نستعين بها في الرد عليهم، وذلك أن تعلم أن صاحب المنطق جزأه أجزاء، فمن أجزائه التخييلات والخطابيات، ووصف أهل علم المنطق هذا النوع بأنه يستميل النفوس ويهزها، وهذا لعمري كما قاله، أنت ترى طرب كل ذكي عندما ينشد أشعارا رائقة الألفاظ، بديعة معانيها في التشبيهات والاستعارات والتمثيلات، وكلما زاد الشاعر في تخييل المعاني التي تشتاق إليها الطباع، أطرب السامعين.
وهذا جرى للقوم في علومهم التي سموها الإلهيات والطبيعات، يستمسكون فيها بخيالات مضمحلات، لكنهم يجنحون فيها إلى المحسوسات، فربما استمالت الغر، واستقادت من لم يعجم حقائق الأدلة، ثم مع هذا يزدرون على أدلة المتكلمين، وإن نفس الله في مدة العمر، فلابد أن نورد جميع ما قالوه في كتبهم الإلهيات حرفا حرفا، ونعرض عليك طرقهم في الاستدلال عليها، وطرق المتكلمين، فيغنيك عرض ذلك عليك عن الموازنة بين الفئتين، وعن ذكر الصحيح من المذهبين لظهور ضعف مبانيهم التي بنوا عليها معانيهم.
وهاهنا نبسط لك مذاهبهم في هذا الفن الذي نحن فيه بعبارات تألفها، حتى تتصور معانيهم حقيقة التصور.
فاعلم أنهم يقولون: إن هذه الموجودات التي تتغير صورها، وتوجد بعد أن لم تكن موجودة على أحوال وتدرج، حيوان ونبات، وقد علم أن للحيوان والنبات أفاعل وخصائص، فارقا بها ما سواها من المحسوسات، كالسماء والأرض، وذلك أن هذا النبات والحيوان يحس وجوده على تدريج إلى أن يتكامل، ثم يحس بعد التكامل بنقصه إلى أن ينحل ويبطل، وما ذاك إلا أن لهذين النوعين قوة يكون بها تغذيه، لأنا نشاهد تغذي النبات بالماء وغيره، وتغذي الحيوان بالطعام وغيره، ولولا هذا التغذي لما تكامل وجودهما، ولا نقص ما تكامل منهما، فأضافوا هذا النوع من التغيير المحسوس إلى قوة في جسم البر المودعة في البطن. قالوا: فهذا معنى حصل لهذا النوع، بهذا النوع من الاستدلال، وكذلك
[ ٢٥١ ]
حصل له نوع آخر، وهو زيادته في الأقطار وذهابه في الجهات، ألا ترى أن النطفة تعظم في البطن، والطفل يعظم بعد الوضع شيئا فشيئا، وكذلك النواة المغروسة تعظم شيئا فشيئا، فلابد أن نضيف هذا الفعل إلى قوة أخرى في هذه الأجسام، فنقول: فيها قوة منمية. ثم أيضا نشاهد نوعا آخر من الأفعال لهذه الأجسام، وهو التوليد، فيكون عن الإنسان إنسان مثله، ويكون عن البرة إذا أسلبت برة لمثلها، فلابد أيضا أن تثبت قوة ثالثة تفعل هذا النوع. فيحصل من هذا الجميع الحيوانات والنبات ثلاث قوى: قوة مغذية، وقوة منمية، وقوة مولدة.
وهاهنا تقف معهم وقفة قبل أن نتمادى على سياقة مذهبهم فيما نحن بسبيله فنقول: أحسستم وأحسسنا بهذه التغييرات الثلاثة التي هي التغذية، والتنمية، والتوليد، وبقي علينا وعليكم الكشف عن السبب فيها، فقلنا نحن: لا سبب لها إلا الله سبحانه خلقها، وفعلها كذلك، فالذي خلق أصل الوجود خلق تغير هذا الوجود، وهل هذا إلا كوجود بعد وجوده، والذي فعل الواحد من هذا الوجود هو الذي فعل جميعها، فلا سبب ولا مسبب عندنا، وإنما هنا خلق وخالق، صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولو قدرنا أنه أوجد ذلك دفعة واحدة لم يكن بنا حاجة إلى إثبات قوة لكل نوع، فكذلك إذا أحسسنا أنه أوجد شيئا بعد شيء، ومن أعطى زيدا مالا دفعة واحدة، كمن أعطى زيدا درهما بعد درهم، لا تختلف معنى الفعلية في هذا، ولا معنى الفاعل، فكذلك ما نحن فيه.
والخباط الذي يتخيلون هاهنا، من أن هذه أفعال توجد شيئا بعد شيء، على جهة تغير الذوات لا يمكن أن تضاف إلى الباري سبحانه، لأنا لو أضفناها إليه لأدى إلى تغيره (ص ١٠١) [وهذا] واضح البطلان، ولأن الفعل لا يوجب العقل أن يغير ذات الفاعل، ولو سلمنا أنه يوجب ذلك فينا، وأن يحس منا، لم يلزم أن يكون الباري سبحانه في ذلك كنحن، وشتان بين من يفعل بآلة، وبين من يفعل بغير آلة، وشتان بين ذات تقبل التغير، وتخلع عندهم صورة وتلبس أخرى، كما يخلع النبات صورة النباتية، ويكتسي صورة اللحمية إذا غذي به الإنسان، فإن كان يفرط تغير فمن هذه الجهة، وقد اتفقنا على أن الباري سبحانه متقدس عن هذه النقائص، فلا مجال لتصور التغير عليه إذا تغيرت أفعاله، وبالجملة فقف معهم موقف مطالب بالدليل، وقل لهم: ما الدليل على أن كل فاعل إذا تغيرت [أفعاله تغيرت] ذاته؟ فلا يجدون أبدا استدلالا على هذا، ضعيفا ولا قويا، فإن ركنوا إلى المشاهدة والحس، قيل لهم: رد ما غاب في حكم الوجود إلى ما شوهد باطل عيانا، ومن قضى ممن لم ير بشرا أسود أن لا بشر أسود في الدنيا، فقد أخطأ عيانا.
[ ٢٥٢ ]
هذا، وهذه الذوات المحسوسة تتغير وفي العالم العقلي عندهم ما لا يتغير.
واعلم أن هذه الطريقة الفاسدة، هي التي أدتهم إلى أشنع مذهب ركبوه في صنعة هذا العالم، وكون شيء عن شيء، حتى لا يتناهى الأمر إلى الواحد الأول، فلم يكن عندهم عنه إلا آخر يليه، على حسب ما بيناه من مذاهبهم في غير هذا الكتاب الذي يؤدي إلى مفارقة مذهب أهل الشرائع، فصار تلخيص هذا إنما أثبتنا هذه الأفعال الثلاثة من صنعة الله سبحانه، وجعلنا واحدا خلق ثلاثة، وأحلنا على فاعل معقول، وجعلوا هم هذه الأفعال الثلاثة لثلاثة فاعلين، وأحالوا على فاعل غير معقول.
