ذكر أبو المعالي، [و] أشار بذكرها إلى انخراطها في سلك ما هو فيه، ولم يورد جوابا عنها، وأحال على كتب متقدمة بسط الكلام فيها على هذه المسائل، فرأينا أن لا نخلي كتابنا هذا من تفصيل ما أجمل، وإحضار ما أحاله على غائب.
فمن ذلك الخلاف المشهور بين فهقاء الأمصار في المصراة، فقد علم أن مذهب مالك ﵁ والشافعي ﵁، أن من باع ناقة أو بقرة أو شاة، ودلس في لبنها، بأن ترك حلابها أيام حتى كثر درها، وتكاثر لبنها في ضرعها، ليوهم مشتريها أنها غزيرة اللبن، أن ذلك عيب دلس به البائع، وفعل فيه ما لا يحل، وهو بالخيار إذا اطلع على أن لبن الشاة أو البقرة بخلاف ما ظن، بين أن يمسكها أو يردها، وإن ردها فعندنا أنه يرد معها صاعا من تمر، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵇: "لا تصروا الإبل، ولا البقر، فمن اشترى مصراة فهو بخير النظرين"، الحديث.
وقد ترك الأخذ به أبو حنيفة، واختلفت النقلة عنه، فلاذي يضيف إليه من تقدم من أصحابه أن التصرية عيب، ولكن منع الرد به تصرف المشترى في المبيع، وهو البقرة أو الشاة، والذي يقوله المتأخرون من أصحابه أن ذلك ليس بعيب عنده.
[ ٤٠٢ ]
وإنما نيطت هذه المسألة بما نحن فيه لأجل أن أبا المعالي ذكر أن كل تأويل عطل اللفظ لا يسمع، ولو عضد بدليل، فآخر ما أجرى من هذه المسألة كفارة المظاهر بالإطعام، فإنه رأى أن مذهب أبي حنيفة إذا صار إلى أن المظاهر إذا لم يقدر على الإعتاق ولا الصيام، فإنه يطعم طعام ستين مسكينا واحدا كما قدمناه، وظن به أنه علق الحكم بلفظ محذوف، وعطل اللفظ المنصوص من قوله: (ستين مسكينا) على ما بيناه فيما قدمناه، فكذلك ما نحن فيه.
زعم بعض من ينتصر لأبي حنيفة أن تأويل الحديث فيمن اشترى مصراة، واشترط غزارة اللبن، وإثبات هذا الاشتراط محذوف علق الحكم به، وعطل ظاهر اللفظ، وهو ﷺ إنما علق النهي على التصرية، وبنى عليها الحكم في من اشتراها، فمن هذه الجهة انخرطت هذه المسألة في سلك ما نحن فيه.
وأما من رأى أن أبا حنيفة إنما لم يقل بهذا الحديث لأجل مخالفته لقياس الأصول، لأن فيه إثبات غرامة مقدرة عن متلفات مختلفة، فلبن الناقة ليس كلبن البقرة، ولبن البقرة ليس كلبن الشاة، ثم مع هذا الاختلاف جاء الحديث بأن على متلف هذه الألبان المختلفة صاعا من تمر. وقد اعتذر عن هذا بأن النبي ﷺ إنما شرع هذا رفعا للخصام والتشاجر.
وقد قال عيسى بن أبا، لا يصح أن ترد الشاة دون لبنها المبيع معها، ولبنها المبيع معها لا يتميز عن اللبن الذي حدث [أثناء] ملك المشتري، فلما لم يتميز هذا من هذا، ووجب رد بعض هذا الذي لا يتميز، وخيف من التشاجر والاختلاف فيه، قطع التشاجر برد صاع عوض الكل.
(ص ١٨٠) إلى هذا أشار عيسى بن أبان، وإن كان لم يبسط التعرض لذكر الخصام، وإنما بسطه غيره فقال: ولا يستنكر هذا في الشريعة، ألا ترى أن الجنين إذا ضرب بطن أمه فألقته، فـ"إن النبي ﵇ حكم فيه بالغرة"، ولم يفرق بين أن يكون الجنين المطروح ذكرا أو أنثى، مع اختلاف دية الذكر والأنثى، وإنما ذلك لرفع الخصام.
وكذلك جاء الشرع في الموضحة، وهي الجرح الذي كشف عن العظم بأن فيه نصف عشر الدية، ولم يفرق بين كون هذا الجرح صغيرا أو كبيرا، فقد جاء في الأصول إثبات غرامة واحدة مع اختلاف حال المتلف.
وقال أصحاب أبي حنيفة ايضًا في مخالفة الأصول: غرامة التمر عن اللبن، والأصول تقتضي ألا يغرم المتلف خلاف ما أتلف. وقد اعتذر عن هذا بأن غرامة اللبن توقع في الربا والتفاصيل في اللبن، فعدل عن ذلك لأجل الاحتياط للربا إلى أن غرم خلاف الجنس.
