ذكر الله سحبانه في كفارة الظهار الإطعام فقال: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)، فقدر من يطعم بعدد محصور، ولم يقدر قدر الإطعام.
وقد اختلف الناس في الوجهين جميعا
أما قدر الطعام في كفارة الظهار فإن لمالك فيه أربعة أقوال: أحدها: أن الذي يطعمه كل مسكين مد بمد النبي ﵇، وبهذا قال الشافعي. والثاني: مد وثلث. والثالث: مد وثلثان. والرابع مدان.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان الطعام برا كان مدين، وإن كان تمرا أو شعيرا كان الأطعام صاعا.
وأما عدد من يعطي هذا الطعام فمذهب مالك والشافعي مراعة العدد الذي ذكر الله سحبانه وهو ستون مسكينا، فلا يجزئ عندهما أن يعطي الكفارة لأقل من ستين مسكينا، كما لا يجزئ أن يعطي كفارة اليمين بالله لأقل من عشرة مساكين.
[ ٣٩٩ ]
وذهب أبو حنيفة إلى إسقاط مراعاة العدد، ورأى أن المقصود في الشرع سد الخلة بهذا المقدار، فإن أطعم طع أم ستين مسكينا لمسكين واحد لأجزأه، لأنه حصل في ذلك ستين خلة.
ونقل أبو المعالي هذا المذهب عن أبي (ص ١٧٨) حنيفة نقلا مطلقا يغتر به قارئ كتابه، ويظن أن مذهب الرجل جواز إعطاء هذه الكفارة لمسكين واحد في يوم واحد، والرجل لم يقل ذلك، ولكنه اشترط في تكرير ذلك على مسكين واحد تكرر الأيام، فرأى أنه إذا أعطى مسكينا صاعا أو نصف صاغ في يومه، وأمهل حتى صار بالغداة أعطى ذلك المسكين بعينه صاعا أو نصف صاع في يومه، وأمهل حتى صار بالغداة أعطى ذلك المسكين بعينه صاعا أو نصف صاع، ثم يمهل إلى الثالث فيعطيه كذلك حتى يستوفي ستين يوما، فيكون كالمطعم ستين مسكينا، هكذا مذهب الرجل لا ما أطلقه أبو المعالي في حكايته عنه.
وبهذا التقييد الذي حكيناه عنه يوجد إلى الاعتراض عنه سبيل، ولا تبلغ المسألة إلى إفراط أبي المعالي في تأنيبه، قوله: من عذيرنا فيه، إذا عطل النص بتأويل فاسد، لأن الرجل إنما تخيل أن الله سبحانه أمر بإعطام ستين مسكينا، ولم يعين مسكينا من مسكين، ولاخلاف بين العلماء أن المساكين غير معينين، فإذا لم يعينوا وأطعم هذا مسكينا، ثم كرر إطعامه بالغداة، وهو بالغداة مسكين، فكأنه أطعم مسكينا، لكونه هذا المسكين يصير كل يوم من جملة المساكين الذين لا يعينوا.
وإذا انتهى التأويل بهذا الرجل إلى هذا التقدير، فلا وجه للإفراط في تأنيبه وإضافته إلى تعطيل النص، لأنه إنما قدر أنه مستعمل للنص بهذا التكرار، وأنه غير مخل بالعدد المنصوص عليه، لكونه المساكين غير معينين، فإنما تحكام إلى مقتضى اللسان، وهل تسمى العرب هذا الإنسان المكرر على مسكين واحد ستين يوما مطعما لستين مسكينا أم لا؟ فالرجل على هذا التقدير غير مسقط للنص، وإنما ظن أن النص مشتمل عليه، وتخيل أن الغرض سد الخلة بهذا المقدار، فلا فرق بين أن يسد خلة مسكين واحد ستين يوما، أو يسد خلة ستين مسكينا في يوم واحد.
وقد أفسد عليه هذا بأن اتباع هذا الغرض الذي تخيل يجوز أن يكون على المسكين الواحد الإطعام إذا سرق ما أعطيه أولا، عاد بسرقته منه محتاجا لسد جوعته، وكان يجب على هذا إذا بقى عند هذا المسكين ما أعطيه من الطعام في يوم إلى غده ألا يكرر عليه، وهو لم يلتزم هذا الذي اقتضاه طرد اعتلاله، وقد احتج له بجواز تكرير الطعام بأن يشتري من المسكين، ثم يعطي لآخر، ولم يمنع ذلك من الإجزاء، فكذلك تكرير الإعطاء لمسكين واحد بتكرير الأيام.
[ ٤٠٠ ]
وأجيب عن هذا بأن الطعام لا غرض صحيح في النظر في من يملك عنه الطعام، ومن القصود الصحيحة مراعاة عدد من المساكين، ولا ينكر أحد أنه يمكن القصد إلى اعتبار العدد، وأن ذلك بخلاف اعتبار من يملك عنه الطعام، إذا تساوت جهة الملك.