وقف أيضا معهم هاهنا وقفة، فلا يكادون يتخلصون منك، قل لهم: هب أنا سلمنا أن هذه الأفعال لغير الله سبحانه، فهذا الغير اكشفوا عنه، وأخبرونا عن معنى قولكم: قوة؟ هل تريدون بهذا جوهرا أو عرضا؟ فإن قالوا: لا نريد جوهرا، ولا عرضا، منازعة منهم في هذه العبارة. قيل لهم: فهل تشيرون إلى متحيز، أو إلى قائم بنفسه، أو تشيرون إلى غير متحيز أو إلى غير قائم بنفسه؟ فلا يمكنهم هاهنا أن يشيروا إلى نوع آخر.
فهذه تسمية ضرورية مترددة بين نفي وإثبات، فإن أشاروا إلى متحيز ذي مقدار، وعظم، فذلك الجوهر، فكأنهم يقولون: ثلاثة جواهر، انفعل عن كل واحد منها نوع من الفعل، والذي انفعل نحن نشاهده جوهرا [انسل عن] جوهر آخر، فيكيف يصح أن يكون هذا منفعلا عن هذا، وليس لأحدهما مزية عن صاحبه؟
وإن أشاروا إلى [ما لا] مقدار له في العظم، ولا تحيز وهو مع محمول أصلهم، وحال على أصلنا في الذوات، فهذا صفة من الصفات، ومحال أن تكون الصفة فاعلة، وما لا يقوم بنفسه لا يقوم غيره به، ولا يخلق ما سواه، ومن شرط الخالق أن يكون حيا، قادرا، عالما، والصفة لا تكون حية، عالمة، قادرة، لأن الحياة والعلم والقدرة صفات، والصفات لا تكون صفات لصفات، لأن هذا يؤدي إلى ما لا يتناهى. وإن كان هذا الذي لا عظم له في المقادير والتحيز ذاتا غير متحيزة ولا مقدرة بتقدير، ولا مفتقرة إلى محل، فهذا هو الله سبحانه الذي جعلناه فاعلا.
ويبقى علينا كونه حيا، عالما، قادرا، وهذا معلوم ثبوته، لأن الموات، والجماد، ومن لا يعلم، ولا يقدر، لا يفعل، وهذه أمور تضطرهم إلى مفارقة مذاهبهم، وعجبا لقوم يهربون عن هذا مع وضوحه إلى إثبات ما لا يتصور ولا ينعقل، ولو تصور وانعقل لم يقم عليه برهان ولا دعت إليه ضرورة، ومن الممكن في غير هذا الذي نحن فيه أن تنسب
[ ٢٥٣ ]
ثلاثة أفعال إلى ثلاثة فاعلين، أو تنسب إلى فاعل واحد، فما قلناه غير محال، ولا ممتنع تصوره، ولا هو مما لا ينعقل، وقد أقمنا عليه البرهان، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
ثم أيضًا بعد هذين الوقفتين، قف معهم وقفة ثالثة، وقل لهم: هب أن سلمنا أن هذه الأفعال الصادرة عن قوى لا عن الله سبحانه الخلاق العليم، فلم كانت ثلاثة؟ وهلا كانت قوة واحدة؟ بها تكون التغذية، والتنمية، والتوليد، فهلا قلتم أيضا في هذه الثلاث: إنها مضافة إلى واحد؟ كما قلنا نحن: مضافة إلى واحد، وتخالفوها في هذا الواحد، هل هو الله سبحانه كما قلنا أو قوة واحدة؟
واعلم أنهم لا يجدون عن هذا الاعتراض جوابا أبدا، ولا خيالا يخيلون به على حسب عادتهم، وقد رأيت في كتاب عظيم عندهم من تأليف عظيم من أئمتهم المتأخرين جوابا عن هذا الاعتراض لا يحسن بالمحصل الاشتغال باستماعه، فضلا عن النظر في دفاعه (ص ١٠٢) ولكنا نورده ونجيب عنه، لعظم شأن من أورده عندهم، وذلك أنه ذكر أن القوة مبدأ الفعل بالقصد الأول، ومن المحال أن يكون شيء بالقصد الأول مبدأ لشيء، ومبدأ لآخر، وإنما يكون مبدأ لما يلي فقط، وهذا كما تراه في غاية الوهي والضعف، وذلك أنا نقول له: إن أردت بالمبدأ هاهنا أن هذا الشيء أول لهذا الشيء، على جهة أنه جزء منه، ولكن هذا الجزء هو أول أجزائه، كما تقول هذه النقطة أول هذا الخط، فصدقت فيما قلت: إنه محال أن يكون هذا الشيء أول لشيئين مختلفين كما [أنه] من المحال أن تكون النقطة الواحدة نهاية لخطين مختلفين متجاورين.
ولكن يبقى عليك السؤال في أصل الاستدلال، لا في هذا الانفصال، فيقال: هل لك هذا الجزء الذي هو أول الخط مثلا، ما مبدأه هو أيضا؟ فإن قلت لا مبدأ له ولا سبب ولا فاعل. قيل لك: فبقية الأجزاء كذلك للمشابهة له، ولا يمتري عاقل أنه إذا جاز وقوع جزء من غير سبب ولا فاعل، صح وقوع جزء آخر يشبهه عن غير سبب ومن غير فاعل. ومن جوز أن يقع ربع خط مثلا من غير خاط، جوز أن يقع بقيته من غير خاط، وهذا معلوم صحته على الضرورة والبديهة، وفي هذا إن مرورا عليه إنكار القوة أصلا، التي قالوا: إنه مبدأ لهذا الفعل.
وإن قالوا: هذا مبدأ ليس هو من أجزاء هذا الانفعال، ولا يعني قولنا: إنه أول له، أنه نهاية فيه من أحد طرفيه، كما يقال: أول هذا الخط هذه النقطة، وإنما نريد بقولنا: مبدأه، أن هذا الفعل يكون عنه، قيل لهم: قد أحلتم هاهنا أن يكون عن الشيء الواحد
[ ٢٥٤ ]
شيئان أو أشياء، وبهذا طالبناكم، وعنه سألناكم، وأخبرناكم أنكم لا تجدون عنه جوابا أبدا، وهذا أوضح من فلق الصبح.
فهذه كلها مواقف إذا تأملتها علمت منها بطلان ما قالوه، واستبان لك أنهم لا جواب لهم عما ألزمناهم به أبدا، ولو أخذت في مشاحتهم في القوة المنمية من جهة المعنى، فقلت: هلا تمادى النمو إلى حد فوق الحد الذي بلغ النبات إليه؟ لم يجدوا عن هذا جوابا، سوى أنه ليس في قوة هذه القوة الزيادة على مقدار ما يبلغ النبات إليه، فيقال لهم: ولم كانت هذه الصفة؟ فلا يجدون عذرا إلا أن يقولوا: هكذا أبدعها مبدعها، فإضافة النماء إلى المبدع الحق، وهو الله سبحانه أولى.
