ذكر أبو المعالي طرق التأويل في مسألة النكاح بغير ولي في حديث واحد، وتشاغل به دون ما سواه، ورأيناه أن نورد هاهنا ما يتعلق بهذه المسألة من الظواهر، وننبه على طرق
[ ٣٧٥ ]
تأويلها، فإن الغرض بالكلام على مثل هذا تدريب الفقيه على معرفة استخراج معاني الظواهر، وإيضاح مسالك التأويل التي يسلك فيها، وكلما أكثر من ذلك كان أفيد له، وقد تكلمنا نحن على هذه المسألة في كتابنا "المعلم" بنكت تليق بعلوم الحديث، وتكلمنا عليها كلاما مبسوطا في شرح التلقين بحسب ما يليق بالفقهاء الناظرين في مسائل الخلاف، ونتكلم عليها الآن بحسب ما يليق بالأصولي.
فاعلم أن مما يتعلق به في هذه المسألة لمن أثبت الولي قوله تعالى: (وأنكحوا الأيمى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)، وقوله تعالى: (ولا تننكحوا المشركين حتى يؤمنوا)، وقوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينحكن أزواجهن).
ويتعلق من لم يشترط الولي بقوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)، وبقوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره).
فيفتقر الفقيه هاهنا إلى التنبيه على وجه التمسك بالظاهر، وإلى التنبيه على ما يتأول على الظاهر.
فأما التنبيه على وجه الاستدلال فإن المالكي يقول: نرى الله سبحانه خاطب الأولياء آمرا بالإنكاح، ونهيا عن الإنكاح، ونهيا أيضا عن المنع عن النكاح، فلو كان الأولياء لا حق لهم، ولا يفتقر إليه في العقد بل هم فيه كالأجانب لكان خطابهم خطابا لا يفيد، وحمل خطاب الله سبحانه على ما لا يفيد لا يصح.
ولهذا لم يحسن أن يخاطب الأجانب بمثل هذا الخطاب، لما كان لا مدخل لهم في إنكاح الأجنبيات.
فيقول له الحنفي المؤول: أنت تسلم يا مالكي أن اللفظ لم يتعرض فيه إلى حكم عقد المرأة على نفسها، وإنما فيه أمر الأولياء بالعقد، أو نهيهم عن العقد، أو عن المنع منه، وإنما عولت على أن إسقاط حق الأولياء يصير الخطاب غير مفيد، فما المانع أن تكون الفائدة في الخطاب أمر الأولياء بالنكاح إذا دعتهم إليه الولية، ونهيهم عن المنع إذا دعت إليه الولية أيضا، أو نهوا عن منع يوقعونه ظلما وعدوانا على ولياتهم المقهورات تحتهم المقصورات عليهم، أو يكون الخطاب لأولياء يملكون العقد لاستحقاقهم النظر لمن يكون عليه؟
[ ٣٧٦ ]
وإذا أظهرنا فائدة للخطاب وقف عليكم الاستدلال، وعاد الأمر إلى أن تقولوا: فائده كون المرأة تفتقر إلى الولي شرعا، وإلى أن نقول نحن: تفتقر إليه عادة وعرفا، للعلم أن المرأة ولو كانت متبرجة، فإنها تظهر الخفر والحياء من أن تعقد على فرجها، وتماكس في العوض عن وطئها، وإنما تستنيب وليها، ويلقى هذا بوجه، والرجال يسهل عليهم ملاقاة الرجال، فلهذا حسن الخطاب للأولياء.
وأما النهي عنا لعضل، فالعضل: المنع، وقد يمنعها الولي حقا، ويمنعها باطلا وعدوانا عليها، وليس في الآية أكثر من منعه أن يمنع، فإثبات افتقار العقد إليه لم يشتمل عليه الظاهر.
هذا وفي الآية طريق آخر من التأويل يجب أيضا أن يتنبه إليه الفقيه ليستعمله في مواضع أخر، وذلك أن الخطاب افتتح بالأزواج فقال سبحانه: (وإذا طلقتم النساء)، ولا شك أن المطلق هو الزوج لا الولي، ثم قال: (فبلغن أجلهن) يعني عدتهن، ثم قال: (فلا تعضلوهن)، فلا شك أن هذا الضمير عائد على حرف الخطاب الذي هو التاء والميم، في قوله: (طلقتم)، وأ/االولي فلا ذكر له هاهنا، والمعنى أن الزوج لا يسوغ له إذا قرب انقضاء العدة أن يرجعها ثم يطلقها فتعتد عدة ثانية، حتى يضر بها في التطويل.
