قد قررنا فيما أمليناه من الفقهيات اختلاف فقهاء الأمصار في علة الربا، وسبب اختلافهم في ذلك. والمتعلق من ذلك بما نحن فيه الآن مسألة أشار إليها أبو المعالي على الجملة، وأحال جوابها على كتب له أخرى، وهي مسألة بيع الحفنة بالحفنتين، فقد علم أن العلة عند مالك في تحريم التفاضل في البُر وما في معناه: الاقتيات والادخار، وعند الشافعي الطعم، وعند أبي حنيفة الكيل والوزن؛ فإذا سئل الشافعي عن بيع ما لا يكال من الطعام لقلته كالحفنة قال: لا يجوز بيعها بمثليها، ولا يباع إلا مثلا بمثل، لأن العلة الطعم، والطعم حاصل فيها وإذا سئل عن ذلك مالك قال: لا يجوز، لأنها مما تدخر وتقتا، ولو قل الطعام حتى لا تكون فيه كفاية في التغذي، لم يخل من أن تكون له حصة في التغذي والتقوت، والتعليل للجنس، فوجب تحريم التفاضل. وأما أبو حنيفة فيقول: العلة الكيل، وما لا يكال لقلته فجائز بيعه متفاضلا بجنسه كالحفنة بالحفنتين.
فيتحاكم القول إلى الحديث، فيقول: قال عليه [السلام]: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل" الحديث كما وقع، فيقول أبو حنيفة: ذكره ﵇ الكيل، يشعر بأن علة الربا الكيل، على ما عرف من بسط الكلام في هذا في كتب الفقه، وإذا ثبت أن اللفظ مشعر بأن العلة الكيل، فالحفنة مما لا يكال، فوجب أن يكون لا ربا فيها لزوال علة الربا منها.
[ ٤١١ ]
فيقول له الآخرون: هذا تعليل وتأويل فيه تخصيص للفظ، وتخصيص اللفظ تعطيل لبعض المسميات، وتعطيل بعض مسميات اللفظ كتعطيل جملته، وقد قدمنا أن كل تأويل يؤدي إلى تعطيل اللفظ فإنه لا يسمع ولا يقبل، ومن هذه الجهة حسن إدخال هذه المسألة في هذا الكتاب وإيرادها في هذا الباب، لأن أبا حنيفة تأول تأولا، وعلل تعليلا استنبطه من لفظ، عاد ذلك لتعطيل بعض مسميات اللفظ، وذلك [أن] قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر" جملة مفيدة، مستقلة بنفسها، لو اقتصر عليها لأفادت تحريم بيع البر بالبر على أي حال (ص ١٨٥) كان قليلا أو كثيرا، متساويا أو متفاضلا، لكنه لما قال: "إلا كيلا بكيل"، استثنى من هذا العموم ما تساوى كيله خاصة، وبقي الباقي على عمومه في المنع، فدخلت الحفنة بالحفنتين في المنع بحق هذا العموم، فإذا عاد يستنبط من اللفظ علة تجيز بيع الحفنة بالحفنتين صار مخصصا للفظ بتأويل وتعليل استنبطه منه. وقد تقدم بياننا لمنع تخصيص اللفظ لعلة مستنبطة منه، إذ التعليل إنما يكون بعد فهم معنى اللفظ، والإحاطة بمضمونه في اللغة.
ولكن أبا حنيفة يعتذر عن هذا بأن المقصود من الحديث تعليم حكم التعليل، وإنما ورد التحريم فيه على جهة التبعية، والوصلة إلى النطق بالمقصود، ويتنزل ذلك منزلة قوله ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، و"لا عمل إلا بنية"، و"لا صلاة إلى بطهور"، فإن الجملة الأخيرة المستثناة لا المستثنى منه، وهو النفي، وإنما ورد النفي ليتوصل به إلى النطق بما بعده من إثبات الطهارة، وتعليم الحاجة إليها في الصلاة، وإلى فاتحة الكتاب، وإلى غير ذلك من أمثاله، وإذا ثبت أن هذا المقصود: فقوله: "لا تبيعوا البر بالبر" غير مقصود، وما ليس بمقصود لا يدعى فيه العموم.
