قد اشتهر الحديث الوارد في الصحيح في "أنه ﷺ أرخص في شراء العربة بخرصها تمرا إلى الجذاذ، إذا كانت خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق"، شك الراوي في هذا، وأخذ مالك بهذا الحديث، ولكنه لم يجز انتقاد التمر، بل شرط في جواز هذه المعاملة تأجيل التمر. والشافعي لم يشترط (ص ١٨٣) التأجيل في صحة العقد، وكلاهما أخذ بهذا الحديث في جواز هذه المعاملة على الجملة، وإن تضمنت التفاضل في ما لا يجوز التفاضل
[ ٤٠٨ ]
فيه، وهو بيع الرطب بالتمر، وتضمنت أيضا مزابنة وهو بيع معلوم بمجهول، لأن الرطب إنما يباع بخرصه تمرا، وتضمنت النسيئة فيما لا يجوز النساء فيه، وهو بيع الطعام باطلعام إلى أجل. وقد عفا الشرع عن هذه الوجوه المحرمة، وأخرج هذه البيعة عن إجرائها على هذه الأصول المقررة، إما لنفي الضرر، وإما للرفق والإحسان، واتباع معروف بمعروف على ما عرف في كتب الفقه من الاختلاف في علة جواز ذلك، وسبب استثنائه من الأصول المقررة.
وأبو حنيفة لا يرى هذا بيعا مستثنى من الأصول كما تخيله الإمامان، وإنما يقدر أن المعري وهب ثمرات نخله، والهبة لا تجب عنده إلا بالقبض، وأما بمجرد القول فلا تستقل في اللزوم، ولا يجبر الواهب على تسليم ما وهب، فإذا وهبه ثمرات نخيله، وكان من حقه أن يرتجعها إذا شاء، فإن التمر الذي يبذله عوض ما ارتجع من الرطب إنما هو هبة ثانية وليست بمعاوضة عن الأولى، حتى يقدر فيها من وجوه التحريم ما قدره الإمامان مالك والشافعي ﵄.
وهذا التأويل فيه تعسف ظاهر، وكان لاحقا بما كنا فيه من المسائل التي تقدمت هذه المسألة، لأن الخبر ورد بأنه "نهى عن المزابنة، وأرخص في بيع العربة بخرصها " الحديث، وتصدير الراوي مقاله بأنه نهى عن بيع المزابنة، معناه أنه نهى عن معاوضة وتبايع فيه مزابنة، وهذا المنهي عنه لا امتراء ولا شك في كونه عقدا وبيعا، ثم بنى على ما قاله هذا وأرخص في بيع العربة، فيسمى ما يصنع فيها بيعا، ولا بيع عند أبي حنيفة كما قررناه، ففي تأويله تعطيل لفظة البيع، وإبطال معناها، ومنافرة بين هذا العطف والمعطوف عليه، وقطع ما بينهما من الارتباط، لأن المراد أن هذه المعاوضة في العربة مزابنة، وكان الواجب لا تجوز لما صدر الراوي به كلامه من أنه ﷺ هى عن المزابنة، لكنه أخبر بأن ههذ المعاوضة مستثناة من بياعات المزابنة، ورخصة من الرخص سامح الشرع بها.
ولا خفاء عمن أنصف أن هذا هو المفهوم من سياق هذا الكلام، لا ما تأوله أصحاب أبي حينفة، وقد رأيت الطحاوي تخيل في الاعتذار عن هذا بأن ذكر قولين فيه:
- أحدهما: أن الرخصة إنما ساقها الراوي هاهنا، لأجل أن الواهب مندوب إلى أن لا يرجع في هبته، لكن هذا رخص فيه في العرية للضرورة أو للرفق.
- والثاني: أن سنة المعاوضة وحقيقتها نقل ملك إلى ملك على جهة المقابلة، هذا بهذا، والثمن والمثمون هاهنا من عند واحد، وهو المعري، لأجل أن الرطب وهبه ثم ارتجعه ثم وهبه الثمن، فكلاهما ملكه وماله، فحقيقة المعاوضة غير حاصلة فيه.
وهذا الذي اعتذر به ليس بشيء، أما اعتذاره بأن الرخصة في إرجاع الهبة، فالسياق يبطل هذا التأويل، وقد ذكرنا أنه صدر الحديث بأن قال: "نهى عن المزابنة"، ثم عطف
[ ٤٠٩ ]
عليه قوله: "وأرخص في بيع العرية"، والمفهوم من هذا قطعا أن الرخصة بالإخراج لهذا الحكم عن أحكام المزابنة، ولو لم يكن ذلك، لم يكن لتصدير الخطاب بذكر المزابنة معنى.