ولو أخذت في أن تشاحهم في العبارة لوجدت في ذلك مساغا، فتقول: هل تولد البزر في النبات إلا ضرب من التنمية؟ وهل فرقان بين أن تفعل هذه القوة أخرى وهي ساق النسبلة، أو أخرى هي القمح في رأس السنبلة؟ وهل الجميع إلا نماء تولد عنها؟ فهلا قلتم ليس هاهنا في هذين الموضعين سوى قوة واحدة وهي المنمية؟ إلا أن تريدوا أن اختلاف صور الأجزاء النامية أوجب اختلاف التسمية في صورة النمائين خالفتم بين التسمية، فيكون هذا اصطلاحا منكم على هذه العبارة فمسلم، وإما أن يمتنع استصحاب هذه التسمية، التي هي القوة المنمية على البزر، فلا بعد فيه من جهة اللسان، وإذا كان معنى التسمية الموجب لحصول التسمية موجودا في البزر، وجوده في ساق النبات أكد هذا ما التزمناهم من اتحاد القوى، وإبطال ما قالوه في تعدياها.
وقد بسطنا القول في الرد عليهم في هذا النوع من القوى قليلا، لأنه سنستغني به عن المناقضة في بقية ما قالوه.
وأنت إذا تأملت ما بقى من تقاسيمهم، وما رددنا به هذا القسم خاصة، نقلت ما قلناه من الرد عليهم في هذا القسم إلى بقية الأقسام.
ثم إنهم لما نظروا أيضا إلى انتقال آخر، وميزة ثانية في أحد هذين النوعين، وهو الحيوان فوجوده قد تميز عن النبات بأنه يحس ويتحرك بالإرادة، بخلاف النبات فإنه لا يحس، وحركته طبيعية، لا بالإرادة، وإنما يتحرك على جهة واحدة وهي جهة النمو، قالوا: لابد لهذا أيضا من نفس أخرى غير نفس النبات التي هي كمال لجنسه، بذلك الكمال استحق أن يختص بقواه الثلاث، المولدة، والمنمية، والمغذية، وقصر هذا الكمال عن أن يستحق نفسا أخرى لبعده عن الاعتدال، التي تقرب إليه الحيوان، فكان كماله لقربه من
[ ٢٥٥ ]
الاعتدال أبلغ من كمال النبات، فاستحق مع هذه النفس النباتية المغذية المنمية المولدة نفسا أخرى، وهي النفس الحيوانية، فاستحق بهذه النفس نفسا أخرى، وهي كونه محسا متحركا بإرادته وهذه أيضا قوة للحيوان لما اختص بهذا المعنى، [كما] قلنا: من حس وحركة بإرادة.
ولهذا الحيوان قوتان: محركة ومدركة، فالمحركة نوعان: شوقية، واختيارية، فالشوقية تبعث النفس على الحركة إلى ما يشتهي، والنفار عما يضر، والاختيارية هي المشاهدة من حركة أعضاء الحيوان (ص ١٠٣) وتصرفاتها.
والمدركة أيضا نوعان مدرك الصورة المتلونة بانطباعها في الهواء، ويتسلسل الانطباع حتى ينطبع في الرطوبة الجليدية التي في العين فتدركها هذه القوة.
وحاسة السمع، وهي قوة في العصب المفرق في الصماخ، بها تدرك الأصوات بتوسط تضاغط في الهواء، وتزاحمه عند قرعه، ثم ينطبع أيضا تلك الأصوات فيه بضرب من التموج، حتى يصل ذلك الهواء إلى الصماخ، فيتشكل بشكله فتدركه تلك القوة التي فيه.
وحاسة الشم، وهي زائدتان في الدماغ كحلمتي الثدي، يتخلل إليهما روائح الأجسام، فتدركها قوة بهاتين الزائدتين.
وكذلك حاسة الذوق، وهي قوة أيضا في العصب المفروش في سطح اللسان، يدرك طعوم الأجسام ذوات الطعوم.
وكذلك حاسة اللمس، قوة منبتة في سائر جلد الجسم، ولحمه، يدرك بها الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والرخاوة، والصلابة، والملوسة، والخشونة.
فهذه مذاهبهم في القوة الحاسة الداركة، وأنت ترد عليهم في هذا بما قدمناه أولا، من كون هذه القوة لا يعقل معناها، ومن اشتراطهم تعددها بغير دليل، مع هذا التحكم أيضا في هذه التفاصيل، والرد عليهم في هذا التحكم مبسوط في كتب علم الكلام، أشبع فيها الرد عليهم في الانطباع والرد على المعتزلة، والأطباء في الشعاع، وهذا الانطباع أيضا لا يتحقق له معنى، وإن أشير به إلى عدم، فالعدم لا يدرك، وإن أشير به إلى وجود، فذلك الوجود إن كان عرضا فالعرض لا يصح انطباعه ولا انتقاله، وإن كان جسما فالأجسام المدركة أضعاف الرطوبة الجليدية، بما لا يكاد يضبط، لعظمه، فإن انطبع في الرطوبة جسم بمقدار الجسم المرئي، فمحال أن يرى الإنسان الجبل كله، وإن كان إنما ينطبع في الرطوبة
[ ٢٥٦ ]
بمقدارها، فما رأى الإنسان من البحار والجبال إلا أصغر من أنملة، وهذا باطل على الضرورة والاتساع في رد هذا لا يليق بما نحن فيه.
وكذلك ما قاله في حاسة السمع، قد استقصى المتكلمون من أئمتنا إبطاله في كتب علم الكلام.
وأما الذي ذكروه في حاسة اللمس، فإنهم ذكروا أربعة أنواع من المدركات، ونحن قد نرد بعضها إلى بعض على ما عرف في كتب علم الكلام، فنناقضهم في تعدادها أولا، ثم نناقضهم فيها من جهة ثانية، فنقول لهم: الحرارة والبرودة جنسان مختلفان متضادان، وقد أدركتهما هذه القوة، والرطوبة واليبوسة جنسان متضادان أيضا، وهما جميعا مخالفان للحرارة والبرودة، فما بال هذه القوة الواحدة استولت [على] المتضادين، والمختلف الذي لا يتضادد، وهذا مناقضة لما قاله إمام عظيم عندهم من متأخريهم، فإنه قال: يشبه أن تكون القوة الداركة لهذه الأجناس واحدة، وهذا إذا مر عليه وسلمه، تأكد ما قدمناه من المناقضة لهم في قولهم بتعدد هذه القوى.
أما القوة المدركة الباطنة عندهم فهي خمس قوى أيضا، كما أن الظاهرة خمس أيضا.
فأول هذه الباطنة قوة في مقدم الدماغ يسمونها فنطاسيا، ويسمونها الحس المشترك، ومعنى الحس المشترك أن جميع الإدراكات الظاهرة التي عددناها، تنقل مدركاتها إلى هذه القوة التي في مقدم الدماغ، فيطبع صور المدركات فيها على حسب ما أدركتها، فيكون الانطباع في القوتين الظاهرة، وهذه الباطنة مقترنا، وإن كان الرتبة في البداية إلى القوة الظاهرة، ومهما كانت القوة الظاهرة عمالة في الصور منطبعة فيها، كانت هذه القوة الباطنة منطبعة أيضا فيها الصور، وإذا لم تعمل القوة الظاهرة لم يقع انطباع في هذه القوة الباطنة.