وقد تقدم لنا نحن مثل هذا في قوله: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالنضج نصف العشر"، ورددنا على أبي حنيفة، فقوله: إن الخضراوات [لا تزكى] ترك لعموم قوله: "فيما سقت السماء العشر"، بأن هذا الحديث: المقصود منه تعليم ما يعشر وما يؤخذ منه نصف العشر، لا تعليم ما يزكي وما لا يزكي، وما ليس بمقصود لا يتعلق بعمومه.
فهذا نهاية ما يعتذر به أبو حنيفة عن هذا الحديث، ولكنه يخالف فيما اعتقد من هذا، ويقال له: بل المقصود الجملة الأولى، وهي قوله: "لا تبيعوا البر بالبر"، وإنما ما استثني
[ ٤١٢ ]
بعدها في حكم التبع الوارد لتخصيص الجمل والتحرز فيها، فشبيه ذلك ما يزيده القايس من تقييد في العلة ليتحرز من النقض، ومقصوده مع ذلك في التعليل ما سوى هذا اللفظ المزيد، فكذلك قوله: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل"، المقصود تعليم التحريم، ثم يستثنى منه ما يحل على جهة التبعية للفظ، وليس المقصود تعليم التحليل، والمحرم ذكر كالوصلة كما قال أبو حنيفة.
وإذا ثبت أن الجملة الأولى هي المقصودة، صح التعلق بعمومها، ومنع أبو حنيفة من تخصيص هذا العموم بتعليل يستنبطه منه، وتصير هذه الجملة كقوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان " الحديث، فالمقصود الجملة الأولى، وهي تعليم تحريم الدماء، والذي استثنى من هذه الجملة في حكم التبع الوارد لتحصينها وتقييدها، فهذا موضع التنازع ومنشؤه.
وتلخيصه: هل الجملة الأولى مقصودة والغرض تعليم التحريم، حتى يمنع أبو حنيفة من تخصيص المقصود بعلة مستنبطة منه، [أو] المقصود الجملة الثانية؟ حتى لا يحتج على أبي حنيفة بعموم الأولى.
ويمكن عندي أن يظن ظان بهذا الحديث مذهبا ثالثا غير ما قاله هؤلاء، وهو كون الجملتين جميعا مقصودتين، وقصد الشارع بيان ما يحل ويحرم معا في التبايع بالبر بعضه ببعض. ولا شك أنه ربما وردت جمل كلها مقصودة، ومثل هذا القسم بقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، فإن الجملتين جميعا مقصودتان، والقصد تعليم التحليل في البيع والتحريم في الربا.
ولكن هذا المثال ناء عما كنا فيه، لأن هاتين جملتان لا تفتقر إحداهما إلى الأخرى، مثل ما مثلنا به فيما المقصود آخره، وهو قوله: "لا صلاة إلى بطهور"، وما المقصود أوله كقوله: "لا يحل دم المرئ مسلم " الحديث، فلابد أن يوضح الصحيح من هذه الآراء، هل المقصود في الحديث الذي تكلمنا عليه الجملة الأولى وهي منع التبايع في البر بالبر، أو الأخيرة، أو المقصود مذهب ثالث وهو اعتقاد قصد الرسول ﷺ إلى تعليم التحليل والتحريم جميعا، ويكثر الشكل من هذا النوع، ومنه قوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس
[ ٤١٣ ]
حتى يقولوا: لا إله إلا الله "، هل المقصود بيان الأمر بالقتال، وما بعده في حكم التبع، أو المقصود ما بعد حرف الغاية، والأولى في حكم الوصلة؟
والمسألة عندي لا تصفو جارية على الأسلوب من النظر إلا بعد أن تحقق أحكام هذه العلل، والنظر في الكيل (ص ١٨٦) والوزن؛ هل ينوب أحدهما عن الآخر في أحكام الربا إذا تعذر الآخر؟ وهل يراعى الوزن في التمر في بلاد اعتادوا وزنه، أو الكيل؟ وهكذا البر. وإنما أشرنا إلى هذا لأن ما امتنع كيله لا يمتنع وزنه، هذا أيضا ولابد لكل مبيع أن يكون مقدرا، ولا بُعْدَ في اتخاذ معيار لذلك المقدار يصطلح عليه وإن قل، ولا يمتري أحد في إمكان اتخاذ ميكال بقدر الحفنة، حتى يلحق بما اعتيد كيله، وهذا كله إنما ينظر فيه الفقيه، وبسطه إنما يحسن في كتب الفقه.