ونحن وإن لم نعد عطف جملة على جملة لا تعلق بينهما كقول الراوي: نهانا عن سبع، وذكر لبس القسي، والشرب في آنية الذهب، إلى غير ذلك مما ذكره، فإن هذا لما عبر الراوي بلفظ الرخصة عقيب ما صدر الخطاب به اقتضى ذلك الإشارة إلى أن المراد أن هذه رخصة مما تقدم، ولا يسمى الشيء رخصة إلا إذا استثنى من ممنوع، ولا ممنوع هاهنا سوى ما ذكره الراوي، لو كان المراد ما ذكره هذا المتأول لقال: نهى عن الرجوع في الهبة، وأرخص في العرية، ولم يقل: في بيع العرية، وهذا ظاهر لا يمتري فيه لبيب.
وأما التأويل الثاني، وهو أن هذه العبارة إنما حسنت لأجل عدم حقيقة التعاوض لكون الرطب والتمر لمالك واحد، فإن هذا باطل بهذا الذي قدمناه، لأنه لا بيع هاهنا عند هذا المتأول، وكأنه يشير إلى الرخصة في التسمية، وهذا لا يقوله محصل، لأن الراوي لم يشتغل في هذا بنقل اللغة وحقائق التسميات، وإنما اشتغل بنقل الأحكام وبيان الشرائع، فالمنع والترخيص إنما يراد به هاهنا الأحكام (ص ١٨٤) والحلال والحرام، لا التسميات. ولا تحسبن العبارة أيضا عمن تجوز في لفظ أو برزت منه استعارة أن يقال: أرخص في كذا. وبالجملة فقد قال: بيع العرية، وهذا تعطيل اللفظ جملا وتفصيلا، فلحق بالمسائل التي قدمناها من ههذ الجهة.
هذا الذي أظنه أراد أبو المعالي بإيراد هذه المسألة هاهنا، من غير ذكر جواب عنها، ولم أقف له فيها على مقال، وقد أبدينا نحن ما يمكن أن يقال. ومن مستهجن التأويل أيضا بما تعلق بخلال هذه المسألة، لأنا ذكرنا أن العربة من الاستثناء عن الأصول، بيع الرطب بالتمر وهو ممنوع عندنا وعند الشافعي، وأجازه أبو حنيفة كيلا بكيل مع ورود الحديث المشهور، وقد سئل عنه ﷺ فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن"، فاشار ﵇ إلى أن المماثلة المطلوبة في الربويات المساواة حال الادخار، وذلك إنما يكون بعد الجفاف.
وقد تعسف بعض من ينتصر لأبي حنيفة على هذا الحديث بتأويل لا خفاء بركاكاته، فقال: المراد: فلا إذا، أي لا تبيعوا الرطب إذ جف، فصار تمرا بتمر آخر إلا مثلا بمثل.
[ ٤١٠ ]
ومثل هذا التأويل لا يصح أن تسود الصحف بذكره، وإنما ذكرناه لتعلقه بأذيال هذه المسألة التي نحن فيها، وأقل ما فيه من الفساد أن هذا جهل باللسان، لأن هذه اللفظة إذا وردت آخر الكلام كانت ملغاة في إعمال الإعراب، وواردة مورد التعليل على ما قدمناه في كتاب الحروف، وهي بخلاف "إذا" الذي لا تنوين فيها، لأن "إذا" ظرف زمان مستقبل، فقد جهل هذا المتأول أحكام الإعراب والرواية أيضا، لأنه لم يقل: فلا إذن، أي إذا جف الرطب وصار تمرا، فلا تبيعوه بالتمر متفاضلا، وحذف هذه الجملة كلها بعد "إذن" فإن إخراج كلام النبي ﵇ عن الإفادة، وإلحاقه بمن سئل عن شيء، فأجاب عن غيره، وهذا يحاشي منه الفقهاء، فكيف بالنبي ﷺ. يضاف إليه أنه سئل عن شيء فترك الجواب عنه، وأجاب عن غيره والمسألة تبسط في الكتب الفقيهات، وإنما ذكرنا منها هذه الجملة المتعلقة بالتأويل الذي نحن بصدده.