هاهنا يجب أن نطالبهم بجميع ما قدمناه، ثم نخص هذه المسألة بمطالبة أخرى، ولا جواب لهم عنها، فنقول: لم زعمتم أن هذه الباطنة مدركة لجميع محسوسات الحواس الخمس الظاهرة؟ وما بال هذه القوة وهي واحدة أدركت جميع هذه المدركات على اختلافها، وهلا كان ما سواها من القوى التي يهتفون بها متحدا، كقولهم في هذه القوة؟ ولم هربتم أن تجعلوا هذه الواحدة الباطنة قوى كثيرة متعددة بحسب تعدد الحواس الظاهرة؟
وقد أجاب جميعهم عن هذا، المتقدم منهم والمتأخر بجواب واحد، وذلك أنهم قالوا: نحن نعلم أن الإنسان يحس فرقا بين الحلو والمر، والاسود والأبيض، وبين ما يراه وبين ما
[ ٢٥٧ ]
يسمعه، فلو كانت تأدية هذه الحواس الظاهرة إلى قوى باطنة متعددة لم يجد الإنسان فرقا بين مدرك ومدرك، لأن محل هذا غير محل هذا، فكل لا يحصل فيها إلا مدركها، فالفرق كيف يحس مع تباين القوتين، وتباين المدركين؟ وإنما يحس الفرق (ص ١٠٤) على ما قلناه من كون القوة واحدة اجتمع فيها أمران، ففرقت بينهما.
وهذه الحجة لا تساوي استماعها، وذلك أنا نطالبهم أولا بتخصيص ما قالوه من اشتراط الاتحاد، لأجل إحساس التفرقة، ونقول لهم: ما أنكرتم أن يكون الحس بالتفرقة في إحدى هاتين القوتين، فالقوتان جميعا أدركتا مدركين، واختصت إحداهما بزيادة مدرك آخر، وهو هذه التفرقة، ولا يستدرك أن تدرك القوة الواحدة مدركين مختلفين، ألا ترى إدراك البصر لمختلفات، وإدراك حاسة اللمس لمتضادات؟ فما المانع أن تكون إحدى هاتين القوتين أحق بهذه الزيادة من الأخرى؟ قيل لهم: وليس هي بأن تختص بهذا النوع من المحسوسات أولى من اختصاص الأخرى به. فإن قالوا: هكذا أبدعها مبدعها. قيل لهم: وهكذا أيضا أبدعها مبدعها دراكة لمحسوساتها، وللتفرقة المذكورة. على أنا لو سلمنا ما قالوه من هذا الاعتراض لقلنا: فقولوا: إن كل واحدة من القوتين حصل لها إدراك، وإدراك التفرقة بين محسوساتها ومحسوسات أخرى. ويقال لهم أيضا: ما أنكرتم أن يكون التفرقة غير حاصلة لواحدة من هاتين القوتين، وإنما لكل قوة إدراك محسوساتها خاصة، ثم العقل يحكم بالتفرقة بين المحسوسين، ولا يستنكر عاقل إدراك العقل حقائق كثيرة، وهي عندهم مع إدراك العقل لها تحل به، وهذا ما لا يجدون عنه جوابا محققا أبدا.
فإذا علمتم مذهبهم في هذه القوة الأولى التي يسمونها الحس المشترك، فلتعلم أن مذهبهم أن انطباع صور المدركات فيها لا يبقى، وإنما لها قبول الصور خاصة، وليس كل قابل لها حافظا، وتمثلوا بالماء فإنه يقبل الانطباع، ولكن ذلك الانطباع لا يبقى فيه. قالوا: ونحن نعلم أنا إذا غمضنا أبصارنا عن المدركات، وجدنا تمثالها وخيالها في أنفسنا، وقد فقدنا ذلك المعنى الذي أحسسناه عند فتح أبصارنا، فما ذلك إلا لأن هاهنا قوة أخرى في آخر هذا التجويف الأول من الدماغ ينطبع فيها الصور انطباعا يدوم، ويسمون هذه القوة خيالية.
وهذا مما يقال في إبطاله بعد إعادة جميع ما تقدم: ما أنكرتم أن تكون هذه القوة الأولى التي ذكرتموها من التي ينطبع فيها الخيال والتمثال بعد غيبة المبصرات؟ وإنما الفرق
[ ٢٥٨ ]
الذي يحسونه راجع إلى أن هذا الانطباع حدث مرة، ومعه إدراك ظاهر آزره وقواه، وحدث مرة وليس معه إدراك ظاهر، وإلا فالقوة الداركة واحدة، تدرك الشيء مرة وحدها، وتدركه مرة ومعها ما يعاونها، أو معها ما يطابقها.
وهذا لا ينكر إمكانه وجوازه عاقل، ثم بعد هذه القوة الثانية عندهم قوة ثالثة يسمونها المتخيلة، فيقولون: إننا نحس بعد هذا الانطباع تمكنا من تركيب ما تخيلناه، ونصوره على غير النظام الذي أدركناه، فنتخيل شخصا بصفة إنسان، وبصورة طائر، وهذا ليس في الوجود، فيكون انطباعا في الخيال، فليس إلا إثبات قوة متخيلة تركب من الصور ما شاءت، وتقايس يعضها ببعض، وتستعمل الحل والتركيب كيف شاءت، فهذه القوة الثالثة عندهم محلها التجويف الثاني من الدماغ، وهي التي يسمونها المفكرة، وهي التي يستخدمها العقل إذا حاول إدراك المعقولات، فإذا استعملت سميت بالنسبة إليه مفكرة، وهي متخيلة بالنسبة إلى القوة الحيوانية خاصة، وإنما تكون مفكرة بالنسبة إلى القوة الإنسانية، وهي العقل، وهذا أيضا يبطل عليهم جميع ما تقدم.
ويقال لهم: هذه أقرب إلى أن تكون هذه القوة الثانية التي سميتوها خيالية مما عارضناكم به، إذا قلنا: قد تكون الثانية هي الأولى على أصلكم، وذلك أن هذه القوة المتخيلة إنما يكون حظها انطباع الصورة، فتارة يكون ذلك لها بغير آلة، وتارة يكون بآلة وهي الحاسة الظاهرة، وهذا أيضا لا يدفع إمكانه عاقل. ثم أيضا تحقق معهم معنى الانطباع في جميع معنى القوى التي ذكروها، ويعاد التقسيم الذي قسمناه، حتى لا يتحقق للانطباع معنى.