ولكن للمالكي أن يقول هاهنا: أما من جهة الضمائر، فالأظهر ما قلته يا حنفي، وأما من جهة قوله: (فإذا بلغن أجلهن) فالأظهر أن الولي لا الزوج، لأن المرأة إلى بلغت أجلها فقد انقضت عدتها، والزوج بعد انقضاء عدتها لا يملك ارتجاعها، فاضطر هذا إلى حمله على الولي، ويؤكد هذا ما ورد في صحيح الأخبار من نزول الآية في معقل بن يسار لما منع (ص ١٦٦) أخته من النكاح، ولا يصح أن تنزل الآية على سبب، وتحمل على غير سبب نزولها.
ويقول الحنفي: معنى قوله: (فإذا بلغن أجلهن)، أي قاربن بلوغ الأجل، حتى يكون ارتجاع الزوج واقعا في موضعه.
فيقول المالكي: هذا إضمار لم يدع إليه اضطرار.
فأنت ترى وجه العمل في التأويل والموازنة بين هذين التأويلين، أن تأويلهم (بلغن) بمعنى قربن البلوغ أظهر من تأويل عود الضمير الثاني على غير الأول، لولا الخبر
[ ٣٧٧ ]
المنقول الذي ذكرناه، فإنه يقوي تأويلنا.
وأما قوله تعالى: (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف).
وأما الحنفي فيقول: أخبر تعالى أن لا جناح علينا فيما فعلت المرأة بنفسها بعد انقضاء عدتها، وإضافة الفعل إليها بمقتضى افنرادها واستبدادها به دون الولي.
فيقول المالكي: قد قال تعالى مقيدا لهذا بالمعروف، وفي المعروف تنازعنا، فقلنا: المعروف أن تعقد نكاحها بولي يعقد عليها، فقد صار التقييد يعود بإجمال في موضع الاستدلال.
وكذلك قوله تعالى: (حتى تنكح زوجًا غيره) يقول الحنفي: أضاف الفعل إليها، وهذا يقتضي انفرادها دون الولي. ويقول المالكي: المراد بالنكاح هاهنا الوطء، إذا لا تحل المبتوتة بمجرد العقد عند سائر العلماء سوى ابن المسيب، وإذا كان المراد الوطء فهي تنفرد به دون وليها.
فهذا وجه العمل في الظواهر القرآنية.
وأما قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي"، فينظر الفقيه إليه من باب آخر في أصول الفقه، فقد تقدم ذكره، وهو هذه الألفاظ الواقعة على نفي الذوات الموجودة؛ هل يحمل على نفي الكمال أو غيره، وقد تقدم ذكر المذاهب في هذا الأصل والأدلة عليها.
وأما الحديث الذي اشتغل أبو المعالي هاهنا بالنظر فيه خاصة، وهو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل" الحديث، فإن الشافعي ومالكا يستدلان به على أبي حنيفة، ولكن لأصحاب أبي حنيفة فيه تأويلات: أحدها: حمله على الصغيرة: والثاني: حمله على الأمة، والثالث: حمله على المكاتبة.
فأما حمله على الصغيرة فيرد عليهم من وجهين:
- أحدهما: أن الصغيرة لا تسمى امرأة، كما لا يسمى الصغير رجلا.
- والثاني: أن الصغيرة إذا عقدت على نفسها كان الخيار لوليها في إمضاء العقد عليها أو رده، يفعل من ذلك ما هو الأصلح لها، فالنكاح إذا اختار الولي إمضاءه [ليس] بباطل، والنبي ﷺ وصف هذا النكاح بالبطلان، وقال: باطل، باطل باطل، ثلاثا، فوكد الإبطال به. وقد تأولوا قوله: باطل، على أن المراد به ما يؤول الأمر إليه إذا اختار
[ ٣٧٨ ]
الولي فسخه. وهذا تعسف في التأويل لا يقبل لأجل أن الولي لا يبطله على كل حال، حتى يحسن وصف الحال بما يكون في المآل، كما حسن ذلك في قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)، لأجل أن الموت على الخليقة ضربة لازم. والولي هاهنا قد يختار إمضاءه، فالبطلان ليس بضربة لازم، وإذا كان الإبطال في المآل مجوزًا كما يجوز الإمضاء، لم يحسن القطع على أحد المجوزين.