وأخذ أبو المعالي في الرد عليه من جهة أخرى أورد فيها نكتا نحوية، وذلك أنه قد علم أن الفعل المتعدي إلى مفعولين، يختلف حال المفعولين، فتارة لا يجوز الاقتصار على أحدهما، وذلك إن كانا اسمين يصح أن يكون أحدهما مبتدأ، والآخر خبرا عنه، لأن الاقتصار على المبتدأ دون خبره لا يصح، وكذلك الاقتصار على أحدهما خبره دونه، ألا تراك تقول: زيد عالم، فتأتي باسمين أحدهما مبتدأ، وهو قولك: زيد، والآخر خبر عنه، وهو قولك: عالم. ولو اقتصرت على إحدى اللفظتين، فقلت: زيد: أو قلت: عالم لم يكن كلاما مفيدا، فإذا تعدى الفعل إلى هذا النوع من الأسماء لم يصح الاقتصار على أحدهما دون الآخر، ولابد من ذكرهما جميعا، حتى إذا كان المفعولان بخلاف ذلك، فيجوز الاقتصار على أحدهما، إذ لا ارتباط بين الاسمين، ولا يكون أحدهما مبتدأ والآخر خبره، ألا تراك لا تقول: زيد درهم، فلما لم يكن بينهما ارتباط صح حذف أحدهما إذا علقتهما بفعل، فتقول: أعطيت درهما ولا تذكر من أعطيته، فلهذا عمل الفعل في هذا في هذا النوع مقدما ومؤخرا، لكونه مقصودا في الخطاب معتنى به، فنقول: أعطيت زيدا درهما، وتقول: زيد درهما أعطيته، ولا يحسن هذا في النوع الآخر، فلا تقول: زيدا عالما ظننته، وإنما تقول: زيد عالم ظننته، على وجه إلغاء الفعل، لأنك إذا قدمته أشعرت تقدمته بتأكيده فعمل، فإذا أخرت أشعر تأخيره باطراحه فلم يعمل، ولو وسطته لجاز لك الوجهان: الرفع والنصب، فتقول: زيدا ظننت عالما، فتعمل الفعل، وتقول: زيد ظننت عالم، فتلغي الفعل.
فاستفيد من هذه الجملة أن العرب تراعي في كلامها الأهم، وتعتبر المقصود، فقوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) الإطعام هاهنا مصدر (ص ١٧٩) والمصدر يعمل عمل الفعل، فيتعدى إلى مفعولين، والتقدير فإطعام طعام ستين مسكينا، فطعام أحد المفعولين، ولكنه حذف لأن هذا الفعل مما يصح حذف أحد مفعوليه. فاعتبر أبو حنيفة المفعول المحذوف وجعله المقصود في الخطاب، حتى علق الحكم به، فقال: لو كانت التلاوة: فإطعام طعام ستين مسكينا، لكان إذا أخرج قدر طعام ستين مسكينا أجزأه، فإذا لم تكن التلاوة هكذا، ولكن المحذوف مقدر وجب تعليق الحكم بتقديره، فرآه أبو المعالي غالطا خارجا عن قانون اللسان، إذ جعل المحذوف هو المراد المعلق الحكم به، والمذكور المنصوص كالملغي.
وقد أخبرنا نحن في أول المسألة بعذره عن ذلك، هذا أيضا وقد يزاحم أبا المعالي
[ ٤٠١ ]
فيما تعلق به من صناعة النحو، فيقول ما قاله سيبويه: إن المصدر يقدر بـ "ما"، ويقدر بـ "أن"، فإذا قدرنا المصدر هاهنا بمعنى "ما" اقتضى ذلك ما قاله أبو حنيفة، ويكون التقدير: فمن لم يستطع فما يطعم ستين مسكينا، وهو التقدير الآخر، يخرج به إلى ما لا يريد. فأنت ترى كيف أريناك أن له متعلقا بصناعة النحو م وجه آخر، ذكره الإمام الأول وهو سيبويه، وذكر في تقدير المصادر ما حكيناه عنه، وأحد تقديريه فيها يخرج أبا حنيفة إلى ما أراد، فمع إمكان تعلقه بالظاهر من هذه الجهة النحوية، ومن تلك الجهة الفقهية، كيف يفرط في التغليظ عليه فيما ذهب إليه، والأولى أن لا يطرق إلى إمام أدنى ذام أو ملام، ما وجد سبيلا إلى صرف ذلك عنه، ولم نشر بهذا إلى تصحيح ما ذهب إليه في هذه المسألة، ولكن أريناك طرقه فيها، وفي هذا كفاية.