ثم عندهم بعد هذه القوة قوة رابعة، وذلك أنهم يقولون: إن الإنسان يحس من نفسه إدراك الصورة الجزئية تارة، ويحس من نفسه إدراك معاني هذه الجزئيات تارة أخرى، وهذه المعاني لا تكون محسوسة، ألا ترى أن الشاة تنافر الذئب إذا رأته، وإن كان لم يؤذها قط، ولا شاهدت أذاه، ولكن فيه معنى ينافرها (ص ١٠٥) أدركته الشاة فهربت منه لأجله، وهكذا تجري إلى النبات المستلذ عندها، وليس إلا لمعنى أدركته من موافقة بينها وبينه، وهذا المعنى لا يقال: إنه مشاهد فتضيفه إلى البصر، ويفتقر فيه إلى الحس المشترك وإلى الخيالية على ما صورناه، فلابد من إثبات قوة رابعة، ويكون محلها آخر التجويف الثاني من الدماغ، يسمى هذه القوة قوة وهمية، وهي الحاكمة على الحيوان كله، ولها تنقاد البهائم وأشباهها من الناس، وهي معاندة للعقل، لأنها تأبى من الانقياد إليه إذا خالف متعلقاتها، ومن هذا تعرض الضلالات في أكثر الاعتقادات الدينية وغيرها، وهذا الوهم يأبى كل الإباء من الانقياد إلى التصديق بمعقول، لا جوهر، ولا عرض، ولا في مكان، ولا مفارق للعالم،
[ ٢٥٩ ]
ولا مواصل. ولهذا الانقياد إلى الوهم ظلت المعضلة، ولو أجهد الإنسان جهده لما توهم ما وراء هذا العالم، ولا تخيله، لأنا ذكرنا أن الوهم إنما سلطانه على معاني جزئية في محسوسات جزئية، وما وراء العالم ليس بمحسوس فينظر في معانيه، وهذه القوة الوهمية تستخدم ما قبلها من القوى، لأنا أريناك أن حظها انتزاع معان من محسوسات جزئية، وقد افترقت إلى خدمة ما قبلها من القوى ليحصل ما هو بصدده.
والرد عليهم في هذه القوة مأخوذ من جميع ما قدمناه، ثم يقال لهم: لا معنى لإثبات هذه القوة، بل هي القوة المتخيلة، وأنتم ذكرتم أن القوة المتخيلة تركب ما ليس في الموجود، لعل هذا منه، أو تكون القوة الخيالية، ويكون معنى التوهم تكرر انطباع أذى الذئب إلى الغنم، فتنطبع صورة أذاه في القوة الخيالية انطباعا لازما لا يمحي، حتى يصير كالجزء من البدن في ملازمة هذا المعنى لهذه القوة، فيكون الطباع تنفر وتهرب، لأجل هذا لا لأجل أن هاهنا قوة أخرى تسمى وهيمة. ومما يؤكد هذا أن هذه الوهمية لا تحصل إلا بعد تحصيل محسوسات، فلو كانت معنى مستقلا بنفسه لم تفتقر إلى المحسوسات.
ثم عندهم بعد هذا قوة خامسة يسمونها الحافظة، ومحلها عندهم التجويف الثالث الذي في مؤخر الدماغ، وحظ هذه القوة حفظ ما تحصله الوهمية، فكأن الوهمية تقبل قبولا لا يدوم، وهذه تقبل قبولا دائما. فقد حصل أن المدركات جسمانية ومعنوية، فالجمسانية يختص بها من القوة الباطنة قوتان، الحس المشترك اختصاص قبول، والخيالية اختصاص دوام وبقاء، فالخيالية خازنة للحس المشترك صور الأجسام، وقوة وهمية تدرك معاني الأجسام إدراك قبول خاصة لا يستدام، والقوة الحافظة خزانة هذه القوة، فيكون الانطباع فيها دائما، وبقيت قوة وسطى بين الأربع، وهي القوة المتخيلة قبلها قوتان يستعملان في المعنويات.
والرد عليهم في هذه القوى على نحو ما تقدم حرفا بحرف، ومن عجيب أمرهم قطعهم على محال هذه القوى، حتى جعلوا محل الحس المشترك مكان كذا من الدماغ، وحس الخيال في آخر التجويف الأول من الدماغ، إلى ما سوى ذلك من تحكماتهم في هذه المحال التي ذكرناها عنهم، وهب أنهم يسلمون للأطباء ما يقولونه في صفة الأعضاء الباطنة والعروق، والأوراد، والشريانات، والعصب، والعضلات، إلى غير ذلك مما يحيلون فيه على المشاهدة عند تشريح بعض أجسام بني آدم، فما كان مغيبا يفقد لا محالة عند موت الإنسان قبل أن يؤخذ في تشريحه، كيف الحيلة في إدراكه والعلم به. هذا ولو كان الإنسان حيا، وكشف لأبصارنا عن باطن دماغه لما أبصرنا عندهم هذه القوى، لأنها عندهم مما
[ ٢٦٠ ]
يستحيل أن يبصر، لأنها ليست بألوان ولا ذوات متلونة، فالعجب كل العدب من قطعهم على هذه المحال بخيال لا ينهض أن يفيد ظنا ضعيفا مثلا، فضلا عن القطع والتصميم على هذه المحال، بأن يقولوا: إذا فسد مقدم الدماغ فسد الحس المشترك، وإذا فسد وسطه فسد التصور والتخيل، وإذا فسد مؤخره فسد الحفظ والذكر. ولهذا شحن الأطباء مصنفاتهم في باب مداواة النسيان وسوء الحفظ بعلاج مؤخر الدماغ بالاستفراغات للخلط الذي كان عليه النسيان، واستعمل اللطوخات على مؤخر الدماغ المضادة للخلط الذي كان عنه النسيان، وهذا كما تراه في غاية الضعف.
أما فساد التخيل والتصور فمحسوس، أما استيلاء النسيان وبعد الحفظ لما يدرس ويقرأ فمعلوم أيضا، والناس متفاوتون في ذلك، إما في أصل تركيبهم، أو لأعراض تطرأ عليهم، فهذا القدر هو الذي نؤمن به، لأنه معنى محسوس، ومن فعل هذا فهو عندنا الله سبحانه، لما قام من الأدلة على وجوده تعالى ووحدانيته، وأنه خالق كل شيء، فما سوى هذا هنف لا يشتغل به (ص ١٠٦) محقق، ولا ينكر عقلا أن يكون الباري سبحانه الذي هذا كله من فعله، يفعل هذه الأمور ابتداء، أو يفعلها بعد أن يفعل أفعالا تتقدمها، يربط بعضها ببعض، سنة الله التي في خليقته، لا على أن ذلك أمر عقلي لابد منه، ولا يقدر الله سبحانه على فعل ما سواه، ولا يمكنه نقضه، ومن بنى قدر على أن يهدم، ومن ربط قدر على أن يحل، ولكنا لو أثبتنا هذه الرباطات، وهذه التعلقات لم يثبت منها إلا ما أدركه الحس والمشاهدة، أو قام عليه برهان، فالحس والمشاهدة معلوم أنهما لا يوجدان هاهنا، وبرهان لا يقوم على هذا أبدا، وبراهينهم هذه قد أوضحنا بطلانها.