[ ٤٠٣ ]
وأشار الطحاوي إلى طريقة أخرى في التأول تشعر بأنه يرى الحديث منسوخا فقال: غرامة اللبن، وهو دين في ذمة المشتري، والتعويض عنه بثمن في ذمته دين بدين، وقد نسخ جواز بيع الدين بالدين. فكأنه يشير إلى أن الدين بالدين كان جائزا، والحديث إنما ورد وقت جوازه، وهذا من الطراز الذي تقدم في غير هذه المسألة، حيث ذكرنا أنه لا يحسن أن يضاف إلى الشرع أمور بالتقدير، فإذا صادفنا الشرع على حكم فنحن على أنه لا يكون إلا كذلك، ومن أثبت خلافه لأجل الإمكان، ورأى ما نحن عليه ناسخا يضاهي من حاول نسخ ما نحن عليه بإمكان أن يكون قد نسخ. وهذا قد فرغ من الكلام عليه في مسألة إسلام المشترك وتحته عشرة نسوة.
ومما يعتد به من أركان النظر في هذه المسألة أن أبا حنيفة يسلم أن من اشترط غزارة اللبن ثم لم يجده غزيرا، فإن له مقالا، فنقول نحن: إذا حفل شاته وصراها فلم يحلبها أيام قصدا لتغليط المشتري والتغرير به، حتى يظن أنها غزيرة اللبن، فإن هذا الفعل يحل عند العقلاء محل قول البائع: أبيعك إياها بشرط أن لبنها غزير، وهل بين هذا فرق وبين من اشترى عبدا وشرط أنه سالم الأصابع، فوجد أصبعه قد قطعت، أشترى عبدا ولم يتعرض لذكر أصابعه فوجد أصبعه مقطوعا، فإن المشتري له الرد سواء سكت أو نطق، وإنما كان له الرد وإن سكت، لأن غالب العبيد [صفتهم] السلامة من قطع الأصابع، فالمشتري إنما دخل على شراء عبد سالم الأصابع جريا منه على المألوف الذي هو الأكثر في بني آدم، فكذلك مشترى الشاة المصراة، وإن سكت عن غزارة اللبن، فإنه دخل على أن الغالب أن الشاة لا تصري، وأن الذي في ضرعها هو المعتاد من لبنها، فسكوته هاهنا كنطقه.
وقد سلم أبو حنيفة هاهنا أن الاشتراط نطقا يوجب للمشتري مقالا، فكذلك السكوت الذي يحل محل المقال، ولكن يلزم على طرد هذا التعليل أن البائع لو لم يحفلها، وإنما اشتغل عن حلابها أياما ثم باعها غير قاصد للتدليس، ولا كان تاركا حلابها قصدا للتغرير للمشتري أن يكون للمشتري مقال في هذا أيضا على ما قررناه من أن السكوت في مثل هذا يحل محل النطق.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فطرد بعضهم هذا الأصل، ورأى أن للمشتري مقالا، وأباه بعضهم، ورأيت ابن القصار من أصحابنا هرب من طرد، وقال: لم يكن الرد للمشتري لأجل أن اللبن جاء بخلاف ما ظن، ولكن لأجل أن البائع دلس عليه، وفعل ما لا يحل، ورأى أن الاعتماد على التعليل بالتدليس يمنع من أن يوجه علينا ما وجهه أصحاب أبي حنيفة [إلى] من تابع علف بقرته حتى انتفخ بطنها فقدره المشتري جنينا، أو من بائع
[ ٤٠٤ ]
باع غلاما بيديه قلم ودواة، وهو مسود الثياب، حتى ظنه المشتري كاتبا، فقال ابن القصار: لا يلزم الرد بهذا، لأن علف البقر ليس بحرام، فالبائع غير مدلس، ولا فاعل حراما، بخلاف المصري ناقته، فإنه فعل ما نهاه رسول الله ﷺ [عنه]، وهكذا إمساك الدواة والقلم، وتسويد الثياب ليس بحرام. وهذا الذي قاله ابن القصار لنا فيه تفصيل يطول، نمليه في كتبنا الفقيهة إن شاء الله.
وقد ذكر أبو حامد الإسفراييني عن ابن أبي هريرة من أصحابهم أنه يرى أن ذكر الخيار بعد الثلاث في حديث المصراة، إنما وجهه أن خيار الثلاث اشترط فيه. وهذا منه مزاحمة لما أنكرناه وأنكروه على أصحاب أبي حنيفة من تقدير الإضمار (ص ١٨١). وذكر عن المروزي أنه إنما ذكر في الحديث الثلاث، لأن اللبن لا يتبين في أقل من الثلاث.
وقد يقول أصحاب أبي حنيفة: إذا لم يستنكر تخصيص العموم بالقياس وهو نقص من اللفظ، فلا تستنكر زيادة بتقدير محذوف أثبتها القياس.
ويجابون عن هذا بأنهم يرون الزيادة على النص نسخا بخلاف التخصيص، فقد كفونا مؤونة الفرق. وأيضا فإن استعمال اللفظ العام على غير جهة الاستيعاب شائع سائغ في اللسان، فالحمل عليه حمل على معروف اللسان، وإثبات زيادات في الكلام مستغني عنها، والتحكم في ذلك مهجور عند أهل اللسان مستنكر، والزيادات لا تكاد تنحصر وليست زيادة أحق من زيادة، فلو فتحنا هذا الباب لم نقف عند حد، والتخصيص عنده حد على ما سبق بيانه في مواضعه.