وأما حملهم على الأمة فيرد من ثلاثة أوجه:
- أحدها: أن هذا الذي ذكرناه من كون السيد مخيرًا بين إمضاء نكاحها أو رده على أصولهم، وعلى أحد القولين عندنا في الأمة، وإن كان لم يختلف مذهبنا في الحرة إذا أنكحت نفسها.
- والثاني: قوله ﵇ في هذا الحديث: "فإن وطئها فلها مهرها"، والمهر ليس للأمة بل لسيدها، والحديث أضاف فيه المهر للموطوءة، وهذا الرد يقوى على القول بأن العبد لا يملك، فإن المهر لا يملكه إلا السيد.
- والثالث: قوله: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"، والسيد لا يشاجر في أمته، ولا مدخل للسلطان معه فيها.
وأما حملهم على المكاتبة فباطل، وإن كان المهر لها، من جهة ما قدمناه من تخيير سيدها، وأن سيدها لا يشاجر فيها.
وأبطله القاضي ابن الطيب من جهة أخرى وقال: يعلم بالضرورة فساد هذا التأويل، لأن قوله: "أيما" لفظ من أدوات الشرط، وأدوات الشرط من أبلغ ألفاظ العموم، و"أي" وما فيها من آكد ما يعم، وقد أكدت أي بـ "ما"، وهذا كله يشعر بقصد العموم والعبارة (ص ١٦٧) عن صورة نادرة، فإنما تقع بلفظ عام بالغ في التعميم، على هذا الأسلوب لا يصح، ولا يقع ذلك من فصيح سلك في كلامه الجد، وجانب الهزل واللغز، وهذا إن تصوره متصور فإنما يتصوره عند وقوعه جوابا عن سؤال أو قصدا إلى مطابقة شاهد حال، وأما لرسول يقصد عمدا تأسيس شرع، وتعلمي حكم كلي، فإن هذا كالقرينة الحالية إلى قصد الصورة النادرة، ومثل هذه التأويلات من النكت النادرة.
وهذا هو الجواب عن قوله: المكاتبة مما شملها العموم، والتأويل هو حمل اللفظ على عض ما شمله العموم، لأنا بينا أن ذلك لا يحسن في محامل نادرة ينفيها حكم اللفظ ومقتضى القصد، ومن قال: لقيت أسدا، وأراد شجاعا لم يبعد، وإن كان الأظهر أنه المفترس. ومن قال: أردت رجلا أبخر، لأن السبع أبخر فاستعرت لهذا الإنسان تسميته عند
[ ٣٧٩ ]
ذلك ملغزا أو هازلا، فإنه يحسن أن يستثني من هذا الحديث سائر النسوان سوى المكاتبة، فإذا حسن هذا بالاستثناء حسن بالتأويل، فإن هذا قياس على اللغة، وهو لا يسع، والصيغ والنظم مختلف إحكامه.
هذا وقد منع القاضي مثل هذا الاستثناء، ومن جوز مثل هذا الاستثناء إذا وقع في الإقرارات وغيرها من غير الرسول ﷺ، فإنه يعده من الكلام المستهجن، وكلام الرسول ﷺ يجل عن هذا، وهذه المسألة ذكرنا في كتاب "المعلم" وفي شرح التلقين اختلاف الناس فيها، وذهاب من ذهب إلى أن الولي لا يفتقر إليه شرعا في صحة العقد على الفروج، كما لا يفتقر إليه في العقد على الأموال، وهو مذهب أبي حنيفة، وذهاب من ذهب إلى افتقار العقد إليه في الفروج بخلاف الأموال، وهو مذهب الشافعي، ومذهب أبي ثور في أنه يفتقر إليه إذنا عقدا، فإذا أذن صح عقد المرأة على نفسها أخذا بظاهر هذا الحديث.
وقد قدمنا نحن فيما مضى من هذا الكتاب تأويل الحديث على وجه تمنعه من التعلق به، وذهب داود إلى التفرقة بين الثيب والبكر، فأخذ في البكر بمذهب مالك، في الافتقار إلى ولي، وفي الثيب بمذهب أبي حنيفة في إسقاط اشتراط الولي تعلقا منه بالحديث المشهور المذكور فيه: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها"، وهذا أيضا يحتاج إلى عمل آخر من أصول الفقه، وبيانه ما قدمناه من الأدلة وما لم نذكره مما بسطناه في شرح التلقين يعرف منه الصواب من هذه المذاهب، ولا يمكن النظار أن [يبين] حكم الله سبحانه في هذه المسألة حتى يسلك فيها هذه المسالك التي أريناك، وهي كالبادي لنظر النظار، وفي هذا كفاية.