والصحيح التصور والفكرة يكاد يستغنى عن معرف يعرفه أن هذه الأمور التي تمسكوا بها لا تؤدي إلى يقين وقطع أبدا، وإن تشوفت نفس بعض العقلاء إلى الإخلاد لشيء مما قالوه فتلك ظنون تقبلها النفس بسبب استنادهم إلى تخيلات حسنة كما قدمنا عنهم. وليت شعري كيف يعلم من مداواة عضو ما حل فيه في باطنه، أما الاستفراغ فلا يقدر بشيء على أن يجعله دليلا على شيء من هذه المحال، وإذا سقى الطبيب البلاذر، والإيارجات الكبار، واستفرغ خلط، أخرج من البدن، فمن أين يعلم أن هذا الخلط إنما ينبعث من آخر التجويف الثاني من الدماغ؟ هذا لا يدعيه عاقل، وكذلك إن وضع هناك لطوخا، لا سبيل إلى اليقين بأن ذلك محل ذاك، وإن كان هذا أقرب من دلالة الاستفراغ الذي شوهد الانتفاع بذلك اللطوخ في ذلك الموضع من ذلك المرض، وقد يمكن أن يكون ذلك المكان منه ينصب خلط إلى مكان آخر هو محل تلك القوة المشار إليها، أو يكون ذلك المكان فيه آلة من آلاتها
[ ٢٦١ ]
لا تعلم تلك القوة إلا بها، فإذا تعطلت الآلة تعطلت القوة، وهذا أيضًا مما يجوز ويمكن في العقول، وقد ذكرنا في كتابنا "المعلم" الحجة عليهم في هذا، وناقضناهم في دواء "المالنخونيا"، وهذا منه.
ثم إذا تقرر هذان الاختصاصان، ومعناهما، اختصاص النبات واختصاص الحيوان على الجملة، فإن من الحيوان الإنسان، قد اختص أيضا بخصيصة فارق بها النبات والحيوان البيهيمي، فنظروا فيها على زعمهم، فوجدوا الإنسان قد قرب من الاعتدال أشد من قرب النبات، وأشد من قرب الحيوان البهيمي، فاختص لأجل هذا القرب بهيئة وكمال اقتضت له أن تكون له نفس إنسانية، وهي نفس ثالثة حصلت له مع حصول النفسين الأخريين التي هي نفس النباتية والحيوانية، وهذه النفس التي تميز بها هي التي استحق بها أن تكون قوة من جهة ما يفعل بالروية والاستنباط، ومن جهة ما يدرك الكليات، فإن ما سواه من الحيوان والنبات لا يقع منه أفعال بالفكرة والروية، ولا يدرك حقائق كليات الأمور، فنظروا في هذه القوة على زعمهم فوجدوها نوعين: قوة عاملة، وقوة عالمة، ولربما يعبرون عن هذا فيقولون: قوة عملية، وقوة نظرية.
فأما القوة العملية فبها يكون سياسة البدن، والأخلاق، والتدابير. والقوة النظرية يكون بها الإطلاع على حقائق الكليات، وكأن هذا النفس له وجهان، وجه ملتفت إلى الأعلى، وهي المبادئ، والعالم العقلي، ووجه ملتفت إلى الأسفل وهي جهة البدن، ووصوا في كتبهم بأن تكون هذه النفس معرضة من جهة الأسفل لئلا تستولي عليها الطباع، وأحوال النفس الحيوانية فتكون مقهورة، فتظهر الأخلاق، وتقع الأفعال قبيحة، حتى إذا كانت كالمعرضة عن الأسفل والمقبلة على الجهة العليا استمدت منها الفضائل، وكانت قاهرة لطباع الإنسان، فظهر منه من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجميلة ما يكون به فاضلا.
وهذه الجهة النظرية التي يسمونها القوة العالمة هي المطلوبة المبحوث عنها، وبسبها قدمنا ما قدمناه، وهي عندهم القوة العقلية، لكنهم زعموا أنه قد علم اختلاف حقائق الوجود المتصور، فمنه ما يكون وجودا بالقوة، ومنه ما يكون وجودا كاملا تاما يسمونه وجودا بالفعل، ومنه وجود بين هذين الطرفين، وتدريج بين هاتين الحاشيتين، ويسمونه وجود تمكين، ولهم فيها عبارات أخر، وهذا كالنواة، فإنه يميز فرقان ما
[ ٢٦٢ ]
بينها وبين الحصاة في توليد النخلة منها، وما ذاك إلا لأن النواة فيها قوة تهيأت إلى أن تنتمي شيئا فشيئا حتى تصير نخلة مثمرة، وهذا التهيؤ لا يوجد في الحصاة فيسمون ما في النواة من هذا وجود نخلة بالقوة، حتى إذا كملت النخلة وأثمرت وتناهى نماؤها سموا ذلك وجودا بالفعل، بمعنى أن ما كان يتصور من النواة (ص ١٠٧) ويتخيل قد حصل محسوسا حصولا كاملا، وهو الوجود الكامل، فإذا لم تبلغ الإثمار وغاية النماء، فكأن هذا الوجود وجود ممكن من الإثمار.
فهكذا الحال في التعليمات أيضا فإن الإنسان إذا كان أميا، كان كاتبا بالقوة، بمعنى أن الكتابة يتصور وجودها منه، بخلاف الحمار، فإذا ابتدأ فتعلم مفردات الحروف، والخط بالقلم، وحضرت الآلات قيل: هذا متمكن من الكتابة، حتى إذا حصل على علم الخط وكتبه قيل: كاتب بالفعل، ومتى تعطل عن الكتابة كان هذا الوجود الكامل حاصلا له، لم يفقد بعطلته عن الكتابة.
فكذلك عندهم حال الإنسان، فإن الطفل أول ما يولد قد ركب دماغه وقلبه على شكل ومزاج قرب من الاعتدال قربا متهيئا بهذا إلى أن يقبل صور المعقولات ويطلع على المعلومات، بخلاف دماغ الحمار وقلبه، فيسمون هذا عقلا هيولانيا، بمعنى أن التهيؤ القابل للعقل حصل فصار كالهيولي والمادة [التي] لا صورة فيها، ثم بعد هذا تكتسي صورة ما، فإذا شب الطفل وصار في سن من يميز، ويعرف العلوم الضرورية التي تنطبع عندهم في هذه القوة من غير أن يحس الإنسان بانطباعها، ولا يسعى في تحصيلها كان هذا عقلا ممكنا، بمعنى أنه قد ارتفع عن طبقة العقل الهيولاني، وقد يسمى عقلا بالفعل، بمعنى أنه حصلت فيه معارف وعلوم ضرورية.
ثم بعد هذا الوجود الممكن، الوجود التام الكامل، وهو المسمى عندهم العقل المستفاد، ومعنى هذا أن هذا العقل الذي قد حصل فيه مع الهيولي، ومعنى التمكن من الاستفادة تنطبع فيه صور المعقولات الكلية، بل يحرك ويستخدم تلك القوة التي سميناها بالمتخيلة بالنسبة إلى الحيوان، وبالمفكرة بالنسبة إلى الإنسان، فإنما هي القوة وحركها، وهي أيضًا قد تستخدم ما قبلها و[إذا] التفت إلى العالم العقلي انفعل هذا العقل عن هذا، وانطبع فيه حقائق المعقولات، وليس انطباعها فيه من قبل نفسه، لكن من قبل غيره، إذ هذا العقل المستفاد، وهو المسمى عندهم الوجود بالفعل، وما تهيأ لقبول شيء لا يقبله من تلقاء نفسه، بل من تلقاء غيره، فكل وجود بالقوة لا يحصل وجودا بالفعل من تلقاء نفسه بل من تلقاء غيره.
[ ٢٦٣ ]
وهذا الاستدلال عندهم يضطرهم إلى إثبات عقل آخر يسمونه العقل الفعال، وفيه صور المعقولات كلها، وهو في نفسه قد كان عقلا بالفعل، لم يكن قط عقلا هيولانيا، لأنه لو كان كذلك لافتقر إلى آخر ينقله من الهيولي إلى الفعل، ويتسلسل القول، فوجب عندهم إثبات هذا العقل على وجود كامل تام، مستوف لصور المعقولات كلها، قد كان، وعنه تستمد عقولنا المعارف والعلوم النظرية كلها، فإذا استمدت عقولنا منه هذه المعقولات، فما دام تطالعها عقولنا وتذكرها فذاك غاية الكمال، وإن لها عنها فتلك حالة لا تخرجه عن كونه عقلا بالفعل، لأن المعقولات مخزونة فيه متى شاء طالعها. وتفاوت الناس في العلوم لتفاوت هذا العقل الهيولاني في القوة والضعف، فتهيؤ الجنس إلى قبول ما يقبله من الوجود يختلف عيانا، فبحسب هذا يقع التفاوت في العلوم والاختلاف في الذكاء، وصحة الحدس، مع الاختلاف أيضا في استعمال هذا العقل لتلك القوى التي يستخدمها مع قبوله على تدبير النفس خاصة وإصلاح الجسم والطباع، فيضعف عن تحصيل العلوم، وبالعكس فإنه إذا أقبل على تحصيل العلوم وانتصبت تلك القوة العقلية إلى استقبال ما يفيض عليها من هذا العقل الفعال، ضعف نظرها في تدبير البدن والطباع.
ويضربون مثالا من المحسوسات يحيلون به صحة ما قالوه، حتى يستميلوا بذلك أنفس العوالم، لما قدمنا مكررا من كون التخيلات الحسية تسرع النفوس لقبولها، ويألفها إحساسها، فيقولون: هذه الأجسام المتلونة يراها الإنسان بعينه، فالعين هي الرائية، والألوان هي المرئية، ولكن لولا شعاع الشمس ولمعانه على الألوان لما أدركه البصر، ولهذا لم يدركه في الليل، فالعين أبدا متمكنة من أن ترى، والمرئي مهيأ لوقع البصر عليه، ولكن إذا شرق عليه نور الشمس صار البصر رائيا له، فالبصر إنما انفعل عن شعاع الشمس، ولكن شعاعها إنما ضرب على الأجسام متلونة، فصار البصر مدركا لها، وحصلت العين رائية.
وهذا العقل الفعال كالشمس، وصور المعقولات كالأجسام المتلونة، وهذا العقل الذي حصل له حال الهيولي، وحال التمكن على ما شرحناه، متمكن من أن يحصل المعقولات وتنطبع فيه (ص ١٠٨) صورها وحقائقها، ولكن يشترط أن يشرق نور العقل الفعال على المعقولات فيبصرها حينئذ هذا العقل الذي وصفناه فينا، فإذا أبصرها كمل وصار عقلا بالفعل، وصار عقلا مستفادا.
[ ٢٦٤ ]
وقد ذكرنا أن هذا الاستمداد عن العقل الفعال على هذه الصفة إنما يكون بتهيئ يصح معه قبول هذا الفيض، وهذا التهيؤ إنما يحصل فينا غالب عند تحريك العقل الحاصل لنا القوة المفكرة على ما فرضناه.
وإذا تصورت هذه التخاليط والتحكمات في تصور أمر به يدرك تصور المتصورات انكشف لك ما رمز إليه أبو المعالي وهول عليك وروعك بقوله: "لا مطمع في مفاتحة هذا الفصل فضلا عن استقصائه"، فها نحن قد فتحنا لك الباب الذي أغلقه، حتى نظرت ما وراءه فلم تبصر شيئا، ونحن نملي نص كلامه في هذا الفصل وننبهك على غرضه على ما قدمناه من مذاهب القوم حتى تعرف مخارجه منها.
قال أبو المعالي: "وليعرف طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس، ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس متعلقة المعلومات، أو المعتقدات، ولا تنطق النفس بالعلم الحق، وهذا الآن يتعلق بالقول الفلسفي، ولا مطمع في مفاتحته، فضلا عن استقصائه، ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم، فهو متخيل العلم معلوما، ومنطوقا به، وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين، وطيش أحلامهم، حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم، وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس، لا في العلم نفسه، ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع، ليتشوف عند نجازه إلى العلوم الإلهية، ونستحب على طلبها".
أما قوله: "إن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر، وهو المعنى بكلام النفس"، فإنه إنما أشار به إلى ما قدمناه من أن القوة المتخيلة التي تسمى مفكرة بالنسبة إلى العقل عندهم، إنما تتعلق عندهم بالمعتقدات، لأنا أخبرناك كيف يأخذ الحس المشترك صور الأجسام، وكيف ينقلها، وكيف تأخذ القوة المتخيلة معاني الأجسام، وكيف تنقلها، وهذا محسوس عندهم.
وأما العلم الحق عندهم فهو ما ذكرنا من خروج القوة الهيلوانية إلى العقل الفعلي، ومعنى خروجها حصولها علوما بعد أن كانت مهيأة للعلوم، فنفس العقل هذا المشار إليه هو
[ ٢٦٥ ]
نفس العلوم بهذه الكليات المتلقى من فيض العقل الفعال، وهذا عندهم عقل بالمعقولات، وعقل بنفسه، فهو قد عقل المعقولات وعقل نفسه.
ولا معنى عندهم للقول: عقل نفسه إلا ما صورناه من عود ذلك العقل الهيولاني علوما ومعارف بالكليات، ونفس هذا العود والخروج إلى الفعل لا ينطق ولا يفكر، والنطق والفكر، وإنما هو لتلك النفس التي ذكرنا أنها قوة متخيلة مفكرة، وهي بمنأى ومعزل عن هذا العقل المستفاد المشار إليه، وإنما هي كالخادم له، على ما صورناه، وإن فرض في النفس فكر بالعلم، أو نطق به فإنما معناه عندهم أن يقدر ذلك العلم كمعلوم يتطلب ويتلقى، وقد ذكرنا أن تطلب المعارف تتحرك معه القوة الفكرية، فالمحسوس إذا تحرك القوة الفكرية عند استفادة العقل الهيولاني المعارف، وكون القوة الفكرية ينطلق بهذا العلم الحاصل، بمعنى أنه صار كالمعلوم، وهي تتعلق بالمعلومات على صفة ماذكرناه، وهو المحسوس عندهم حتى يظن أن النفس الفكرية تعلقت بنفس هذا العلم، وأن نفس العلم الحق تعلقت به النفس.
وأضاف أبو المعالي إلى أيمتنا أن جهلهم بهذه الحقائق طيش أحلامهم، وأدى إلى اختباطهم. وعجبا من هذا الاعتقاد مع وقوفه على أعيان مصنفاتهم، ومذاكرته على ما يذكر لأعظم أيمتهم، ولم يقف على ما وقف عليه على برهان على هذا الذي رتبوه وزينوه، وقد أشبعنا نحن الرد عليهم بما يغنيك عن إعادته في هذا الفصل الثالث، ويقال لهم فيه هي القوة الهيولانية أعرض هي أم جوهر؟
فإن كانت جوهرا فالجواهر متماثلة، وإن كانت عرضا فالأعراض لا تقبل العلوم والصفات، وإن كانت غير ذلك فاذكروه، ولا سبيل إلى الإشارة إلى جنس من المحدثات، خارج عن كونه جوهرا أو عرضا، وهم يسلمون حدوث عقولنا، ويزعمون أن هذه القوة المشار إليها بالعقل الهيولاني، أو الكامل ليس بجزء من أجسامنا، ولا صفة حالة بأجسامنا، فليت (ص ١٠٩) شعري لم اختص زيد بعقله دون عمرو؟ ولم كان العاقل منا عاقلا؟ والمجنون مجنونا؟ والعاقل لم يجد به شيئا، ولا حلت فيه صفة.
وعذرهم عن هذا بأن بين عقل زيد ومزاجه مناسبة اقتضت علامة واختصاصا بينه وبين هتف لا يسمع، ودعوى لا تنفع. ويقال لهم: ما معنى هذه المناسبة؟ فلا يجدون لها
[ ٢٦٦ ]
معنى يعقل، ويسألون عن سببها فلا يجدون لذكره سبيلا، ولو صح أن يعقل بعقل غير حال في، ولا قائم بي، ولا هو جزء من جملتي صح أن يتحرك بحركة هي كذلك، وصح أن يكون الجوهر أسود بسواد هو كذلك. وهذه تخاليط لو أخطر إليها دليل لنافرتها النفوس لكونها إحالة على مجهولات، واستمساكا بخيالات، فكيف ولا برهان يقوم لهم عليها؟.
ثم يقال لهم: هذا الذي رتبتموه من تقسيم الوجود في هذا العقل، لا يتحصل في ذلك أن النواة في حال كونها نواة كالحصاة في حال كونها حصاة، النخلة معدومة منهما جميعا عدما متساويا، وليس للنخلة وجود يشار إليه، وإنما هاهنا إمكان وتجويز خلق شيء آخر لم يخلق منه ذرة واحدة بعد، ولكن هذا الذي لم يخلق ذرة واحدة [منه] تأتي خلقه، وأمكن في محل دون محل، فعندنا أن ذلك بعادة أجراها الله سبحانه في خليقته وهو الحق، وإلا فما الفرق بين جواهر النواة وجواهر الحصاة؟ وعندكم ذلك أمر يرجع إلى الطباع وإلى المزاج، إحالة منكم على أمر مجهول، لم يقم عليه دليل، فلا معنى للعقل الهيولاني، وإذا بطل هذا القسم الهيولاني لأنه لا ينعقل له معنى، فكذلك القسم الثاني وهو الممكن، لأنه ليس بين الوجود والعدم مرتبة، فإن كان هاهنا وجود فسموه ما شئتم، ولكن نحن لا ننكر حدوثا بعد حدوث، ووجودا بعد وجود، وليس إلا أن الله سبحانه يخلق في الطفل معارف إعدادا ما، ثم إذا نهض في السن زاد فيه خلق معارض أخر، حتى تكتمل المعارف الضرورية، فإذا كملت خلق فيه فكرة واستنباطا من تلك العلوم الضرورية، وقدره على ذلك، كما يخلق فيه قدرة على أن يتحرك ويسكن حركات ضعيفة أو قوية، بحسب ما شاء أن يخلقه تعالى، فإذا فكر واستنبط بما خلق فيه من قدرة على الاستنباط، وخلق فيه من استنباط وفكرة، وبما خلق فيه من قدرة خاصة على ذلك على رأي قوم من الإسلاميين خلق فيه حينئذ معارف وعلوما على رأي قوم أيضا، أو فعلها العبد على رأي آخرين، على ما تقدم ذكرنا له في هذه الكتاب وفي غيره، ثم تتفاوت الناس فيما تفضل به عليهم من خلق المعارف والعلوم.
فتأملوا رحمكم الله هذه الصورة التي صورناها، وحكيناها عنا معشر المسلمين، هل هي في العقل متناقضة أو متهافتة؟ أو يستحيلها عقل سليم، فإذا أمكنت وأمكن ما قالوا لو سلمنا إمكانه، ولم يقم دليل على فساده كما أوردناه، فمن أين القطع والتصميم على أن الأمر ما صوروه، وهم قد سلموا أيضا أن هذه العلوم إنما نستفاد من جهة أخرى، وليست هي من تلقاء أنفسنا، ولكنها مستفادة من المسمى عندهم بالعقل الفعال، فما المانع من أن تكون مستفادة من الله سبحانه الذي أبدع العقل الفعال، والعقل الفعال عندهم لا يتغير في
[ ٢٦٧ ]
نفسه، وقد انفعلت عنه هذه الأفاعيل، فهل أضافوا الانفعالات كلها إلى الله سبحانه؟ وقضوا بأنه لا يتغير لأجلها، وهم على زعمهم إنما يهربون عن إضافة هذه الكائنات المتغيرات إلى الله سبحانه لئلا يؤدي ذلك إلى تغيره، فهذا العقل الفعال عندهم كانت عنه هذه الانفعالات ولم يتغير. فإن قالوا: لم يخترع العقل الفعال شيئا فيغيره ما اخترع، وإنما كان انعفال الفعل منه على صفة ما ذكرناه. قيل لهم: فهل أضفتم تلك الصفة من الانفعال إلى كونها عن الله سبحانه؟ وإن كنا قد أفسدنا ما ذكروه من هذه الانفعالات، ولكن هذا الإلزام لا جواب لهم عنه أبدا.
وقد أخذنا في إملاء ما تعلق بكلام أبي المعالي، ونيتنا استيفاء ما قالوه، والرد عليهم كما يجب، ثم رأينا تأخيره إلى أن يسر الله سبحانه في إفراد تصنيف متعلق بهذا النوع، وفيه شرح فرقان تعلق العقل بالكليات المجردة من المواد عندهم بذواتها، أو بالكليات التي يجردها العقل من موادها، بخلاف تلك القوة التي ذكرناها في الإدراكات الباطنة التي من شأنها أن يتعلق بالجزئيات إلى غير ذلك من فصول، هي نوع من الفصول مما يذكرونه في هذا الباب.
وذكر أبو المعالي أنه إنما أورد هذا ليتشوف منه إلى الإلهيات، ولو وقفت على طرائقهم في الإلهيات لرأيت العجب أيضا في براهينهم، والتحكمات التي مدارها على تخيلات لا حقائق لها. وفي هذا القدر كفاية.